تمعن قوات
الاحتلال في خنق
الفلسطينيين داخل قطاع
غزة بسبل وأساليب مختلفة، في مسعى لخلق بيئة طاردة تخدم أهدافها الرامية إلى فتح مسار "ناعم" للتهجير، بعد أن فشلت في تحقيقه عسكريا، إضافة إلى تمويل جزء من كلفة الحرب الوحشية التي استمرت عامين كاملين من جيوب الغزيين أنفسهم.
وتبرز الأسواق والقطاع التجاري في غزة كأحد ساحات حرب تجارية جديدة تتخذها قوات الاحتلال كسلاح لمعاقبة السكان، والإمعان في استنزافهم، وذلك بعد أن أقرت جملة إجراءات جديدة، خلقت سوقا سوداء، وأذكت الاحتكار، بفرضها إتاوات باهظة على إدخال البضائع للقطاع التجاري، وحصر الحركة التجارية في يد فئة قليلة للغاية من التجار.
وعلمت "عربي21" من مصادر مطلعة أن قوات الاحتلال سمحت لـ 10 من تجار غزة فقط بإدخال البضائع إلى قطاع غزة، وفق إجراءات غير واضحة، لا تخضع لأي رقابة فلسطينية، ولا تتدخل فيها الغرفة التجارية في غزة.
وشددت المصادر على أن تاجرا واحدا على الأقل ممن اختارتهم قوات الاحتلال متورط بالعمل لصالح "مؤسسة غزة الإنسانية" سيئة السمعة، والتي أنشأتها واشنطن بالتنسيق مع دولة الاحتلال، وارتبط اسمها بجرائم قتل لآلاف من الفلسطينيين خلال محاولاتهم استلام مساعدات من الشركة التي كانت قد أنشأت مراكز توزيع للمساعدات في عدد من المناطق في قطاع غزة، قبل أن تفككها لاحقا.
تجارة القهر في غزة
في هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي، أحمد أبو قمر في حديث خاص لـ"عربي21"، إن ما يُفرض على آلية إدخال البضائع إلى قطاع غزة لا يمكن فصله عن سياسة اقتصادية قسرية وممنهجة، تهدف إلى إعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية عبر أدوات السوق وليس عبر الإجراءات العسكرية فقط، وإلى جمع أكبر قدر من الأموال من غزة.
وشدد أبو قمر على أن قوات الاحتلال حصرت حركة
القطاع التجاري في 4 شركات إسرائيلية فقط تتحكم في مسار السلع وكمياتها وأسعارها، ما يعني عمليا مصادرة القرار الاقتصادي الفلسطيني وتحويل السوق الغزي إلى ملحق تابع للاقتصاد الإسرائيلي.
التنسيقات التجارية
ورأى المحلل الاقتصادي أن الأخطر في هذه المنظومة هو ما يعرف بـ"التنسيقات"، وهي رسوم مالية تفرضها دولة الاحتلال على الشاحنات الداخلة إلى غزة، وتتراوح بين 300 ألف و900 ألف شيكل للشاحنة الواحدة (الدولار يساوي 3.17 شيكل)، مؤكدا أن هذه المبالغ الهائلة لا يتحملها التاجر، بل تُرحّل مباشرة إلى المستهلك النهائي، فتنعكس ارتفاعا حادا في الأسعار، يدفعه المواطن الغزي الذي يعيش أصلا تحت خط الكفاية وفي ظروف إنسانية بالغة القسوة.
وذكر أنه ورغم الاتفاقات المعلنة على إدخال نحو 600 شاحنة يوميا، لا تلتزم دولة الاحتلال سوى بإدخال ثلث هذا العدد في أفضل الأحوال، وغالبية هذه الشاحنات تحمل بضائع تجارية، مقابل عدد محدود جدا من المساعدات الإنسانية، مشيرا إلى أن نوعية البضائع التي تدخل إلى غزة لا تعكس احتياجات السكان، حيث يتم إغراق الأسواق بسلع منخفضة القيمة، مع الاستمرار في منع أو تقييد إدخال مواد الإيواء والمواد الخام والمدخلات الإنتاجية القادرة على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد.
أكثر من مليار دولار
وكشف أبو قمر أن دولة الاحتلال جمعت من قطاع غزة أكثر من مليار دولار خلال عاميْ الحرب، عبر تجارة مفروضة بالقوة، وهو مبلغ كبير جدا بالنظر إلى حجم التجارة في غزة، مشيرا إلى أن ما يجري "نهب منظم تحت غطاء التجارة واستخدام السوق كسلاح جماعي لمعاقبة السكان".
وشدد أن رسوم التنسيقات غير قانونية بالمرة، حيث ترفض دولة الاحتلال إعطاء وصولات "فواتير" فيها، ما يعني أنها لا تخضع لأي جهة رقابية داخلية، ولا يتم تحصيل أموال الضرائب منها لصالح السلطة الفلسطينية، ضمن أموال المقاصة المعمول بها استنادا إلى بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع بين السلطة الفلسطينية وحكومة الاحتلال.