السيسي يشيد بتجربة السجون ويتجاهل أوضاع 100 ألف معتقل سياسي

تحدث السيسي عن إغلاق 48 سجناً وتدشين بدلاً منها 8 مراكز لـ"الإصلاح والتأهيل"- الرئاسة المصرية
خلال حفل الإفطار الذي نظمته "أكاديمية الشرطة" المصرية، تحدث رئيس النظام عبد الفتاح السيسي عن إغلاق 48 سجناً وتدشين بدلاً منها 8 مراكز لـ"الإصلاح والتأهيل"، مشيراً إلى حياة راقية يعيش فيها "النزلاء"، رافضاً تسميتهم بـ"المسجونين"، لكنه في المقابل تجاهل أوضاع 100 ألف معتقل سياسي.

وبحضور قيادات وزارة الداخلية وعدد من الوزراء وطلاب أكاديمية الشرطة، قال السيسي إنه في إطار تطوير وزارة الداخلية جرى تطوير "منظومة مراكز الإصلاح والتأهيل"، مبيناً أنه كان هناك 48 سجناً في مصر، وجرى إغلاقها وإنشاء 7 أو 8 مراكز "إصلاح وتأهيل" بأعلى المعايير، موضحاً أنه هو من أطلق عليها هذا الاسم.

وعن هدفه من تلك المراكز، أضاف: "بدلاً من أن تدخل الناس السجون فتصبح مدرسة لتخريج عناصر أكثر قسوة وأكثر إجراماً؛ نعمل برامج لإصلاح الناس الذين سميناهم نزلاء وليس سجناء"، مخاطباً الرأي العام بقوله: "لازم (لابد) أبناؤنا وبناتنا من الجامعة يشوفوا (يروا) إزاي (كيف) نحترم الناس؛ حتى لو كانوا مذنبين".

حديث السيسي عن مراكز "الإصلاح والتأهيل" لاقى انتقادات حقوقية واسعة، لفتت إلى أنه "تجاهل أوضاع المعتقلين السياسيين، وآلاف الشكاوى والتقارير التي تكشف عن انتهاكات حقوقية ومخالفات أمن السجون للقانون والدستور، وتدهور حالة المعتقلين الصحية والمعيشية، وتعرضهم للإهمال الطبي والموت البطيء وحرمانهم أبسط حقوقهم".

وقالوا إن "زعم السيسي بأن مصر سبقت دولاً عديدة في تطبيق نظم الإصلاح والتأهيل مغالطة، حيث جرى تطبيقها في أوروبا ودول عربية"، موضحين أن "حديثه عن بناء تلك المراكز بهدف حياة أفضل للنزلاء وأنه لا يريد عقابهم مرتين، يتنافى تماماً مع التقارير الحقوقية التي ترصد معاناة آلاف المعتقلين السياسيين بالسجون الجديدة ووقوع عشرات حالات الوفاة داخلها، وإضرابهم عن الطعام، ومحاولاتهم الانتحار".

أوضاع مزرية وعقاب ممنهج

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في نيسان/أبريل 2022، قد وصفت أوضاع السجون الجديدة بـ"المزرية"، مؤكدة أن السلطات استخدمتها في حملات دعائية لـ"غسل صورة انتهاكاتها".

ووفق "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، فإن الأدوات التكنولوجية التي أُدخلت على نظام إدارة السجن باتت تُستخدم بشكل عقابي، ما يجعل من إيداع السجناء في السجون الجديدة عقاباً مضاعفاً، مشيرة إلى شكاوى حرمان المحتجزين بمجمع "بدر" من حقوقهم الأساسية، ومنها شكوى قُدمت في أيلول/سبتمبر 2022 إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان.

وفي آذار/مارس 2023، طالبت 38 منظمة حقوقية مصرية ودولية القاهرة بفتح سجن بدر أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية المستقلة؛ للتحقق من الأنباء الواردة من داخل السجن بشأن "التنكيل بالسجناء ومحاولات الانتحار المتكررة وحالات الإضراب عن الطعام بين المعتقلين".

ونشرت "المفوضية المصرية للحقوق والحريات"، في كانون الثاني/يناير 2025، تقريراً رصدت فيه 50 وفاة بالسجون خلال عام 2024، بسبب الانتهاكات والإهمال الطبي، بينهم 8 وفيات في سجون بدر وحده.

وفي 30 نيسان/أبريل 2025، انتقدت 14 منظمة حقوقية أوضاع المعتقلين وانتهاكات حقوق الإنسان في سجن (بدر 3)، مشيرة إلى "الإساءة والإهمال"، والقيود الجماعية على الزيارات، ومنع المعتقلين من لمس ذويهم أثناء الزيارة عبر حواجز زجاجية، ومنع التريض والطعام والملابس، وتقليص الرعاية الصحية إلى المسكنات فقط، مشيرة إلى أن سوء الأوضاع دفع إلى موجة من محاولات الانتحار، وإضراب نحو 35 معتقلاً من قيادات جماعة الإخوان المسلمين عن الطعام.

وبعد تسجيل 15 محاولة انتحار، وفي تموز/يوليو 2025، أطلقت منظمات "تحالف المادة 55" تحذيراً للسلطات المصرية من احتمال حدوث موجة انتحار جماعي بسجن "بدر 3"، وذلك بعدما كشفته الشبكة المصرية لحقوق الإنسان من تهديد ضباط بجهاز الأمن الوطني بتحويل هذا السجن إلى معتقل "غوانتانامو مصر".

وفي آب/أغسطس 2025، طالبت 10 منظمات حقوقية بالسماح لأهالي سجناء "بدر 3" بإجراء زيارات منتظمة وفقاً للوائح السجن، وإحضار الطعام لذويهم مرة أسبوعياً.

وتقدم مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، في 8 كانون الثاني/يناير الماضي، ببلاغ للنائب العام (رقم 5640 لسنة 2026)، للمطالبة بفتح تحقيق جنائي في الأوضاع القاسية التي يعانيها نزلاء "بدر 3"، ومحاسبة المسؤولين عنها.

له مآرب أخرى

ويلفت محامٍ حقوقي يُشار لاسمه بـ"أحمد الإمام" إلى أن "السيسي، عندما قرر بناء سجون جديدة، اختارها في مناطق صحراوية نائية وبناها على مساحات واسعة، وأن هدفه لم يكن حياة كريمة للنزلاء أو دمجهم في المجتمع، بل كانت له أغراض اقتصادية ومالية وأخرى أمنية وسياسية ورسائل إلى الخارج".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أنه "أراد ببناء تلك السجون إيصال رسالة للعالم على غير الحقيقة بأنه يرعى ملف حقوق الإنسان، خاصة مع ما تعرض له من ضغوط في ملف مصر الحقوقي من البرلمان الأوروبي (كانون الأول/ديسمبر 2022) وبعض الحكومات والدول الغربية".

وأضاف أن "الـ48 سجناً القديمة التي قال إنه أغلقها كانت تقع بمناطق حيوية بالقاهرة مثل (مجمع سجون طرة) جنوب القاهرة، وسجون (القناطر الخيرية) بمنطقة حيوية شمال العاصمة، والسجون المركزية بعواصم المحافظات، وأنه على الفور قام بهدم بعضها، ويقوم ببيع أراضيها أو استغلالها في بناء مراكز سكنية وعقارية فخمة".

وأشار إلى أنه "في إطار مخاوفه من تكرار ما حدث إثر ثورة يناير 2011، من قيام عناصر إجرامية بهدم بعض السجون وإخراج المسجونين الجنائيين بدعم من الدولة العميقة، قرر إبعاد السجون عن المناطق السكنية وجعلها في مناطق نائية، ما يصعب معه اقتحامها، وفي الوقت ذاته يقوم بعملية استنزاف مالي وبدني لأسر وأهالي المعتقلين وإرهاقهم".

خوفاً من اقتحامها

وكان السيسي، خلال حديثه في الإفطار ذاته عن دور قوات الشرطة ووزارة الداخلية منذ ثورة يناير 2011 وخلال 15 عاماً، قد اعترف بأنه من طالب وزير الداخلية محمد إبراهيم عام 2012 بنقل مقر وزارة الداخلية من قلب القاهرة إلى منطقة التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة (شرق القاهرة)، وتم افتتاحه رسمياً في نيسان/أبريل 2016.

وقال السيسي إنه عندما شاهد محاولات اقتحام مبنى وزارة الداخلية خلال أحداث "محمد محمود" عقب ثورة يناير، طالب بنقل الوزارة إلى منطقة نائية حتى لا تتعرض مجدداً لمثل هذه الاقتحامات، ملمحاً إلى أن نقل العاصمة المصرية وبناء العاصمة الإدارية الجديدة كان بالدافع ذاته.

على طريقة النازي


وفي قراءته لحديث السيسي، أشار الحقوقي والإعلامي المصري هيثم أبوخليل إلى ما أسماه "حالة الإنكار التي وصلت إلى مرحلة صعبة، وتشابه خطاب النازي جوزيف غوبلز وزير الإعلام الألماني بالحرب العالمية الثانية، والتي ترسم صورة وردية مشابهة لما رسمه إعلام 1967، وتنقل صورة غير حقيقية للناس، ليس في الملف الحقوقي فقط بل في كل الأصعدة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، ضرب مثلاً بـ"حديث السيسي والحكومة أن الاقتصاد جيد، بينما خسر الجنيه 9 بالمئة من قيمته مقابل الدولار في أيام، بجانب إصرار الإعلام على أن الأوضاع السياسية جيدة بينما إسرائيل تحتل محور صلاح الدين وموجودة على تخوم مصر".

وأكد أن "رسم النظام صورة ذهنية مخالفة للواقع ينطبق على ملف المعتقلين الذين يبلغ عددهم في مصر 100 ألف معتقل وليس 60 ألفاً فقط"، ملمحاً إلى أنه "كان هناك 42 سجناً فقط قبل الانقلاب العسكري منتصف 2013، ويتكلم أنه حول 48 سجناً لمراكز إصلاح بينما عدد السجون الآن يتجاوز 76 سجناً".

وتساءل أبوخليل: "ما ذنب المعتقلين السياسيين الأبرياء؟ ولماذا لم يتحدث عنهم؟ وأين مخرجات الحوار الوطني؟ وأين دور لجنة العفو الرئاسي؟"، معرباً عن أسفه في نهاية حديثه من أن "هناك حالة من حالات الانفصام الشديد عندما يتكلمون عن الواقع".

مناطق نائية ومساحات شاسعة

ويعد مركز إصلاح وتأهيل وادي النطرون الأضخم والأول من نوعه، حيث تم افتتاحه بطريق (القاهرة-الإسكندرية) الصحراوي في تشرين الأول/أكتوبر 2021.

ويقع مركز إصلاح وتأهيل بدر على مسافة 10 دقائق بالسيارة من العاصمة الإدارية الجديدة، وتم افتتاحه في كانون الأول/ديسمبر 2021، وقد صُمم بطريقة الرقابة الإلكترونية، مع وضع أغلب قيادات جماعة الإخوان المسلمين في سجن (بدر 3) بزنازين انفرادية مراقبة إلكترونياً، فيما يشهد منذ عام 2023 إضرابات عن الطعام ومحاولات انتحار لبعض المعتقلين ووفيات بسبب سوء الأوضاع.

وافتتح مجمع مراكز إصلاح وتأهيل المنيا عام 2022، فيما تتواصل الشكاوى من المعاملة السيئة، خاصة مع نقل المسجونين من السجون القريبة من القاهرة والدلتا إليه كنوع من العقاب، وفق شكاوى حقوقية
.
وإلى جانب مركز إصلاح وتأهيل أخميم الجديدة (سوهاج)، الذي جرى افتتاحه عام 2023 كأكبر مجمع أمني في صعيد مصر بمساحة تقترب من 580 فداناً، يوجد مركز إصلاح وتأهيل "مدينة 15 مايو" منذ عام 2023 ليخدم العاصمة القاهرة، ومجمع مراكز إصلاح وتأهيل العاشر من رمضان عام 2023، والذي تم نقل نزيلات سجن النساء في القناطر إليه.

أصول عقارية ثمينة

ولكونها أصولاً عقارية ثمينة تقع في قلب القاهرة والمدن الكبرى، أزيلت صفة النفع العام عن بعض السجون التي يعود تاريخ إنشاء عدد منها إلى 140 عاماً، ونُقلت ملكية مبانيها وأراضيها من وزارة الداخلية لصالح الخزانة العامة وصندوق مصر السيادي.

وتم إغلاق وإخلاء "مجمع سجون طرة"، الأضخم والأكثر شهرة والذي كان يضم 7 سجون فرعية، بمساحة هائلة تطل على نهر النيل بمنطقة "طرة البلد" بالمعادي؛ ويتولى صندوق مصر السيادي تحويلها إلى مجمع سكني وإداري فاخر.

وبينما تم إخلاء سجن "استئناف القاهرة" التاريخي بمنطقة "باب الخلق" وسط القاهرة، ليجري تحويل المبنى إلى "فندق تراثي" ومركز تجاري سياحي، شملت قرارات إغلاق السجون العمومية: في "بنها"، و"الزقازيق"، و"شبين الكوم"، و"الحضرة"، و"الأبعادية" بمحافظات القليوبية والشرقية والمنوفية والإسكندرية والبحيرة، وكذلك سجون المنيا وأسيوط وسوهاج القديمة، وتحويلها إلى مشروعات سكنية.

وبينما تفرض الحكومة سياجاً من الكتمان وعدم الشفافية حول تكاليف بناء مراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة والتقييم المالي لأراضي السجون القديمة، والتي تظل بين وزارة الداخلية وصندوق مصر السيادي وصندوق التنمية الحضرية بالمحافظات، أكدت وزارة الداخلية في تشرين الأول/أكتوبر 2021 أن بناء مجمع وادي النطرون جاء من حصيلة بيع أراضي السجون القديمة.

دعوات لإنقاذ المعتقلين

وطوال شهر رمضان تتواتر الدعوات لإخلاء سبيل المعتقلين، خاصة كبار السن الذين يعانون الوحدة في الزنازين الانفرادية وأمراض الشيخوخة والوفاة بسبب الإهمال الطبي المتعمد والقهر، وسط تساؤلات أطلقها الناشط هاني مصطفى: "ألا يكفي هذا الانتقام؟ ألا يكفي هذا الدمار الاجتماعي؟ مكان هؤلاء مع أحبابهم فيما تبقى من عمرهم؟".

وشهد سجن العاشر من رمضان، إحدى المراكز التي تحدث عنها السيسي، في 23 شباط/فبراير الماضي، إضراب المعتقلة السياسية منذ عام 2014، آية كمال الدين (29 عاماً)، بسبب تعدي إحدى الطبيبات بمعاونة سجينات جنائيات عليها، وإيداعها زنزانة تأديب انفرادية.

وشهد سجن "المنيا شديد الحراسة"، إحدى السجون الجديدة والمعروفة بمعاملتها القاسية والتحرش بزوجات المعتقلين ومنع الأدوية والطعام، وفاة المعتقل السياسي منذ عام 2014، إبراهيم هاشم السيد (43 عاماً)، أثناء صلاة التراويح.

وأشار نشطاء إلى تجاهل السيسي ملفات الإخفاء القسري التي تعرض لها آلاف المعتقلين، وملف الحبس الاحتياطي، وعمليات تدوير المعتقلين في قضايا جديدة.

وألمحوا إلى واقعة ظهور ضابط الصف بالقوات المسلحة بالمعاش هاني لبيب حامد حشاد (49 عاماً) بعد اعتقاله في 3 أيلول/سبتمبر 2020، وإخفائه 5 سنوات ونصف، وحبس نيابة أمن الدولة العليا له احتياطياً في 18 شباط/فبراير الماضي، وإيداعه "سجن بدر".