إعلامي صومالي لـ"عربي21": الاحتلال يوسع صراع غزة إلى القرن الإفريقي (شاهد)

الخطوة كانت مفاجئة للحكومة الصومالية - جيتي
أثار إعلان الاحتلال الإسرائيلي اعترافه بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي موجة واسعة من الرفض والغضب على المستويين الصومالي والإقليمي، باعتباره خطوة تمس وحدة دولة ذات سيادة، وتفتح الباب أمام إعادة إنتاج مشاريع التقسيم في منطقة القرن الإفريقي، إحدى أكثر المناطق حساسية من حيث الموقع الجغرافي والتوازنات الأمنية والمصالح الدولية.

وجاء هذا الاعتراف في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع وضع متأزم في غزة جراء حرب الاحتلال على القطاع، وتصاعد التوتر في البحر الأحمر وباب المندب، ما دفع مراقبين ومحللين إلى اعتبار الخطوة الإسرائيلية جزءًا من محاولة لتعويض الخسائر التي مني بها الاحتلال عبر البحث عن موطئ قدم استراتيجي جديد قرب أهم الممرات البحرية العالمية.

في هذا السياق، قال الكاتب والإعلامي الصومالي أحمد محمود جيسود في لقاء خاص مع "عربي21" إن اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" لا يمكن النظر إليه كتحرك دبلوماسي عادي، بل يمثل تصعيدا سياسيا خطيرا يستهدف وحدة الصومال، ويكشف عن نوايا أعمق تتجاوز الإقليم نفسه، لتطال التوازنات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.



وأوضح جيسود أن الخطوة كانت مفاجئة للحكومة الصومالية، ولم تكن متوقعة في ظل غياب أي علاقات تاريخية أو سياسية أو اقتصادية بين الصومال والاحتلال الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن البعد الجغرافي وعدم وجود مصالح مباشرة كانا يجعلان مثل هذا الاعتراف خارج الحسابات التقليدية، ما يعزز فرضية الدوافع الانتقامية والسياسية.

مشروع تقسيم قديم بأدوات جديدة

وأشار الإعلامي الصومالي إلى أن الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" يعيد إلى الواجهة مشاريع تقسيم الصومال، التي تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية، حين تم تفكيك البلاد إلى خمسة أجزاء، لم يتبق منها اليوم سوى الشطرين الشمالي والجنوبي، بينما ذهبت الأجزاء الأخرى إلى دول مجاورة مثل جيبوتي وإثيوبيا وكينيا.

وأضاف أن أي اعتراف جديد بمشاريع انفصالية يعني عمليا تقليص ما تبقى من الدولة الصومالية، وتحويلها إلى كيان هش قابل للتفكك، وهو ما يخدم أطرافا خارجية تسعى للسيطرة على المواقع الاستراتيجية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة المركزية.

باب المندب في قلب الحسابات الإسرائيلية

وأكد جيسود أن الموقع الجغرافي لإقليم "أرض الصومال"، المطل على البحر الأحمر وقريبا من مضيق باب المندب، يجعله هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، خاصة في ظل تصاعد التوترات في الممرات البحرية، ومحاولات الاحتلال البحث عن نقاط مراقبة وتأثير في طرق التجارة العالمية.

وأوضح أن باب المندب يمثل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية، وأي وجود إسرائيلي قريب منه يعني امتلاك ورقة ضغط سياسية وأمنية واقتصادية، ليس فقط على دول المنطقة، بل على حركة التجارة العالمية ككل.

انتقام بسبب غزة والمواقف الصومالية

وشدد الإعلامي الصومالي على أن أحد الدوافع الرئيسية لهذه الخطوة يتمثل في الانتقام من الصومال، بسبب مواقفه الواضحة من العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث أدانت الحكومة الصومالية الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي، في وقت التزمت فيه بعض الدول مواقف باهتة أو صامتة.

وأضاف أن الموقف الصومالي لم يقتصر على البيانات الرسمية، بل ترافق مع دعم شعبي واسع للقضية الفلسطينية، ومظاهرات وفعاليات تضامنية، وهو ما وضع الصومال ضمن قائمة الدول التي لم ترضخ للضغوط السياسية، الأمر الذي أثار غضب الاحتلال ودفعه للبحث عن وسائل ضغط غير مباشرة.

محاولة تعويض خسائر الاحتلال

ورأى جيسود أن الاعتراف بـ"أرض الصومال" يأتي أيضًا في إطار محاولة الاحتلال تعويض خسائره السياسية والعسكرية في حرب غزة، بعد فشله في تحقيق أهدافه المعلنة، وسقوط صورته دوليًا، مؤكدًا أن فتح جبهات جديدة أو إثارة أزمات خارجية يعد أسلوبًا تقليديًا للهروب من الضغوط الداخلية والخارجية.

وأشار إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الخطوة إلى تصدير أزمته الداخلية، وإعادة توجيه الأنظار بعيدًا عن إخفاقاته في غزة، عبر افتعال أزمة جديدة في منطقة بعيدة جغرافيًا لكنها شديدة الحساسية سياسيًا.

تداعيات إقليمية واسعة

وأوضح الكاتب الصومالي أن هذه الخطوة لا تمس الصومال وحده، بل تنعكس مباشرة على أمن واستقرار دول الجوار، وعلى رأسها مصر والسعودية واليمن والسودان، باعتبارها دولًا مطلة أو متأثرة بشكل مباشر بأمن البحر الأحمر وباب المندب.

وأكد أن أي وجود إسرائيلي محتمل في هذه المنطقة سيُنظر إليه كتهديد مباشر للأمن القومي لهذه الدول، ما قد يدفع إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، وتصعيد التوترات في منطقة تعاني أصلًا من أزمات متراكمة.

رفض داخلي صومالي واسع

وأشار جيسود إلى أن الداخل الصومالي يرفض بشكل واسع أي محاولة للمساس بوحدة البلاد، لافتًا إلى أن عدة مناطق داخل إقليم "أرض الصومال" نفسه شهدت تحركات واحتجاجات رافضة للانفصال ولأي تدخل إسرائيلي، ما يعكس هشاشة المشروع الانفصالي وعدم تمتعه بإجماع شعبي.

وأضاف أن المجتمع الصومالي، رغم تنوعه القبلي، يمتلك تاريخًا طويلًا في مقاومة التدخلات الخارجية، وأنه يميل إلى التوحد عندما يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية، وهو ما يجعل أي مشروع تقسيمي عرضة للفشل على المدى الطويل.

الدبلوماسية الصومالية في مواجهة الأزمة

وأكد الإعلامي الصومالي أن الحكومة في مقديشو بدأت تحركات دبلوماسية مكثفة لاحتواء الأزمة، مستفيدة من علاقاتها مع الدول العربية والإفريقية والإسلامية، إضافة إلى شركاء دوليين مثل تركيا والصين.

وأشار إلى أن الصومال سبق له أن خاض معارك دبلوماسية معقدة، ونجح في إدارتها، مستشهدًا بملف النزاع البحري الذي حُسم لصالحه عبر المسار القانوني الدولي، ما يعزز الثقة بقدرة الدبلوماسية الصومالية على مواجهة التحدي الحالي.

مواقف دولية رافضة


ولفت جيسود إلى أن معظم دول العالم، بما فيها دول إفريقية وأوروبية، رفضت الخطوة الإسرائيلية واعتبرتها انتهاكًا للقانون الدولي ومساسًا بسيادة الدول، محذرًا من أن فتح الباب أمام الاعتراف بمشاريع انفصالية قد يشعل نزاعات جديدة في القارة الإفريقية.

وأضاف أن حتى دولًا كانت لها أدوار تاريخية في المنطقة، مثل بريطانيا، لم تُبدِ دعمًا لهذه الخطوة، إدراكًا لخطورتها على الاستقرار الإقليمي.

باب المندب.. ساحة صراع محتملة


واعتبر الكاتب الصومالي أن محاولة الاحتلال التمركز قرب باب المندب قد تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، في ظل وجود قواعد عسكرية أمريكية وصينية وفرنسية في محيط القرن الإفريقي.

وأكد أن أي تحرك إسرائيلي في هذا الاتجاه سيقابل بحساسية شديدة من الأطراف الفاعلة، ما يجعل المشروع محفوفًا بالمخاطر وغير مضمون النتائج.

وختم أحمد محمود جيسود بالتأكيد على أن الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" يمثل مقامرة سياسية خطيرة، لن تمر بسهولة، وستواجه برفض صومالي شعبي ورسمي، إضافة إلى معارضة عربية وإفريقية ودولية واسعة.

وشدد على أن الصومال، رغم أزماته، يمتلك من الوعي الشعبي والقدرة الدبلوماسية ما يؤهله لإفشال هذه المحاولة، مؤكدًا أن الاحتلال لن ينجح في فرض واقع جديد عبر خطوات أحادية تهدف للانتقام من مواقف مبدئية أو للهروب من إخفاقات حرب غزة.