دمّر الاحتلال مشروعها الصغير في غزة فبنت حلما أكبر.. أريج تقاوم على طريقتها (شاهد)

لم تعد المشاريع الصغيرة في غزة مجرد مبادرات اقتصادية بل تحولت إلى خطوط دفاع يومية ضد الجوع- عربي21
في كل صباحٍ كانت النار تشتعل قبل أن تستيقظ المدينة، ليس في مدفأة، بل في فرن صغير ملتصق ببيتٍ غزّي، تصعد منه رائحة الخبز، هناك بدأت حكاية أريج عرندس.

منذ طفولتها، كان الفرن جزءا من المشهد اليومي؛ تقول إن البيت لم يكن يُعرَّف بالجدران، بل بالرائحة، رائحة الكعك الساخن، والمعجنات التي تتفتح على حرارة الصباح، والمعمول الذي يخرج ذهبيًّا.
تضيف في حديثها لـ"عربي21" أن "الفرن لم يكن مجرد مصدر رزق، بل كان طقسا عائليا، العمل يوفر المال، لكن الشغف يمنح الاستمرار"، تقولها أريج ببساطة امرأة تعرف الفرق بين أن تخبز لتعيش، وأن تعيش لتخبز.



عندما قررت أريج إطلاق مشروعها المنزلي، لم يكن الطريق مفروشا بالطحين، زوجها خارج البلاد، ومسؤولية طفلين على كتفيها، وسوق مكتظ بالمنافسة، وتمويل شحيح، وقلق دائم من الخسارة؛ بين مسؤوليات البيت وضغط السوق، كانت توازن يومها كما توازن المقادير، قليل من الصبر، كثير من العزيمة. كانت تعرف أن الاقتصاد في غزة ليس أرقاما في نشرات الأخبار، بل أمهات يبتكرن فرصا من رماد.

حين يُهدم الفرن

ثم جاءت حرب الإبادة، حينها لم تسقط القذائف على الأبراج فقط، تقول أريج إن رؤية الفرن مهدوما للمرة الأولى كانت صدمة لا تُختصر بكلمات. "انهيار الفرن يعني انقطاع الدفء"، تقولها وهي تستعيد لحظة الوقوف أمام الركام.

لم يكن مجرد حجر وطين، كان صوت النار وهي تشتعل صباحا، وذكريات الطفولة، وطقوس إعداد العجين قبل الفجر، كان شعورا بالحياة الطبيعية وسط مدينة اعتادت الطوارئ.
نزحت مرات عدة في كل مرة، كانت تغلق الباب خلفها وهي تعرف أن ما ستعود إليه قد لا يكون كما تركته.



كيف يمكن أن تحزم فرنا في حقيبة نزوح؟ تجيب: "لم أستطع حمله، لكنني حملت ذكرياته".
في حقيبتها كانت بعض الأدوات البسيطة، وقليل من المواد، وكثير من الإصرار. تبدأ من جديد في مكان النزوح، تخبز بما توفر، تبيع بما استطاعت، ثم تعود لتجد الفرن مهدوما، فتعيد بناءه من جديد.

مساحة صمود

 في غزة، لم تعد المشاريع الصغيرة مجرد مبادرات اقتصادية؛ تحولت إلى خطوط دفاع يومية ضد الجوع. حين ترتفع الأسعار بشكل جنوني، وحين تتعطل مصادر الدخل، يصبح الفرن الصغير مشروع بقاء.
تقول أريج إن مشروعها حمل جزءا كبيرا من عبء المصاريف اليومية،  وساعدها على شراء الاحتياجات الأساسية، ومنحها شعورا بالاستقرار النفسي وسط فوضى القصف. "حين أعمل، أشعر أنني أقاوم العجز"، تضيف.

الاقتصاد المنزلي هنا ليس رفاهية، إنه مساحة صمود؛ امرأة تعجن الطحين فيما الطائرات تحلق، وتصرّ على أن يبقى أطفالها قادرين على تناول خبز صنعته أمهم، لا صدقةً طارئة.

سؤال الاستهداف يظل حاضرا: هل تُستهدف المشاريع الصغيرة ضمن حرب أوسع لكسر الإرادة؟ أريج لا تقدم تحليلا سياسيا، لكنها تعرف النتيجة: كلما انهار الفرن، انهار جزء من الإحساس بالأمان وكلما أُعيد بناؤه، عاد جزء من الكرامة.



من العجز إلى الفعل

في لحظات القصف الأولى، تقول إنها شعرت بعجز ثقيل؛ إحساس بأن كل ما بُني يمكن أن يسقط في ثانية، لكن شيئا ما كان يدفعها للوقوف مجددا. "مسؤوليتي تجاه أطفالي"، تقولها بلا تردد.
أن تكوني امرأة في غزة يعني أن تبتكري حلولا كل يوم.

تتغلب على شعور العجز بأن تعمل؛ تنظّم مواردها بدقة، تبتكر وصفات جديدة، تضيف لمستها الخاصة لتتميز وسط منافسة صعبة، الفخر هنا ليس ترفا، بل وقود للاستمرار.

اليوم تحلم أريج بحلم أكبر: فرن صغير خاص بمنتجاتها، مساحة أوسع، زبائن أكثر، دخل مستدام يقي عائلتها قلق الغد؛ تريد أن تضيف وصفات جديدة، ولمسة تجعل مشروعها مختلفا، لا مجرد نسخة من سوق مزدحم، والحلم لدى أريج لم يعد فقط البقاء، بل التوسع.

الخبز فعل بقاء

لو أتيح لها أن تخاطب العالم من أمام ركام فرنها، لن تطلب شفقة.
ستتحدث عن المقاومة عبر العمل، عن أن الخبز فعل بقاء، وأن المرأة التي تعيد إشعال النار بعد كل قصف، لا تمارس مجرد مهنة، بل تحمي ما تبقى من حياتها.
توجّه رسالتها لكل امرأة فقدت بيتها أو مصدر رزقها: "ابدئي من جديد، حتى لو كان البدء صغيرا جدا".
في مدينة تُختبر فيها الإرادة يوميا، لا تملك النساء رفاهية الاستسلام.
بكلمة واحدة، ما الذي يدفعها للابتسام وسط هذا السواد؟
تتوقف قليلا، ثم تقول: الأمل، الأمل لدى أريج ليس شعارا، هو عجين يُعجن رغم الغبار، ونار تُشعل رغم الركام، وطفلان ينتظران خبزا ساخنا في صباح قد لا يكون هادئا، لكنه ما زال يبدأ.
في غزة، قد يُهدم الفرن مرات، لكن رائحة الخبز، كما تقول أريج، لا تُقصف.