قبل دقائق قليلة من منتصف الليل، تتكرر الصورة نفسها في عدد من المدن
المغربية: طوابير من السيارات تمتد أمام محطات الوقود، سائقون يراقبون هواتفهم وساعاتهم، وآخرون يسرعون لملء خزّاناتهم قبل أن تتغيّر الأرقام المعلّقة على اللوحات. لا أحد يحتاج إلى إعلان رسمي؛ فالجميع بات يعرف أن زيادة جديدة في الطريق، وأنّ ما يُدفع الآن سيكون أقل مما سيُدفع عقب ساعات.
هذا المشهد، الذي كان استثنائيا في السابق، أصبح جزءا من الروتين اليومي منذ اندلاع الحرب على
إيران، إذ تحوّلت أسعار
المحروقات إلى مصدر قلق متواصل للمواطنين، يتجاوز مجرد تكلفة التنقل ليطال مُجمل تفاصيل الحياة اليومية، وصولا إلى انعكاسه على كلفة المعيشة نفسها.
غير أن ما يثير الانتباه ليس فقط تكرار الزيادات، بل الطريقة التي تحدث بها، وفقا لعدد من المواطنين، أي أنها تتمّ: دون تفسير كاف، ودون وضوح في آليات التسعير، ما يعمّق شعورا متصاعدا بأن المواطن يواجه قرارات جاهزة، لا يملك سوى التكيف معها، حتى وإن كانت تتغيّر بوتيرة أسرع من قدرته على الاستيعاب.
هدنة في الأسواق العالمية.. ماذا عن المغرب؟
حين تمّ الإعلان عن اتفاق "مؤقت" لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، متضمنا فتح مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لنقل النفط في العالم، بدا الأمر وكأنه نقطة تحول محتملة في مسار أزمة الطاقة العالمية. سرعان ما انعكس على الأسواق الدولية بانخفاض ملحوظ في الأسعار، إذ تراجعت العقود الآجلة للنفط الأمريكي بنسبة 18 في المائة، وانخفض خام "برنت" إلى ما يقارب 103 دولارات للبرميل.
غير أنّ هذا "الانفراج" لم يجد طريقه نحو السوق المغربية. فبدلا من تسجيل انخفاض أو حتى استقرار ملموس، استمرت الأسعار في مستوياتها المرتفعة، كما أنّ التوقعات تشير إلى إمكانية زيادات إضافية أخرى في المدى القريب. هذا التباين جعل "عربي21" تطرح سؤالا مركزيا: لماذا لا تنعكس الانخفاضات العالمية بنفس السرعة التي تنعكس بها الارتفاعات؟
ويرى عدد من المتابعين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، أنّ جزء من الإجابة يرتبط بهشاشة الاتفاق نفسه، إذ احتمال انهياره ما يزال قائما، خاصة في ظل استمرار التوترات في مناطق لم يشملها وقف إطلاق النار. غير أنّ الجزء الآخر من الإجابة، وهو الأكثر حساسية، يرتبط بطبيعة السوق الداخلية، ومدى قدرتها على نقل الأسعار بشكل عادل إلى المستهلك.
حين تتحول المعطيات إلى أسئلة
من بين التفسيرات الأكثر تداولا لتأخر انعكاس الأسعار الدولية للمحروقات على السوق المغربية، ما يُعرف بـ"التأخر الزمني"، أي الفترة التي تفصل بين تغيّر الأسعار في السوق العالمية وانعكاسها محليا، والتي قد تصل إلى شهر أو أكثر. هذا التفسير، الذي يقدمه بعض الفاعلين في القطاع، يُفترض أن يرتبط بعوامل تقنية مثل المخزون وتكاليف النقل.
غير أن ما يوصف بـ"الهامش الزمني" يثير عدد من التساؤلات، خاصة عندما يتحول إلى قاعدة شبه ثابتة، تسمح بتمرير الزيادات بسرعة، فيما تؤجل في الوقت ذاته الانخفاضات.
في هذا السياق، يشير الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، الحسين اليماني، إلى أنّ: "ما يحدث في السوق العالمية ليس سوى تراجع مؤقت، وأن آثار الحرب لم تنته بعد، سواء على مستوى البنية التحتية الطاقية في الخليج، أو على مستوى سلوك الفاعلين في السوق".
فالحرب، بحسب تقديرات اليماني، وفق لتصريحاته الإعلامية: "خلّفت أضرارا جسيمة في المنشآت الطاقية، قد تصل إلى 40 أو 45 في المائة، ما يعني أن العودة إلى مستويات إنتاج طبيعية قد تستغرق أشهرا طويلة، وربما أكثر من سنة".
وعاش المغرب، خلال الشهر الماضي (منذ بداية آذار/ مارس المنصرم) على إيقاع ثلاثة زيادات متتالية في أسعار المحروقات، تلتها زيادة جديدة مع مطلع الشهر الجاري نيسان/ أبريل. ما يعكس حجم الضغوط التي يعيشها السوق، غير أنّها تكشف أيضا عن هشاشة القدرة الشرائية للمواطنين، ممّن يجدون أنفسهم أمام موجة غلاء متصاعد.
تجدر الإشارة إلى أنّ أسعار البنزين قد ارتفعت إلى ما يناهز 15.52 درهما للتر (نحو 2 دولار)، فيما بلغ سعر الغازوال 14.52 درهما (نحو 1،5 دولار)، مع زيادات قاربت درهمين في بعض الفترات.
وفي السياق ذاته، كشف مجلس المنافسة عن معطيات رسمية، تبرز أنّ أسعار البنزين قد سجّلت في المغرب زيادات فاقت نظيرتها في الأسواق الدولية خلال فترة معينة، وذلك بفارق بلغ 0.17 درهم للتر. في المقابل، لم يتم تمرير كامل الزيادة العالمية في أسعار الغازوال، ما يعكس نوعا من "الانتقائية" في نقل الأسعار.
هذه الأرقام التي اطّلعت عليها "عربي21" رغم طابعها التقني، إلاّ أنّها تحمل دلالات مهمة: فهي تشير إلى أن السوق لا يتفاعل بشكل تلقائي مع التغيرات الدولية، بل يخضع إلى منطق يوصف بكونه "أكثر تعقيدا"، قد يشمل اعتبارات تجارية أو تنافسية أو حتى تنظيمية.
إلى ذلك، سجّل مجلس المنافسة، أيضا، تفاوتات في أسعار التفويت بين الموزعين، قبل أن تتقارب الأسعار في محطات الوقود. هذا التباين، الذي يختفي عند مستوى البيع النهائي، يطرح سؤالا يخصّ طبيعة المنافسة: هل نحن أمام سوق حرة فعلا، أم أمام سوق تبدو تنافسية في الشكل فقط؟
تحرير الأسعار.. من وعود المنافسة إلى واقع التساؤلات
في الوقت الذي تمّ فيه تحرير أسعار المحروقات خلال سنة 2015، كان الهدف المعلن هو: خلق سوق تنافسية، تتيح تعدد الفاعلين وتمنح المستهلك أفضل الأسعار. غير أنّه عقب سنوات قليلة فقط من هذا القرار، بات يبدو أن النتائج لم تكن في مستوى التوقعات.
فالأسعار بين مختلف الشركات أضحت متقاربة إلى حد كبير، كما أن التغييرات أصبحت تحدث بشكل شبه متزامن، ما يغذي فرضيات "التفاهم الضمني" بين الفاعلين. وفي غياب توضيحات رسمية حول كيفية تحديد الأسعار، يتحول هذا التقارب إلى مصدر شك يمسّ المواطنين، بدل أن يكون دليلا على المنافسة.
ومع كل موجة ارتفاع جديدة في الأسعار، تعود الأسئلة الحارقة إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، وذلك دون أن تجد إجابات حاسمة، ما يعمّق أكثر فجوة الثقة بين المواطن والقطاع.
هل كشف الخارج ضعف الداخل؟
الأزمة الحالية بحسب عدد من المواطنين المغاربة، في حديثهم لـ"عربي21": "لا تكشف فقط تأثير العوامل الخارجية، بل تبرز كذلك هشاشة داخلية مرتبطة ببنية القطاع الطاقي في المغرب". مبرزين أنّ: "اعتماد البلاد على استيراد أكثر من 94 في المائة من حاجياتها الطاقية يجعلها عرضة بشكل مباشر لأي اضطراب في الأسواق الدولية".
في السياق نفسه، يظل مستوى المخزون الاستراتيجي دون الحد القانوني، حيث لا يتجاوز 47 يوما للغازوال و52 يوماً للبنزين. هذا المعطى، رغم تطمينات وزارة الانتقال الطاقي، يثير جُملة من المخاوف بخصوص مدى قدرة البلاد على مواجهة أزمات طويلة، خاصة في ظل عالم يشهد تقلبات متزايدة في سلاسل الإمداد.
الأزمة لم تعد مقتصرة على المستهلكين، فقط، بل بدأت تمتد إلى داخل القطاع ذاته. إعلان موزعي الغاز عن تعليق نشاطهم لمدة 48 ساعة (يومي 21 و22 نيسان/ أبريل الجاري)، مع إمكانية التمديد، يعكس حجم الضغوط التي يعيشها الفاعلون في سلسلة التوزيع.
وبحسب موزعو الغاز، فإنّ قرارهم جاء عقب تفاقم الضغوط المالية التي يواجهونها، جرّاء الارتفاع المتواصل في تكاليف النقل والصيانة والأجور، ناهيك عن الزيادات المتكررة والمنتظرة في أسعار "الغازوال"، ما انعكس سلبا على استمرارية نشاطهم المهني. ومن المرتقب أن يثير هذا القرار مخاوف عدد من المهنيين، خاصة العاملين في قطاع المطاعم والخدمات، لاعتمادهم الكبير على قنينات الغاز في الاستعمال اليومي، ما قد يضغط أكثر على السلطات للتدخل السريع واحتواء الأزمة.
إلى ذلك، المهنيون عبر بلاغ لهم، وصل "عربي21" نسخة منه، يتحدثون عن ارتفاع في تكاليف النقل والصيانة والأجور، مقابل هامش ربح لم يعد كافيا من أجل ضمان الاستمرارية. كما يشيرون إلى غياب استجابة لمطالبهم، رغم مراسلات ولقاءات متعددة مع الجهات المعنية. ما يجعل هذه التطوّرات تطرح احتمال انتقال الأزمة من مستوى الأسعار إلى مستوى التزويد، وهو سيناريو قد تكون له تداعيات أكثر شدّة على الحياة اليومية للمغاربة.
الدعم الحكومي.. كيف؟
لجأت الحكومة المغربية التي يترأّسها عزيز أخنوش، إلى إطلاق برامج دعم موجّهة، خاصة لفائدة مهنيي النقل، بهدف: الحد من انتقال الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات. كما تم الحفاظ على سعر قنينة غاز البوتان دون أي تغيير.
غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل في نظر عدد من المتابعين والمواطنين غير كافية، سواء من حيث حجمها أو من حيث قدرة تأثيرها الفعلي على السوق. فاستمرار الزيادات، على الرغم من الدعم، يطرح جُملة تساؤلات بخصوص مدى نجاعته، وحول ما إذا كان يصل فعلا إلى المواطن البسيط.
وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، تبقى كافة السيناريوهات مفتوحة. فاستمرار الحرب أو تعطل الإمدادات قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، تصل إلى 18 درهماً للتر أو أكثر (ما يناهز 2 دولار). وفي المقابل، قد يؤدي استقرار الأوضاع إلى تراجع تدريجي، وإن كان ذلك لن يكون فوريا.
في نهاية المطاف، ما يبدو واضحا هو أن المواطن يظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، يدفع ثمن تقلبات لا يتحكم فيها، ويواجه أسعاراً لا يفهم كيف تُحدد. كما أنّ الأزمة نفسها تعيد طرح سؤال هام، لكن بصيغة أكثر إلحاحا: من يتحكم فعلا في الأسعار؟ هل هي السوق الدولية وحدها أم أن هناك عوامل داخلية تضخم الأثر؟ وهل يمكن الحديث عن سوق حرة في ظل هذا الغموض؟