إعمار مشروط.. كيف يحوّل الاحتلال ركام غزة إلى صفقة اقتصادية؟

يواجه قطاع غزة معضلة كبرى تتمثل بإعادة الإعمار- جيتي
منذ إعلان وقف حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لم يعد ملف الإعمار مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل تحوّل سريعا إلى ساحة اشتباك سياسي اقتصادي مفتوح، تُدار فيه المصالح الكبرى بقدر ما تمسّ فيه حياة أكثر من مليوني إنسان يعيشون بين الركام.

فبين خطاب دولي يتحدث عن إعادة الإعمار، وخطط أمريكية تُسوّق باعتبارها طريقا إلى سلام مستدام، يرى خبراء ومختصون أن ما يجري هو إعادة إنتاج للحصار بأدوات ناعمة، وتحويل الدمار إلى صفقة مربحة.

إعادة هندسة الحصار

يقول أستاذ الاقتصاد السياسي في غزة، أ.د. سمير أبو مدللة، إن ما يُطرح اليوم تحت عنوان إعادة إعمار غزة لا يرقى إلى معنى الإعمار الحقيقي، بل يمثل- وفق توصيفه -إعادة هندسة الحصار.

ويضيف في حديثه لـ"عربي21": "نحن لسنا أمام انتقال من الحرب إلى السلام، بل من القصف العسكري إلى الضبط الاقتصادي، ومن التدمير المباشر إلى إدارة الدمار؛ إعمار بلا سيادة، وبلا حرية معابر، وبلا تحكم فلسطيني بالموارد، ليس سوى آلية لتطبيع واقع الحصار وتحويله إلى أمر دائم، مغلّف بخطاب إنساني خادع".

ويرى أبو مدللة أن الهدف غير المعلن لهذه الخطط هو إبقاء غزة "حيّة بالحد الأدنى"، بما يمنع الانفجار الإنساني، دون السماح لها بالنهوض الاقتصادي أو السياسي، مؤكدا أن الإعمار الحقيقي لا يُقاس بعدد الأبنية المشيدة، بل بمدى تحرر الإنسان من منظومة السيطرة.

أداة ابتزاز

وحول طبيعة المساعدات الدولية، يوضح أبو مدللة أن هذه المساعدات "تُستخدم اليوم كسلاح سياسي"، حيث تُمنح أو تُحجب، وتُسرّع أو تُبطّئ، وفق حسابات أمنية لا علاقة لها بالاحتياجات الإنسانية.

ويتابع: "تم تحويل الحق في الغذاء والمسكن والعمل إلى أداة ابتزاز جماعي، يُعاقَب بها المجتمع بأكمله على خياراته السياسية؛ وبهذا، لا تعود المساعدات تعبيرا عن التضامن، بل جزء من منظومة السيطرة تُدار بالتنسيق مع الاحتلال وتحت رقابته".

الاحتلال.. المستفيد الأكبر

الوقائع الاقتصادية، بحسب أبو مدللة، تشير إلى أن المستفيد الأكبر من أموال الإعمار ليس قطاع غزة، بل اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي، فمعظم مواد البناء، والطاقة، والخدمات اللوجستية، تمر عبر السوق الإسرائيلية أو شركات مرتبطة بها.

"المُدمِّر يُكافأ مرتين"، يقول أبو مدللة، "مرة بالإفلات من المحاسبة، ومرة بتحويل الدمار إلى فرصة ربح، بينما تبقى غزة موقعا لإعادة الاستهلاك لا لإعادة البناء الحقيقي".

ويحذر من أن شروط الإعمار الحالية تُعيد ربط اقتصاد غزة بالسوق الإسرائيلية بشكل أعمق، وتمنع أي أفق لفك الارتباط الاقتصادي أو تحقيق استقلال إنتاجي، ما يعيد إنتاج النموذج الاستعماري ذاته: سوق أسيرة وتنمية مشروطة تخدم أمن الاحتلال قبل حاجات السكان.

سلاح استراتيجي أخير

من جانبه، يرى المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن إسرائيل لا تملك اليوم سلاحا استراتيجيا فعالا ضد غزة سوى التحكم في مقومات الحياة المدنية.

ويقول جعارة لـ"عربي21" :"إسرائيل فشلت في تحقيق أي انتصار عسكري حاسم في غزة، لذلك لجأت إلى تدمير كل مناحي الحياة؛ الطعام، والشراب، والدواء، والمعابر… أصبحت السلاح الاستراتيجي الحقيقي".

ويضيف أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يسعى إلى تحقيق أي صورة انتصار، حتى لو كانت عبر بوابة الإعمار، معتبرا أن ملف إعادة الإعمار هو السلاح الاستراتيجي الأخير في يد إسرائيل.

ويكشف جعارة أن نتنياهو وضع ملف الإعمار على جدول لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ساعيا إلى ضمان دور مباشر لإسرائيل في آليات الإعمار، رغم أن القرار النهائي- بحسب جعارة - أميركي بالدرجة الأولى، في ظل إشراف واشنطن الكامل على الخطة.

في هذا السياق، طرح ترامب ما أسماه مجلس السلام، وهو هيئة دولية تُعنى بحكم وإعادة إعمار غزة ضمن خطة أميركية شاملة، وقد أعلن عن مساهمات مالية ضخمة من دول حليفة، بما في ذلك تمويل يقدّر بمليارات الدولارات، يؤمّن لبعض الدول مقاعد دائمة في المجلس.

الهدف المعلن هو إعادة الإعمار وتوفير الخدمات، لكن تقارير صحفية، من بينها تحقيق استقصائي لصحيفة الغارديان، تشير إلى أن ما يجري يتجاوز ذلك إلى إدارة دولية جديدة لغزة، وتحويلها من ساحة حرب إلى مساحة استثمار سياسي واقتصادي.

وبحسب التحقيق، يتنافس مقاولون أميركيون مقرّبون من إدارة ترامب، وشركات ذات ولاءات سياسية واضحة، على السيطرة المبكرة على ملفات المساعدات والإعمار، حتى قبل إقرار أي آلية دولية شفافة.


مخاطر تسييس الإعمار

بدوره، يحذر الخبير في العمل الإنساني والإغاثي د. عصام يوسف من مخاطر إخضاع الإعمار لشروط سياسية، خاصة إذا صدرت عن قوة احتلال.

ويؤكد يوسف لـ "عربي21" أن العمل الإنساني يجب أن يبقى شراكة مع المحتاجين، لا أداة ضغط عليهم، مشددًا على أن السكن اللائق حق إنساني لا يقل عن حق الحياة.

ويرى أن المؤسسات الخيرية مطالبة بالالتزام بشروط المانحين، لكن دون التفريط بكرامة المستفيدين، عبر إقناع المانحين بأن احتياجات الناس هي البوصلة الأخلاقية الوحيدة لأي تدخل إنساني.

وحول مستقبل مبادئ الحياد والاستقلال في غزة، يقول يوسف إن هذه المبادئ "ما زالت صالحة، بل وضرورية"، شريطة أن توحّد المؤسسات جهودها، وتحمي استقلالها، وتبني منظومة داخلية قوية تقلل من التدخلات السياسية.

ورغم كل الحديث الدولي عن الإعمار، لا تزال الحياة في غزة غارقة في الخيام، ونقص الخدمات، والهشاشة الأمنية، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف الحرب على قطاع غزة؛ وبينما تُناقش المليارات في الغرف المغلقة، يبقى سكان غزة خارج الصورة.

في المحصلة، معاناة غزة لم تنتهِ بإعلان وقف الحرب، بل دخلت طورا جديدا، تُخاض فيه الحرب بلغة الاقتصاد، وتُدار فيه المأساة بمنطق الربح، إعمار بلا سيادة، وبلا عدالة، وبلا مساءلة… ليس سوى استمرار للحرب لكن.. بوسائل أخرى.