في الشرق الأوسط، تتكرر محاولات إعادة تشكيل
المنطقة عبر عقود، لكنها غالبًا تأتي من خارجها: مشاريع دولية وإقليمية تسعى لرسم
حدود النفوذ والسيطرة، بينما يغيب أصحاب الأرض عن رسم مصيرهم أو بلورة مشروع نهضوي
عربي حقيقي. لقد شهد القرن الماضي تجارب متعددة للنهوض، من الوحدة القومية إلى
الاشتراكية، وصولًا إلى الصحوة الإسلامية، إلا أن هذه المشاريع لم تصمد أمام
التعقيدات الداخلية والضغوط الخارجية.
اليوم، يعمّ الفراغ الفكري والسياسي
والثقافي المشهد العربي، ويترك شعوبه بلا بوصلة أو مشروع واضح، مما يجعل المنطقة
معرضة للتدخلات والهيمنة الخارجية، ويحوّل مستقبلها إلى لعبة مصالح للقوى الأخرى.
في هذا السياق، يصبح استنهاض مشروع عربي جديد، واقعي وطموح في الوقت نفسه، ضرورة
تاريخية وأخلاقية، تتطلب إشراك النخب العربية الفاعلة في رسم خارطة المستقبل
وصياغة رؤية متجددة تلهم شعوب المنطقة وتستجيب لتحدياتها المعقدة.
هذا النص كتبه خصيصًا لـ "عربي21" جلال
الورغي، مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية، الذي يسعى من خلاله إلى البحث عن
سبل إشراك النخب العربية في بناء مستقبل المنطقة، وصياغة رؤية عربية متجددة تجمع
بين الطموح الواقعي، والتطلعات الوطنية، وتضع الأساس لمشروع عربي قادر على مواجهة
التحديات الداخلية والخارجية.
الشرق الأوسط الجديد.. أصل الفكرة
تعود فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتتجدد
مرة تلو الأخرى. بيد أنه من اللافت أن هذه الفكرة أو المخطط، تتكرر على مسامعنا من
قوى لا صلة لها بالمنطقة، وإنما قوى خارجية، تحرص وتسعى لإعادة هندسة ورسم خطوط
وملامح هذا الشرق الدامي. فمرة هو مشروع أوروبي خلال الحرب العالمية الأولى، ومرة
هو مشروع أمريكي لافتكاك الهيمنة على المنطقة من الامبراطوريتين الغاربتين فرنسا
وبريطانيا، ومرة هو مشروع إسرائيلي، ومرة هو خلاصة تحالف أمريكي إسرائيلي. والمثير
أيضا أن فكرة إعادة تشكيل المنطقة وهندستها مجددا يغيب ويغيّب عنها أصحاب هذه المنطقة
تماما. بل يبدو هذا المخطط في جوهره لتغييب قوى المنطقة بإخضاعها.
شهدت المنطقة خلال القرن الماضي ظهور مشاريع عديدة للنهوض والتغيير، تلخصت أساسا وحسب السياق الزمني، في التيار القومي رافع لواء الوحدة العربية، وحقق خطابه بعض الأثر في نشر ثقافة الوعي بالوحدة والتكامل، أساسا للقوة والنهوض، وعاملا للخروج من الضعف والانقسام.
في خضم هذا الصراع على المنطقة وهذا التنازع
الإقليمي والدولي حولها، يغيب العرب، فكرة ومشروعا. بل يؤكد هذا الصراع الدامي على
المنطقة، أن حالة من الفراغ، وغياب مشروع نهضوي عربي، هو الذي خلّف فراغا مروعا،
التقطته القوى الأخرى، إما من أجل توسيع كيانها وتحقيق أحلامها بإقامة
"إسرائيل الكبرى"، لا سيما مع العودة القوية للحديث عن هذا الحلم داخل
إسرائيل، أو لتوسيع نطاق الهيمنة والتحكم، كما سعت وتسعى إيران، أو لتعزيز النفوذ
والمصالح، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وبدرجة أقل الروس
والصينيون والأوروبيون.
شهدت المنطقة خلال القرن الماضي ظهور مشاريع
عديدة للنهوض والتغيير، تلخصت أساسا وحسب السياق الزمني، في التيار القومي رافع
لواء الوحدة العربية، وحقق خطابه بعض الأثر في نشر ثقافة الوعي بالوحدة والتكامل،
أساسا للقوة والنهوض، وعاملا للخروج من
الضعف والانقسام. وقد عبرّت هذه الأطروحة
القومية عن نفسها من خلال تجارب جريئة للوحدة كانت لافتة، رغم تعثرها ثم تحللها.
سادت عقب ذلك أطروحة الاشتراكية مستلهمة من الفكر اليساري، حاولت إقامة تجربة
اشتراكية، لكنها انتهت إلى خيبة أخرى في النهوض العربي. وبينما حققت أطروحة الصحوة
الإسلامية نجاحا لافتا على المستوى المجتمعي والتربوي، فإنها انتهت في المجمل لنفس
المآلات التي آلت إليها الأطروحات والمشاريع النهضوية السابقة.
اليوم تبدو حالة الفراغ الفكري والسياسي
والثقافي في المشهد العربي صادمة، إذ تغيب تماما أو تكاد مشاريع للنهوض والتغيير
واضحة المعالم. حتى أنك لا تكاد تقرأ أو تقف على مشروع أو رؤية أو حتى مجرّد فكرة
تتخلّق. فبينما تتفكك ملامح التضامن العربي السابق، ممثلة في جامعة الدول العربية
المصابة بحالة شلل كامل، واتحاد مغاربي ميّت سريريا، ومجلس تعاون خليجي رغم أنه
أفضل حال، إلا أنه زخم وحيوية حضوره متراجعة بشكل ملحوظ. هذا الفراغ الخطير في
المشهد العربي، هو الذي يغري اليوم القوى الإقليمية والدولية بالسيطرة والهيمنة
على هذه المنطقة، بل والإعلان الواضح عن مخططات لإعادة تشكيلها وهندستها.
لا شك أن هذا المأزق العربي الراهن هو
الأخطر على المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إذ تكمن خطورة اللحظة
الراهنة في كونها تعطف مأزقا داخليا عميقا على خطرا خارجيا محققا. وتتحمّل مسؤولية
هذا المأزق الشامل النخبة العربية بكل أطيافها، أسواء تلك التي في الحكم أم التي
في المعارضة. كما أن المسؤولية تقع على عاتق كل القوى والتيارات على اختلاف
توجهاتها.
وتبدو الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض المنطقة
في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، من خلال انبعاث جديد رشيد وواقعي، يأخذ
بعين الاعتبار التحديات والتعقيدات ولكن أيضا يستجيب للتطلعات والآمال، انبعاث
يولّد حلما وفكرة ورؤية، تلهم وتحفّز وتحشد، وما يستوجبه ذلك من خيال يتمرّد على
حالة الإحباط والانكسار، ويقدح فكرة بمثابة نور وسط العتمة، ونقطة ضوء في آخر
النفق.
هذه المنطقة التي تبدو اليوم خاسرة أيا كانت
مآلات الصراع، وأيا كان المنتصر فيها من بين المتصارعين، تحتاج لمشروع جديد
ومبادرة جديدة، مختلفة وغير تقليدية، تتجاوز الأنماط التقليدية، والمقاربات
الكلاسيكية، والرؤى المستهلكة، والطرق المسدودة. وتبدو النخبة اليوم أمام مسؤولية
تاريخية كبيرة في تجاوز الصراعات، والاندراج في استراتيجية التهدئة وتخفيض
التجاذبات الأيديولوجية والسياسية، والمساهمة في تهيئة المناخات المناسبة لتشكل
الجماعة الوطنية، على أساس المواطنة والتعدد والبناء المشترك. ولا يمثل هذا
التحرّك المطلوب، ترفا فكريا، ولا مجرد خيار سياسي، وإنما واجبا وطنيا وقوميا،
تمليه اللحظة التاريخية، والالتزام الوطني والقومي، وتفرضه التحديات والمخاطر التي
تعصف بالمنطقة، والتهديدات الوجودية التي تتربّص بالدول العربية في كيانها وقيامها.
فحالة الفراغ في الساحة العربية، غيابا
لمشروع، ولفكرة ولرؤية ولرافعة هيكلية، تعمّق حالة من التيه والضياع، هذا التيه
والضياع يمثل في حد ذاته خطرا داهما ومتعدد الأبعاد على المنطقة ومناعتها. فغياب
فكرة تؤطر شعوب ومجتمعات المنطقة، تجعل الفرد في هذه المنطقة في حالة تيه وضياع،
بدون أفق، ولا بوصلة، ولا ملامح طريق باتجاه المستقبل. هذا الفراغ هو الوصفة
الخطيرة، لتفكك الاجتماع السياسي العربي، وفقدان كل حصون المناعة والدفاع، وتسليم
الأجيال لثقافة التفاهة والسفاهة. فرغم ما تمدهم به بعض المعاقل المعزولة (حالة
غزة) من مثال ونموذج في المقاومة والصمود والتمسك بالحق، إلا أن المشهد السائد
يكاد يطمس ويغمر هذا النموذج. كما أنه نموذج بقدر ما يلهم بقوة صمودا ومقاومة، إلا
أن سياقاته لا تسعف أن ينهض نموذجا متكاملا، يعطف ثقافة الصمود على ثقافة البناء
والنهوض.
تبدو الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض المنطقة في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، من خلال انبعاث جديد رشيد وواقعي، يأخذ بعين الاعتبار التحديات والتعقيدات ولكن أيضا يستجيب للتطلعات والآمال، انبعاث يولّد حلما وفكرة ورؤية، تلهم وتحفّز وتحشد، وما يستوجبه ذلك من خيال يتمرّد على حالة الإحباط والانكسار، ويقدح فكرة بمثابة نور وسط العتمة، ونقطة ضوء في آخر النفق.
تصر نخب كثيرة في منطقتنا على أن التحرر
والخروج من دائرة الفراغ القائمة، يمر حتما وضرورة عبر مراجعات نقدية شاملة لمسار
القوى السياسية والاجتماعية التي كانت فاعلة في السلطة وفي المعارضة خلال الحقبة
الماضية. بيد أن هذه الدعوات التي تكاد تستحيل "اشتراطات" وابتزازا،
تركن إلى تثبيت أفق المشهد العام، ضمن شروط ومعطيات تجاوزها الواقع، وطرأت عليها
تحولات عميقة أفقدتها كل فاعلية أو وزن. ويعني هذا مما يعنيه، تحرر النخب الفاعلة
من أوهام اجترار الماضي وأحداثه، والاندراج في فاعلية وديناميكية المساهمة في بلورة
ملامح مشروع نهوض وقومة، تحتاجها المنطقة وتحتاجها شعوب المنطقة وتحتاجها أجيال
المنطقة الباحثة عن مسارات جديدة جاذبة للإصلاح والنهوض.
كما أنه لم يعد مقبولًا اليوم أن تكون النخب
في منطقتنا عالة على مشاريع ورؤى تشكّلت على مدى عقود مضت، وساهمت فيها عقول كثيرة
من مختلف الخلفيات والمدارس الفكرية، فتمسّكت بهذه الرؤى المتقادمة، محافظةً عليها
كفكرة ومنهج، بينما تتسارع التحولات في الواقع، وتتداخل عناصر تشكله، وتتعقد
ملامحه. فإنه أيضا لم يعد ممكنا التفريط وإهدار هذه المنطقة، بكل تاريخها وعراقتها
ومقدراتها وحيويتها، لصالح حالة من الفراغ الجاذبة للطامعين والمتربصين للسطو على
هذه المنطقة، وتنفيذ مخططاتهم، وإعادة تشكيلها وهندسة ملامحها بما يكرس هيمنهم
وعلوهم وتفوقهم الاستراتيجي.
فليس قدر هذه المنطقة أن تكون مرة أخرى وبعد
حوالي قرن على التقسيم الأول، خارطة للتقاسم وإعادة توزيع النفوذ بين قوى خارجية.
فملامح النظام الدولي الذي يتخلّق ويتسارع تشكلا، وما يؤشر عليه من تعددية وتوازن
قوة، يوفر لشعوب المنطقة فرصة للاستفادة من هذا المسار الجديد، للمناورة وإعادة
التموقع خارج التحالفات والمحاور التقليدية، واجتراح أفق أرحب، استفادة من كل
مكونات المشهد الدولي. وأمام العرب، أنظمة وشعوبًا وأفرادًا، لحظة تاريخية حاسمة
تدعو أن يكونوا جزءًا فاعلًا في المفاوضات على المستقبل، لا مجرد وجبة في لائحة
طعام المتفاوضين.
*مدير المركز
المغاربي للبحوث والتنمية