لم تنته حرب الإبادة
الإسرائيلية في قطاع
غزة عند توقف القصف، بل لا تزال مستمرة تحت أنقاض المنازل
والركام، في ظل آلاف الجثامين العالقة بين الإسمنت والحديد، بلا قبور ولا وداع،
وذلك في مشهد يلّخص أحد أكثر فصول الإبادة قسوة وإنكارا للإنسانية.
منذ السادس من كانون الأول/
ديسمبر 2023، تغيّرت حياة أبو إسماعيل حماد، من سكان مدينة غزة، إلى الأبد، حينما
قصف
الاحتلال منزله بالكامل، وقتل زوجته وطفليه، وجنينا لم يُكتب له أن يولد، نجا
الأب وحيدا، ليبدأ رحلة بحث طويلة عن الوداع.
على مدار عامين، ظل أبو
إسماعيل يمر على ركام بيته، يحفر بيديه المصابتين عن بقايا أسرته، نزل لأكثر من
تسعة أمتار تحت الأرض، لم يعثر سوى على جثمان ابنه البكر إسماعيل، بينما ظلت بقية
العائلة تحت الأنقاض، بلا قبور. وحين عجز عن إخراجهم، جلس على الركام بمنخل بسيط،
يُغربل التراب حبة حبة، بحثًا عن عظمة أو سنّ، في محاولة يائسة لإغلاق جرح لم
يُسمح له أن يندمل.
قصة أبو إسماعيل ليست
استثناء، بل نموذجا مصغّرا لمأساة آلاف العائلات في قطاع غزة.
8 آلاف جثمان تحت الأنقاض
يقدّر الدفاع المدني في غزة
عدد الجثامين التي ما تزال تحت الأنقاض بنحو 8000 شهيد، وفق ما يؤكده المتحدث باسم
الدفاع المدني، محمود صابر بصل، في حديث خاص لـ "
عربي21".
ويقول بصل إن العامل
الرئيسي الذي حال دون انتشال الجثامين هو انعدام الإمكانات والمعدات الثقيلة،
موضحا أن عمليات الإنقاذ والانتشال تعتمد أساسا على الحفارات والجرافات، وهي غير
متوفرة في ظل الحصار والاستهداف المستمر.
ويضيف أن الأشهر الأولى من
الحرب، خصوصا منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، شهدت قصفا مكثفا حال دون أي تدخل
ميداني، ما أدى إلى بقاء الجثامين تحت الأنقاض لفترات طويلة، متابعا بقوله: "لم
نتمكن من تنفيذ عمليات انتشال حقيقية، فكان القصف يمنع الفرق من الوصول، ويُترك
الناس حيث استُهدفوا".
أولوية الأحياء ووجع الموتى
يوضح بصل أن الدفاع المدني
وجد نفسه أمام معادلة قاسية: "إنقاذ الأحياء أم انتشال الموتى"، مؤكدا
أنه "في ظل نقص الحفارات، كانت الأولوية دائمًا لمن يُعتقد أنهم ما زالوا على
قيد الحياة تحت الأنقاض".
وتابع قائلا: "من يتمكّن
من انتشال جثمان أحد أفراد عائلته كان يُعد محظوظًا في سياق مأساوي كهذا"،
مشيرا إلى أن "الدفاع المدني تلقى آلاف البلاغات من عائلات ما تزال تبحث عن
أحبّتها المفقودين، ونتحدث عن عائلات بأكملها، أطفال ونساء ومرضى، استُهدفوا وبقيت
أجسادهم تحت الأنقاض".
لكن الأصعب، بحسب بصل، هو
ما تواجهه الطواقم أثناء عمليات الانتشال المحدودة، مبينا أنه "في كثير من
الأحيان لا نعثر على جثث كاملة، بل على بقايا متناثرة: جمجمة، عظمة فخذ، كف يد، أو
خصلات شعر"، في دلالة على شدة القصف.
ويؤكد أن هذا المشهد ترك
أثرا نفسيا عميقا على الطواقم، لدرجة أن كثيرين منهم يرددون: "الحرب لم تنتهِ
ولن تنتهي داخلنا".
بحسب الدفاع المدني، فإن حل
هذا الملف ليس مستحيلا تقنيا، لكنه معطّل سياسيا وميدانيا. يقول بصل: "لو
توفر 20 حفارا و20 جرافة و20 آلة ثقيلة، يمكننا إنهاء ملف الجثامين تحت الأنقاض
خلال ثلاثة أشهر فقط"، إلا أن الحصار ومنع إدخال المعدات يبقي هذا الملف
مفتوحًا، ويطيل معاناة العائلات.
كرامة الموت وحق الدفن
من جانبه، يؤكد الدكتور
إحسان عادل، رئيس منظمة القانون من أجل فلسطين، أن ما يجري في غزة لا يمكن تصنيفه
كأثر جانبي للحرب، بل يمثل جريمة حرب وجزءًا من الإبادة الجماعية.
ويقول في تصريح لـ"
عربي21"
إن ترك الجثامين تحت الأنقاض، ومنع فرق الإنقاذ من الوصول إليها، ونبش القبور أو
نقل الرفات دون علم الأهالي، يشكل انتهاكًا صارخًا لواحد من أقدس حقوق الإنسان:
كرامة الموت وحق الدفن".
ويضيف أن القانون الدولي
واضح في هذا الشأن: "قد تمنع المعارك الوصول الفوري إلى الضحايا، لكن منع
الإنقاذ بعد زوال الخطر، وترك
الجثث تتحلل عمدًا، واستخدامها كورقة ضغط، يحوّل
الفعل إلى جريمة حرب صريحة".
وحول المسؤولية القانونية،
يوضح عادل أنها لا تقع على طرف واحد فقط، فالجهة التي نفذت القصف تتحمل المسؤولية
إذا كان الهجوم عشوائيًا أو غير متناسب، أما الجهة التي منعت الإنقاذ وانتشال
الجثامين، فتتحمل مسؤولية مستقلة عن جريمة أخرى قائمة بذاتها.
ويشير إلى أن ترك الجرحى
ينزفون حتى الموت، أو منع إسعافهم، قد يرقى إلى القتل العمد، فضلًا عن المسؤولية
الأوسع التي تتحملها القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية وفق مبدأ المسؤولية
القيادية. "الصمت مع العلم بالجريمة هو مشاركة فيها"، وفق قول عادل.
عدالة محاصَرة بالسياسة
ورغم قتامة المشهد، يؤكد
عادل أن المسار القانوني لا يزال قائمًا، نظريًا على الأقل. يحق لأهالي الضحايا
التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو اللجوء إلى مبدأ الاختصاص القضائي
العالمي في بعض الدول. إلا أن "العدالة محاصَرة بالسياسة"، كما يقول، وغالبًا
ما يتحرك القانون الدولي ببطء عندما يكون الضحايا فلسطينيين.
ويشدد عادل على أن انتهاك
حق الدفن يُعد خطًا أحمر في القانون الدولي، وقد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، إذا
كان واسع النطاق وممنهجًا، كما هو الحال في غزة. كما أن إنكار مصير الجثامين أو
إخفاءها قد يشكّل جريمة اختفاء قسري.
ويختم بالقول إن الدفن ليس
مسألة دينية فحسب، بل حق إنساني وقانوني، وحرمان الفلسطينيين منه هو شكل من أشكال
العنف المستمر، يستهدف الأحياء والأموات معًا، في حرب لا تكتفي بقتل الإنسان، بل
تسعى إلى محو أثره.