مدخرات المصريين تتآكل.. هكذا يضغط خفض الفائدة على صغار المودعين

خفض المركزي المصري أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس إلى 19 بالمئة - جيتي
تعرض صغار المودعين المصريين إلى صدمة كبيرة، إثر تآكل مدخراتهم وتراجع عوائدها الشهرية بالبنوك المصرية، مع الخفض الأخير لسعر الفائدة إلى 19 بالمئة قبل أسبوع، وذلك في وقت تتبارى فيه كبرى البنوك لرفع العائد على حسابات ادخار الأثرياء والودائع ذات الأرصدة المرتفعة.

وخفض المركزي المصري أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس إلى 19 بالمئة في 12 شباط/ فبراير الجاري، ضمن اتجاه حكومي لخفض الفائدة منذ نيسان/ أبريل الماضي، وذلك في تراجع كبير من نسبة 27.25 بالمئة التي جرى إقرارها في آذار/ مارس 2024.

خلال تلك المدة خسر صغار المودعين — نسبة كبيرة منهم من كبار السن — الكثير من قيمة مدخراتهم، مع خسارتهم نسبة مؤثرة من العوائد الشهرية التي يعتمدون عليها في توفير الطعام، والعلاج الشهري، ودفع الإيجارات، وفواتير الكهرباء والغاز والاتصالات، وغيرها.

وقرر مودعان تحدثت إليهما "عربي21" سحب ودائعهما، لكنهما حتى اللحظة لا يعرفان أين سيستثمرانها، خاصة مع تآكل قيمة تلك المدخرات وضعف القوة الشرائية للعملة المحلية واتجاهها نحو الهبوط مؤخرًا مقابل العملات الأجنبية.

من 2000 إلى 500 جنيه

أبو خالد مسن سبعيني، أودع 100 ألف جنيه بالبنك الأهلي، وكان يصرف شهريًا حوالي 2000 جنيه، لكنه الاثنين الماضي تعرض لـ3 صدمات عندما انتهى موعد شهادته الادخارية السنوية، حين أكد له موظف خدمة العملاء بالبنك الحكومي إلغاء الشهادة السنوية، وأنه ليس لديه خيار إلا شهادة 3 سنوات، أو سحب أمواله.

يقول لـ"عربي21": "عندما كانت نسبة الفائدة 27 بالمئة كنت أحصل على مبلغ بنحو 2200 جنيه، كانت إلى جانب معاش شهري يقترب من هذه القيمة لا يكفياني وزوجتي، فكلانا نعاني من أمراض الشيخوخة، لينخفض العائد الشهري إلى أقل من ذلك مع خفض الفائدة حتى 25 بالمئة".

ويتابع: "مع نزول الفائدة إلى 22 بالمئة، كنت أحصل على ما بين 1950 و1800 جنيهًا، ليفاجئني البنك بنزولها إلى 1750 الشهر الماضي. ومع نهاية مدة الشهادة السنوية طلبت إعادة تدويرها مجددًا لعام آخر، فأكد الموظف أنه لم يعد يُصدر البنك شهادات سنوية، وأن المتاح لـ3 سنوات".

ويبين أن "ما قاله لي موظف البنك حول عوائد شهادات الـ3 سنوات صدمني مرة ثانية، حيث أكد أنه في العام الأول ستكون الفائدة 18 بالمئة، وبالعام الثاني 16 بالمئة، لتنخفض في العام الثالث إلى 12 بالمئة".

وأضف: "عندها رفضت تدوير مبلغي، ليصدمني الموظف للمرة الثالثة بقوله إنه لو تركت المبلغ دون شهادة سيتحول إلى فائدة أقل بقيمة 8 بالمئة تدر 500 جنيه شهريًا، فقررت سحب المبلغ كاملًا، لتفاجئني موظفة الخزينة بخصم 200 جنيه منها بدعوى المصاريف الإدارية، وعندما طلبت غلق الحساب طلبت مني دفع 100 جنيه أخرى".

تناقض مريب

وتكشف تصريحات البنك الأهلي الحكومي، والأكبر بالسوق المحلية، إلغاء الشهادة السنوية، وإتاحته "البلاتينية" 3 سنوات بعائد 22 بالمئة في العام الأول ثم 17.5 بالمئة للثاني و13 بالمئة للسنة الثالثة، و"البلاتينية" بعائد متدرج 3 سنوات بين 21 و15.25 و12 بالمئة، و"أمان المصريين" 3 سنوات بعائد 13 بالمئة، و"الخماسية" بعائد 14.25 بالمئة.

وفي الوقت الذي خفض فيه البنك المركزي سعر الفائدة على الشهادات مرتفعة العائد ووقف إصدار الشهادات السنوية التي كانت آلية جاذبة لمدخرات تجاوزت 1.5 تريليون جنيه في العامين الماضيين، تتبارى بنوك: مصر، والأهلي قطر الوطني، وأبوظبي الإسلامي، والعربي الإفريقي الدولي، في منح المليونيرات، بداية من شريحة 5 ملايين جنيه، عوائد تصل حتى 19 بالمئة، بينما أكبر عائد على مدخرات صغار المستثمرين بلغ 17.5 بالمئة، وفق موقع "العربية بيزنس"، الاثنين الماضي.

ولفت الكاتب الصحفي مصطفى عبدالسلام إلى خروج عدد كبير من الأفراد من القطاع المصرفي بقيم تتجاوز عدة تريليونات من الجنيهات مع خفض أسعار الفائدة بالبنوك، ومع انتهاء استحقاقات شهادات الادخار البنكية ذات العائد المرتفع الذي تراوح بين 23.5 بالمئة إلى 27 بالمئة في بنكي الأهلي المصري ومصر.

وأشار في مقال له الأحد الماضي، إلى "عدم وجود بدائل مرتفعة العائد حاليًا في ظل توجه البنك المركزي نحو خفض سعر الفائدة، وتقليص مزايا الشهادات مرتفعة العائد، وبحث المستثمرين والمدخرين السريع عن بدائل استثمارية آمنة في العام الجديد، وعدم القبول بعوائد مصرفية منخفضة في ظل تسارع كلفة المعيشة".

ماذا عن سند المواطن؟

وطرحت وزارة المالية الأحد الماضي أداة الدين الحكومية الجديدة "سند المواطن" للأفراد عبر نحو 4 آلاف من مكاتب الهيئة القومية للبريد، بعائد سنوي ثابت 17.75 بالمئة يُصرف شهريًا، ولمدة 18 شهرًا، لتغطية 90 بالمئة من احتياجاتها التمويلية في النصف الأول من العام الجاري.

ويقول أبو خالد: "فكرت في إيداع المبلغ في هيئة البريد بعيدًا عن تقلبات البنوك، فنصحني الموظف بإيداعها تحت بند (سند المواطن) لمدة سنة وبفائدة 14 بالمئة، تدر عائدًا شهريًا بقيمة 1060 جنيهًا، مع إمكانية سحب المبلغ في أي وقت"، مبينًا أن "كل الخيارات تؤدي إلى خسارة من قيمة المبلغ وفقدان نسبة من الدخل الشهري".



وخلال يومي الثلاثاء والأربعاء تحدثت "عربي21" إلى اثنين من موظفي هيئة البريد حول مدى إقبال المصريين على مبادرة "سند المواطن"، وحجم ما بها من محفزات لصغار المودعين، فأكدا أن "الإقبال منذ الأحد وحتى الأربعاء قليل جدًا، مع وجود استفسارات كثيرة من مواطنين، خاصة كبار السن والنساء"، ملمحين إلى أن "الطرح ما زال في بدايته وممتد حتى 8 آذار/ مارس المقبل".

وأوضح أحدهما أنه "لشراء السند يجب أولًا فتح حساب جارٍ دون عائد، وتكون قيمة السند الواحد 1000 جنيه، على ألا يقل عدد السندات عن مبلغ 10 آلاف جنيه، وذلك بفائدة مقدرة بـ17.75 بالمئة"، ملمحًا إلى أن طرح هذا السند في هذا التوقيت فكرة غير موفقة لضغوط متطلبات شهر رمضان، وللمخاوف من ضربة أمريكية لإيران.


خسارة مدخرات وتراجع الدخل

وبالتزامن مع انتهاء مدة شهادات الإيداع الثلاثية منتصف آذار/ مارس المقبل، والمقدرة بحوالي 75 مليار جنيه، يؤكد الموظف الحكومي بالمعاش الأستاذ عبدالحميد، لـ"عربي21"، أنه "لن يقوم بإعادة تدوير شهادته مرة أخرى".

ويضيف أن "مدخراته المقدرة بنحو 300 ألف جنيه، ومع انخفاض قيمة الجنيه، خسرت الكثير من قيمتها خلال السنوات الثلاث الماضية"، مبينًا أن "زميلًا له قرر شراء ذهب عيار 21، وربح خلال العامين الأخيرين بقدر أعلى من مدخراته الأصلية"، ملمحًا إلى أن "زميلًا آخر شارك في شراء شقة مع آخرين يحصل منها على نحو 5 آلاف جنيه شهريًا، وأصبح لديه أصل ثابت".

ويوضح موظف الشؤون المالية بإحدى الوحدات المحلية سابقًا، أن "ما تقوله الحكومة عن أن خفض سعر الفائدة يقلل التضخم غير حقيقي، حيث إنه لم نرَ انخفاضًا في سعر أيِّ سلعة، وما رأيناه هو فقط خسارة قيمة مدخراتنا، وتراجع في الدخل الشهري".

ماذا يفعل صغار المودعين؟

وفي ظل توجه حكومي نحو خفض متتابع لسعر الفائدة، يطالب محللون بما يسمونه التنويع الاحترافي، بأن يُجرى الاستثمار بشكل متزامن في العقارات، والذهب، وأسهم البورصة، مع ترك جزء نقدي سيولة للطوارئ، وهو الحديث الذي لا يلائم صغار المودعين، الذين يحتاجون عائدًا ثابتًا لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

ورغم أن التضخم السنوي في المناطق الحضرية تراجع إلى أدنى مستوى له في 4 أشهر عند 11.9 بالمئة في كانون الثاني/ يناير الماضي، من 12.3 بالمئة في الشهر السابق، إلا أن السوق المحلي شهد ارتفاعات وصفها تجار ومتعاملون بأنها "غير منطقية"، خاصة في السلع الأساسية مع قدوم شهر رمضان.

ويعاني كبار السن ومن هم في سن المعاش من انخفاض قيمة المعاش، ومع قوانين وقرارات حكومية تزيد أزماتهم مع ارتفاع أسعار السكن، والدواء، والكشف والتشخيص، والسلع الأساسية.

وتفجرت قبل أيام قصة طرد المهندسة السابقة بهيئة الطاقة الذرية "ليلى" (66 عامًا) من سكنها لعجزها عن دفع أجرة السكن البالغة 3 آلاف جنيه، في ظل معاش شهري لا يتعدى 3 آلاف جنيه، ما اضطرها لافتراش الشارع 8 شهور.

مخالفات ترقى لجرائم

وفي قراءته لتلك الحالة، قال الكاتب والمحلل السياسي مجدي الحداد: "لجأ أغلب المصريين من الطبقة المتوسطة، ومنذ 5 سنوات، للتحوط من ألاعيب نظام يحابي أصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين الكبار؛ ما يعني استمرار نظام حسني مبارك فيما كان يسمى بتزاوج السلطة والمال".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أنهم "لا يتأثرون بقرارات صندوق النقد الدولي المتعلقة بالتعويم مثلًا وخفض قيمة الجنيه، لأنه يكون لديهم علم بأي قرار مالي يمكن أن يضر باقي الشعب، فيتحوطون ضده، ويحققون مكاسب خرافية نتيجة فرق العملة بالنسبة لسعر الصرف قبل وبعد التعويم، وهذا لا يختلف عن التلاعب بالبورصة، ما يعني خيانة الأمانة، ومثل تلك المخالفات تُرقّى في الدول الرأسمالية إلى جرائم جنائية كبرى".

ويرى الحداد أن "ما تقوم به الحكومة من طرح سندات وأوعية ادخارية بمسميات مختلفة وبمعدل فائدة عالٍ حيلة للاقتراض الداخلي لسداد قروض قديمة".

واستدرك: "لكن مع انخفاض قيمة الجنيه ونزيفه المستمر، فإن ما تعطيه الحكومة من فوائد أقل كثيرًا من معدل انخفاض قيمته أو من معدل التضخم، ومن هنا نرى أن ودائع المواطنين بالبنوك تخسر مع طول مدة الإيداع، أو حتى في الأجل المتوسط".

حيلة "بونزي"

ولفت الكاتب المصري إلى أن "بعض الميسورين من الطبقة المتوسطة، وللتحوط من احتيال الحكومة، اتجهوا لشراء الذهب كمخزن مضمون للقيمة، أو عقارات، لأن هذين العنصرين يحفظان القيمة إلى حد ما، فكلما انخفضت قيمة الجنيه زادت قيمتهما بنفس قيمة انخفاضه تقريبًا، بينما الأموال المودعة بالبنوك تخسر قيمتها".

وأشار إلى "تخوف آخر لدى المودعين دفعهم لسحب ودائعهم، وهو حدوث أزمة مالية كبرى غير متوقعة — كالإفلاس نتيجة سياسات الحكومة غير الرشيدة في الاقتراض لأجل سداد قروض قديمة، فيما يسمى حيلة (بونزي) Ponzi Scheme — فإنها قد تستولي على ودائع المودعين، وفي أفضل الأحوال على الجزء الأعظم من تلك الأموال، كما حدث في اليونان ولبنان".