نشرت صحيفة "التايمز" البريطانية
مقالا للصحفيين جورج غريلز من واشنطن وغابرييل واينغر من تل أبيب، قالا فيه إن بنيامين
نتنياهو، رئيس وزراء
الاحتلال الإسرائيلي "الماكر والمشاكس والعنيد"، تسبب في إثارة غضب رؤساء
الولايات المتحدة، على مدى ثلاثة عقود تقريبا.
وبحسب المقال، أصبح
ترامب، الذي وصف نتنياهو الشهر الماضي بأنه "رجل طيب للغاية" و"شخص رائع"، أحدث رئيس أمريكي يعبر عن غضبه من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بعدما وجه إليه شتيمة سوقية خلال اتصال هاتفي على خلفية هجمات الاحتلال الإسرائيلي على جنوب لبنان، والتي هددت بنسف مفاوضات السلام الجارية مع إيران.
ونقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول أمريكي تلخيصه لما قاله ترامب لنتنياهو: "لولا أنا لكنتَ في السجن. أنا أنقذك. الجميع يكرهك الآن. الجميع يكره إسرائيل بسبب هذا".
ولفت المقال إلى أنه لم يصدر أي نفي من البيت الأبيض بشأن هذه الرواية، رغم أن ترامب ونتنياهو نشرا لاحقا بيانات أكثر هدوءا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويأتي هذا التوتر في وقت يقترب فيه نتنياهو من استحقاق انتخابي جديد خلال الأشهر المقبلة، حيث يرى الصحفيان أن استئناف الحرب مع إيران قد لا يكون أمرا سلبيا بالنسبة له.
وأجرى معهد الديمقراطية الإسرائيلي الشهر الماضي استطلاع أظهر أن 64 بالمئة من الإسرائيليين اليهود يعتقدون أن إنهاء الحرب مع إيران بالشروط الحالية لا ينسجم مع المصالح الأمنية لدولة الاحتلال.
ويواجه نتنياهو في داخل الأراضي المحتلة تحديا يتمثل في نزوح آلاف الإسرائيليين من المناطق القريبة من الحدود اللبنانية بسبب هجمات حزب الله، وهو ملف استغله نفتالي بينيت، السياسي المنشق عن الليكود والساعي لخلافة نتنياهو، لتصويره بمظهر الضعيف.
وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة وإيران تقتربان من التوصل إلى اتفاق سلام، صعد نتنياهو الهجمات الإسرائيلية على حزب الله وأمر باستئناف الغارات الجوية على بيروت، ما دفع طهران إلى تحذير ترامب من أن أي هجوم إسرائيلي سيعد خرقا لوقف إطلاق النار.
وأثار ذلك غضب ترامب، الذي احتج هاتفيا على نتنياهو وطالبه بوقف الهجمات على بيروت، حيث نقل عنه قوله: "ماذا تفعل بحق الجحيم؟"، كما أفادت التقارير بأنه رفع صوته خلال المكالمة.
اظهار أخبار متعلقة
يواجه ترامب بدوره استحقاقا انتخابيا يتمثل في انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر، كما أن صبره بدأ ينفد تجاه الحرب مع إيران، بعدما وصف مفاوضات السلام هذا الأسبوع بأنها "مملة للغاية"، ويتزامن ذلك مع تزايد استياء الناخبين الأمريكيين من ارتفاع أسعار الوقود، التي تجاوز متوسطها أربعة دولارات للجالون.
وفي هذا السياق، قالت روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز أبحاث "أولويات الدفاع" بواشنطن، إن الولايات المتحدة ستضطر في نهاية المطاف إلى مواجهة إسرائيل إذا أرادت دفع إيران إلى إعادة فتح مضيق هرمز والعودة لاحقا إلى طاولة المفاوضات النووية، مضيفة أن ترامب سيجد نفسه مضطرا للقول لإسرائيل: "هذا هو الوضع. عليكم التوقف".
من جانبه، اعتبر جون بولتون، مستشار الأمن القومي خلال الولاية الأولى لترامب، أن استخدام الألفاظ النابية "يبدو فعلا كعادة ترامب"، مشيرا إلى أن إيران تنظر إلى الأزمة باعتبارها اختبارا للإرادة والعزيمة.
وأضاف بولتون أن الإيرانيين يعتقدون أن لديهم عزيمة أكبر من ترامب، وربما يكونون محقين، لأن الرئيس الأمريكي يريد اتفاقا يضمن فتح مضيق هرمز وتدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية وخفض أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
ورأى بولتون، المعروف بمواقفه المتشددة المؤيدة لدولة الاحتلال والمعادية لإيران، أن ترامب كان سيكون في وضع أفضل لو منح نتنياهو حرية كاملة لمهاجمة حزب الله.
وقال: "كنت سأقول لنتنياهو: افعل ما تشاء بحزب الله. ثم كنت سأقول لإيران: سأطلب منهم التخفيف من ضغوطهم إذا أعطيتمونا كل ما نريد. لكن إيران الآن هي من تستغل ترامب للضغط على نتنياهو".
وفي جانب آخر، أكد الصحفيان أن الانتخابات المقبلة بالنسبة لنتنياهو لا تتعلق فقط بمستقبله السياسي، بل أيضا بحريته الشخصية في ظل قضايا الفساد المرفوعة ضده.
وأوضحا أن المحاكمة المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات تستند إلى ثلاث قضايا تتعلق بالفساد وخيانة الأمانة، من بينها تقديم خدمات مقابل تغطية إعلامية إيجابية وقبول هدايا باهظة من مليارديرات، بينما يواصل نتنياهو نفي جميع الاتهامات.
وأضافا أن ترامب كان قد ضغط العام الماضي على رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ من أجل إصدار عفو عن نتنياهو.
وقال المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، عاموس هاريل، إن "نتنياهو يقاتل من أجل حياته السياسية، بل ومن أجل مصيره أيضا"، مضيفا أن "الفكرة الأساسية هنا هي تجنب السجن. هذا هو الهدف الأسمى، وسينجو بأي وسيلة ممكنة".
واعتبر هاريل أن نتنياهو لا يستطيع إجبار ترامب على تبني ما يراه ضروريا، مضيفا أن تذكير ترامب له بأنه أنقذه من السجن أمر لا يمكن تجاهله.
وعلى صعيد التوترات السابقة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، شهدت العلاقة خلافات مماثلة مع رؤساء أمريكيين سابقين.
وبعد مواجهة حادة خلال تسعينيات القرن الماضي، قال بيل كلينتون: "من هي القوة العظمى اللعينة هنا؟"، بينما ترددت أنباء عن أن باراك أوباما هو المسؤول الذي وصف نتنياهو بـ"الجبان"، كما نقل عن جو بايدن وصفه لنتنياهو بأنه "رجل ..." مستخدما شتيمة سوقية.
وقبل ذلك، خلال أزمة السويس عام 1957، ظهر دوايت أيزنهاور على شاشة التلفزيون مطالبا دولة الاحتلال بالانسحاب من الأراضي المصرية التي احتلتها خلال حملة سيناء، في خطوة شكلت هزيمة محرجة للتحالف الأنجلو-فرنسي-الإسرائيلي.
وأشار الصحفيان إلى أن الولايات المتحدة أخرت إمدادات السلاح لدولة الاحتلال خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 لتجنب استفزاز الاتحاد السوفيتي، قبل أن يمارس هنري كيسنجر بعد عام ضغوطا كبيرة على إسرائيل للانسحاب جزئيا من سيناء.
وبيّن الكاتبان أن الاختلاف الرئيسي حاليا يتمثل في تحول المزاج العام الأمريكي تجاه إسرائيل، بعدما كانت تحظى في السابق بتعاطف واسع باعتبارها دولة صغيرة محاطة بأعداء عرب.
وأسهمت حرب الإبادة على غزة في تعميق النظرة السلبية داخل الولايات المتحدة، حتى في أوساط الحزب الجمهوري، حيث بات النقاش مفتوحا حول جدوى استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وتطالب شخصيات مؤثرة مثل تاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين بتبني سياسة خارجية أكثر انعزالية، في حين يكتسب دعاة تفوق العرق الأبيض المعادون للسامية، مثل نيك فوينتيس، نفوذا متزايدا داخل اليمين الأمريكي.
وأظهرت بيانات مركز بيو للأبحاث، ان 60 بالمئة من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه الاحتلال مقابل 37 بالمئة فقط لديهم نظرة إيجابية، مقارنة بما قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر حين بلغت نسبة النظرة الإيجابية 55 بالمئة مقابل 42 بالمئة للنظرة السلبية.
وقالت كيلانيك إن هناك استياء متزايدا من تمويل دافعي الضرائب الأمريكيين لإسرائيل في ظل ما وصفته بالفوضى التي تشهدها المنطقة، معتبرة أن تصريحات ترامب الحادة تعكس جانبا من هذا الاستياء المتنامي.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار الصحفيان أيضا إلى الخلفية الأمريكية لنتنياهو، حيث أمضى معظم طفولته في ولاية بنسلفانيا، ودرس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد، قبل أن يبدأ حياته المهنية في مجموعة بوسطن الاستشارية.
كما عمل لاحقا دبلوماسيا في سفارة دولة الاحتلال بواشنطن وفي الأمم المتحدة بنيويورك، واشتهر بخطاباته المؤثرة باللغة الإنجليزية.
ولفت الان إلى أن نتنياهو يحاول حاليا رأب الصدع مع واشنطن، في وقت يميل فيه الرأي العام الإسرائيلي إلى مزيد من التصعيد مع إيران وحزب الله، بينما يتزايد العزوف الأمريكي عن الانخراط في صراعات جديدة بالشرق الأوسط بعد حملة انتخابية رفع خلالها ترامب شعار إنهاء "الحروب التي لا تنتهي".
وقال جوناثان راينهولد، الباحث البارز في مركز بيغن-السادات بجامعة بار إيلان ومؤلف كتاب "الصراع العربي الإسرائيلي في الثقافة السياسية الأمريكية"، إن الحرب دفعت الجمهوريين الشباب إلى التساؤل بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل انطلاقا من سؤال: "لماذا نخوض حربا ليست لنا؟".
وأضاف أن الانتخابات الإسرائيلية يجب أن تجرى بحلول نهاية تشرين الأول/ أكتوبر، ما يعني أن نتنياهو يتحرك وفق جدول زمني مختلف عن ترامب، مؤكدا أن الخلاف مع الرئيس الأمريكي يضر بنتنياهو على الصعيد الداخلي.
ونوه راينهولد إلى أن نتنياهو، رغم حاجته إلى الظهور بمظهر القائد القوي أمام الناخبين الإسرائيليين، لا يستطيع المخاطرة بالمساعدات العسكرية الأمريكية السنوية البالغة 3.8 مليار دولار، محذرا من أن استمرار تباعد المصالح بين الطرفين خلال السنوات المقبلة سيشكل مشكلة حقيقية لدولة الاحتلال.