يأتي الشتاء إلى خيام النازحين في قطاع
غزة كاختبار قاسٍ للبقاء، حيث رياح باردة، أمطار متقطعة، وأقمشة مهترئة لا تصدّ بردًا ولا تحفظ دفئًا، فيما تتحول أسطوانة غاز الطهي إلى حاجة مصيرية، لا ترفا منزليًا.
في المخيمات المنتشرة في محافظات القطاع، تتفاقم المعاناة الإنسانية مع اشتداد البرد، في ظل حصار متواصل، وغلاء متصاعد، ونقص حاد في غاز الطهي ووسائل
التدفئة، ما يدفع آلاف العائلات النازحة إلى الاعتماد على الحطب والنار المكشوفة للطهي والتدفئة، رغم مخاطرها الصحية والبيئية.
غاز لا يغطي سوى 15% من الحاجة
في هذا السياق، يقول رئيس الهيئة العامة للبترول في قطاع غزة إياد الشوربجي "إن الكميات التي تدخل إلى قطاع غزة من الغاز والوقود محدودة جدًا وغير منتظمة، وغالبًا تدخل على فترات متباعدة وبكميات لا تغطي سوى جزء بسيط من الحد الأدنى للاحتياج".
وأوضح الشوربجي في تصريح حصري لـ عربي21 " أن الكميات الواردة من غاز الطهي لا تغطي أكثر من 15% من الحاجة الفعلية للسكان، مشيرًا إلى أن قطاع غزة يحتاج شهريًا إلى ما يقارب 8000 طن من غاز الطهي لتغطية الاستخدام المنزلي والمؤسساتي، بينما ما يدخل فعليًا لا يتجاوز 1200 طن شهريًا، وذلك منذ استئناف دخول الغاز 12 تشرين أول/ أكتوبر الماضي.
أما فيما يتعلق بالوقود، فيؤكد أن الاحتياج الشهري لقطاع غزة من السولار لتغطية الاحتياج في كافة القطاعات الحيوية يزيد عن 22.4 مليون لتر شهريًا، إضافة إلى أكثر من 167 ألف لتر شهريًا من البنزين، في حين أن الكميات التي تدخل فعليًا أقل بكثير من هذه الاحتياجات، وذلك بحسب ما ورد في تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، الجهة المسؤولة عن عمليات التنسيق والتوزيع للوقود.
وأشار الشوربجي إلى أن مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) جمع، في الفترة ما بين 1 و10 كانون الأول/ديسمبر، ما يقرب من 1.83 مليون لتر من الديزل، فيما جرى جمع 531,750 لترًا من الديزل و51,100 لتر من البنزين في الفترة ما بين 21 و24 تشرين الثاني/نوفمبر.
كما جرى، بحسب الشوربجي، جمع أكثر من 1,782,000 لتر من الديزل في الفترة ما بين 11 و20 تشرين الثاني/نوفمبر، وأكثر من 639,000 لتر من الديزل في الفترة ما بين 5 و6 من الشهر ذاته.
آليات توزيع محوسبة
وبيّن الشوربجي أن توزيع غاز الطهي يتم وفق نظام إلكتروني محوسب يهدف إلى تحقيق العدالة والشفافية بين المواطنين، حيث يقوم المواطن بالتسجيل عبر الموقع الإلكتروني المخصص باستخدام رقم الهوية وتاريخ الإصدار، ثم تُجدول الطلبات إلكترونيًا اعتمادًا على تاريخ تقديم الطلب باعتباره المعيار الأساسي والثابت لجميع المواطنين دون تمييز.
ويرتبط النظام بقاعدة بيانات الأحوال المدنية، ويُتاح التسجيل لجميع الأسر، مع مراعاة الحالات الخاصة، مثل الأيتام، والأسر التي فقدت معيلها، وتعدد الزوجات، وغياب الوالدين.
كما يُدار ملف الغاز بالكامل عبر برنامج محوسب يشمل تسجيل وزن الكميات الواردة يوميًا، وإعداد كشوفات المستفيدين إلكترونيًا حسب الدور، وتحديد عدد المستفيدين بناءً على الكميات المتوقعة، إضافة إلى إرسال رسالتين نصيتين للمواطن؛ الأولى عند صدور كشف الاستلام، والثانية عند إتمام التعبئة، وذلك لضمان حق المواطن وتعزيز الرقابة والشفافية.
وفيما يخص الأسعار، أوضح الشوربجي أن الهيئة العامة للبترول قامت بتحديد أسعار غاز الطهي وتعميمها عبر القنوات الرسمية، وتتابع الالتزام بها من خلال فرق ميدانية مختصة وبوابة شكاوى عبر النظام الإلكتروني، مؤكدًا أنه في حال رصد أي مخالفة يتم اتخاذ الإجراءات القانونية والعقوبات اللازمة بحق المخالفين وفق دليل العقوبات المعمول به لدى الهيئة.
آلاف ينتظرون دورهم
وكشف الشوربجي أن عدد المسجلين على نظام الغاز الإلكتروني ضمن الدورة السابعة بلغ نحو 479,946 مستفيدًا، في حين جرى تعبئة الغاز لـ275,890 مستفيدًا، فيما لا يزال 182,871 مستفيدًا قيد الانتظار.
ويعود هذا التأخير، بحسب الشوربجي، إلى عدة أسباب متداخلة، أبرزها قلة الكميات الواردة مقارنة بالاحتياج الفعلي، والزيادة الكبيرة في عدد المسجلين، وعدم انتظام إدخال الغاز، ما يؤدي إلى إطالة فترة الانتظار.
وأكد أنه لا يوجد حرمان لأي فئة من الاستفادة من الغاز، لافتًا إلى أن بيانات المسجلين تُحدّث بشكل دوري وفق قاعدة بيانات الأحوال المدنية، وقد يتم حذف بعض الحالات التي طرأ تغيير على وضعها، مثل الطلاق أو الوفاة أو السفر أو تعدد الزوجات، مع السماح لفرد آخر من الأسرة بالتسجيل. كما شدد على أن النساء دون أزواج، سواء المطلقات أو الأرامل، لهن كامل الحق في التسجيل والاستفادة من النظام.
أثر كارثي على القطاعات الحيوية
وحول تأثير نقص الغاز والوقود، قال الشوربجي إن الأثر كان “كارثيًا وخطيرًا” على مختلف القطاعات، ومن أبرز نتائجه تقليص ساعات تشغيل الأقسام غير الطارئة في المشافي، وتهديد حياة المرضى في العناية المركزة، والاعتماد على مولدات تعمل لساعات محدودة فقط.
كما أدى النقص إلى توقف عدد كبير من المخابز عن العمل أو تقليص إنتاج الخبز، وظهور طوابير انتظار طويلة، إضافة إلى توقف أو تقليص ضخ المياه، وحدوث خلل في الصرف الصحي، وتراكم النفايات وانتشار الأوبئة.
من الأرقام إلى الخيام
بعيدًا عن الجداول والإحصاءات، تبدو الأزمة أكثر قسوة داخل خيام النازحين، فمن داخل مخيم أرض الزيتون بمدينة الزوايدة وسط قطاع غزة، يروي نزار حرب معاناته المستمرة مع فقدان غاز الطهي، قائلًا إنه يشعل النار من الحطب للطهي تارة وللتدفئة تارة أخرى، بسبب القيود الإسرائيلية المشددة على المعابر ومنع إدخال الغاز إلى القطاع بكميات كافية.
وفي خيمة مهترئة مجاورة، تجلس أم محمد إلى جانب حفيدتها الصغيرة التي لا تتجاوز عامها الثالث، وتحكي معاناتها والدموع تلمع في عينيها: "كل شوي نولّع النار لنطبخ أو نتدفى لعدم وجود غاز، أُصبت بمرض الربو من كثرة الدخان المنبعث من النار؛ بنصحى على الوجع وننام على الوجع".
وتضيف لـ"عربي21": “أطفالنا يعانون أكثر من غيرهم، في الليل يصعب عليهم النوم من شدة البرد القارص، فلا غاز ولا أي وسائل تدفئة، ما عدا النار التي تزيد معاناتنا".
نداءات استغاثة
من داخل المخيم ذاته، يناشد يحيى شريم، مدير مخيم أرض الزيتون، الجهات الدولية بالتحرك الفوري، قائلًا: "نحن نعيش معاناة مضاعفة، وأزمة الغاز تزيد من معاناتنا، لأننا نعتمد عليه في كثير من المستلزمات ولا سيما الطهي والتدفئة".
ويضيف لـ"عربي21" أن شح الغاز وإدخاله إلى غزة بشكل ضئيل يثير تساؤلات كثيرة حول آليات التوزيع المعتمدة، موضحًا أن هناك عائلات لا تصلها حصتها إلا كل عدة أشهر، فيما تصل حصص أخرى كل شهرين أو أكثر.
ويطالب شريم المؤسسات الدولية والحقوقية والجهات الرسمية بضرورة إنهاء معاناة النازحين في ظل الحاجة الشديدة والنقص الحاد للغاز، محذرًا من أن استمرار الأزمة مع اشتداد الشتاء ينذر بتفاقم الأوضاع الإنسانية داخل مخيمات النزوح.