في صباح ملبّد بغبار السوق الأسبوعي في "عين عودة" نواحي العاصمة
المغربية، الرباط، لم يكن المشهد مختلفا كثيرا في ظاهره عمّا اعتاده المغاربة كل موسم عيد أضحى.
أكباش مربوطة بحبال قصيرة، تتقافز على أرض ترابية، باعة ينادون على "سلالاتهم"، ومشترون يدورون في حلقات واسعة بين القطيع.
هذا المشهد، على اكتماله الظاهري، كان يُخفي فراغا غير مرئي؛ كأنّ إيقاع السوق نفسه متغيّر؛ لم يعد ذلك التدافع الخفي الذي كان يدفع الزبائن إلى الحسم السريع، ولا تلك العجلة التي كانت تسبق أيام العيد.
في سوق الاثنين بـ"عين عودة"، كما في أسواق أخرى، بات الزمن أبطأ، والقرارات مؤجلة. رجل في الخمسين من عمره، يقف طويلا أمام خروف من سلالة "الصردي"، يسأل عن السعر، يهز رأسه، ثم يمضي دون أن يشتري. بعد دقائق، يعود ليسأل مرة أخرى، وكأنه يفاوض نفسه أكثر مما يفاوض البائع.
هذا التردد، الذي يتكرر في عشرات الأسواق عبر المغرب، أصبح السمة الأبرز لموسم
الأضاحي هذا العام. المعطيات الميدانية التي حصلت عليها "عربي21" تشير إلى وفرة نسبية في العرض، وأسعار تتراوح في العموم بين 3000 و8000 درهم (بين 300 و800 دولار) حسب الجودة والسلالة والمنطقة؛ ومع ذلك، فإن وتيرة البيع لا تعكس هذا التوازن الظاهري.
ورغم ذلك، تبدو الأسواق ممتلئة، لكن الشراء مؤجل. في قلب هذا التناقض، برز وسم رقمي: "خليه يبعبع"، في دعوة صريحة إلى التريّث، بل ومقاطعة شراء الأضاحي بأسعار يعتبرها كثيرون مرتفعة.
"خليه يبعبع".. سلوك اقتصادي جماعي
لم تبدأ "خليه يبعبع" كحملة منظمة، بل كعبارة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحاكي صوت الخروف في سياق ساخر من ارتفاع الأسعار. غير أنّ هذا التعبير سرعان ما تحوّل تدريجيا إلى خطاب احتجاجي واسع، يدعو للتريّث في شراء الأضاحي، بل ويُلوّح بالمقاطعة المؤقّتة كوسيلة ضغط.
ومع تكرار هذا الخطاب وتداوله على نطاق واسع، رصدت "عربي21" أنّ الأمر لم يعد مجرد تفاعل رقمي معزول، بل بدأ يتشكّل كاتجاه جماعي يعيد صياغة سلوك المستهلك، ويدفع نحو تأجيل قرار الشراء بدل الاندفاع إليه كما جرت العادة خلال المواسم السابقة.
جرّاء ذلك، لم تكن هناك قيادة واضحة للحملة، بل رسائل مكرّرة، ومشاركة تجارب المستهلكين، ونقاش حول الأسعار، خلق ما يمكن وصفه بـ"وعي جماعي". فكرة بسيطة بدأت تتشكل، تتلخّص في: "لا داعي للاستعجال". "يمكن الانتظار". وربّما، إذا انتظر الجميع، ستنخفض الأسعار.
هنا السوق.. عرض وفير وقرار مؤجّل
في أسواق مثل سيدي يحيى الغرب، وأزرو، والقصر الكبير، الشهادات نفسها تتكرّر: القطيع متوفر، السلالات متعددة ("الصردي" و"البركي" و"تمحضيت")، لكن الإقبال ضعيف. يؤكد مهنيون لـ"عربي21" أنّ العرض هذه السنة لم يشهد نقصا، بل على العكس، هناك وفرة نسبية مقارنة ببعض المواسم السابقة التي تأثرت بالجفاف.
لكن وفقا للمهنيين أنفسهم، هذه الوفرة لم تُترجم إلى مبيعات، حيث أنّ الزبائن يسألون، يقارنون، ثم يغادرون. بعضهم يعود في اليوم التالي، وآخرون يؤجلون القرار لأسبوع كامل. هذا السلوك الجديد خلق حالة من "الانتظار الجماعي"، حيث لا أحد يريد أن يكون أول من يشتري.
في هذا السياق، تتسارع الأسئلة في الفضاء الرقمي، كما في الأحاديث الجانبية داخل الأسواق الأسبوعية، بين المستهلكين والباعة على حد سواء؛ من قبيل: هل ستنخفض الأسعار لاحقا؟ وهل الأفضل تأجيل الشراء إلى الأيام الأخيرة؟. هذه التساؤلات لم تعد مجرد انطباعات عابرة، بل باتت جزءا من عملية اتخاذ القرار نفسها، في سلوك لم يكن بهذه الحدة في المواسم السابقة.
التاجر بين الكلفة والسوق البطيء
في خلفية هذا المشهد، رصدت "عربي21" أن الكسّاب المغربي (تاجر الماشية) يجد نفسه في موقع هشّ داخل معادلة السوق. فبينما يُنظر إليه أحيانا كجزء من أزمة الأسعار، يؤكد أن الواقع أكثر تعقيدا مما يبدو. تربية الخروف لم تعد نشاطا بسيطا يعتمد على الكلأ الطبيعي، بل عملية مكلفة تعتمد بشكل كبير على الأعلاف.
عبد الله، وهو مربّي للمواشي في مدينة تمارة، يقول إنّ أسعار الشعير، والنخالة، والفصة، شهدت ارتفاعات ملحوظة. مردفا لـ"عربي21": في بعض الحالات، يصل سعر الشعير إلى 500 درهم للقنطار (50 دولارا)، فيما تتراوح أسعار الأعلاف الأخرى بين مستويات مرتفعة تزيد من كلفة الإنتاج.
وتابع: يضاف إلى ذلك تكاليف النقل، والرعاية البيطرية، وتأثيرات سنوات الجفاف التي أضعفت المراعي الطبيعية. مبرزا: "السعر النهائي للأضحية ليس رقما عشوائيا، بل نتيجة مسار طويل من التكاليف".
من جهته، يشرح محسن، وهو كسّاب في سوق الاثنين بعين عودة، أنّ: الواقع داخل السوق لم يعد بسيطا، إذ يجد نفسه أمام بيع غير مضمون، وهوامش ربح محدودة، في وقت يبدو فيه أن الزمن يعمل ضده.
ويضيف الكساب نفسه، في حديثه لـ"عربي21" أنّ: كل يوم إضافي يعني استهلاكا أكبر للعلف، وتكاليف تشغيل أعلى، واحتمالا متزايدا لتراجع الربح، أو حتى الخسارة في بعض الحالات.
"الشنّاقة" تحت ضغط الزمن
الوسطاء، أو ما يعرفون محليا باسم: "الشناقة"، كانوا تاريخيا أحد أبرز الفاعلين في سوق الأضاحي في المغرب. يعتمد نموذج عملهم على شراء القطيع مبكّرا، ثم إعادة بيعه في ذروة الطلب قبل العيد، غير أنّ هذا النموذج بدأ يهتز هذا العام.
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن التريث الجماعي في الشراء يعني أن فترة الاحتفاظ بالماشية تطول، ما يرفع التكاليف ويؤخر استرجاع رأس المال. كما أن غموض توقيت الذروة يجعل من الصعب التنبؤ باتجاه السوق، رغم اقتراب
عيد الأضحى بما يناهز عشرين يوما.
ويقول بعض الوسطاء في حديثهم لـ"عربي21" إنهم باتوا تحت ضغط أكبر من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب التكاليف، بل أيضًا نتيجة تغير سلوك المستهلك الذي بات أكثر تردّدا وتأجيلا لقرارات الشراء.
في هذا السياق، لم يعد "الشناق" هو الطرف الأقوى كما كان يُعتقد، بل أصبح جزءا من معادلة مضطربة، حيث المخاطرة أكبر، والهامش أقل وضوحا.
تحت المجهر الرقابي.. أي اختلالات للسوق؟
في سياق الجدل المتصاعد حول أسعار المواد المرتبطة بعيد الأضحى، كذلك، حذر المرصد المغربي لحماية المستهلك من الارتفاع الكبير وغير المبرر الذي تعرفه أسعار مادة "الفاخر/ الفحم الحجري"، والتي تدخل في سلسلة الاستهلاك الموسمي، إذ قفز سعر الكيلوغرام من حوالي 7 دراهم إلى ما بين 15 و20 درهما، أي بزيادات قد تصل إلى 185 في المائة خلال فترة وجيزة.
وأوضح المرصد، في بلاغ له، أن هذا الارتفاع لا يرتبط بتحسن في الجودة أو نقص فعلي في العرض، وإنما يعكس اختلالات في سلاسل التوزيع وهيمنة مظاهر المضاربة، رغم تسجيل وفرة نسبية في بعض المناطق.
وأضاف البلاغ، الذي وصل "عربي21" نسخة منه، أنّ المعطيات المتوفرة تشير إلى وجود فروقات سعرية بين المدن قد تصل إلى 8 دراهم لنفس المنتوج، في وقت ارتفع فيه الطلب الموسمي بأكثر من 60 في المائة، مقابل اضطرابات محدودة في التوزيع لا تبرر هذا الغلاء.
وسجل المصدر ذاته ممارسات وصفها بالمقلقة، بينها تقليص الكميات المعروضة في أسواق الجملة، وتعدد الوسطاء دون مبرر، وارتفاع هوامش الربح بشكل غير معتاد، إضافة إلى غياب إشهار الأسعار في عدد من نقاط البيع. داعيا إلى تدخل عاجل للسلطات المختصة عبر تعزيز المراقبة وتفعيل القوانين الجاري بها العمل.
الفضاء الرقمي يدخل السوق
ما يحدث هذا العام يكشف بحسب ما رصدته "عربي21" تحولا أعمق: السوق لم تعد فضاء ماديا فقط، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الرقمي. النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، الصور، المقارنات، وحتى الشائعات، باتت تؤثر في قرارات الشراء.
إلى ذلك، لم يعد المستهلك يدخل السوق "بدون رأي"، بل يحمل معه تصوّرا مسبقا تشكّل عبر الإنترنت. هذا التصور قد لا يكون دقيقا دائما، غير أنّه يؤثر على السلوك. وهنا تكمن قوة حملة مثل "خليه يبعبع": ليست في قدرتها على خفض الأسعار مباشرة، بل في قدرتها على تغيير التوقعات.
رغم كل هذا، تشير المعطيات إلى أن الأسعار لم تشهد انخفاضا بعد، بل استقرارا نسبيا.
يتراوح سعر الكيلوغرام في حدود 70 درهما (ما يناهز 7 دولار)، مع تفاوت حسب الجودة.
الأضاحي الجيدة تحافظ على قيمتها، فيما تعرف الأقل جودة بعض التراجع. هذا الاستقرار لا يعني أن السوق مستقرة. فالمؤشرات تكمن في نسبة البيع، ومستوى الإقبال. وهذه كلها تشير إلى سوق أبطأ، وأكثر حذرا.
في العمق، لا يمكن فهم هذا التحول دون النظر إلى القدرة الشرائية للأسر المغربية، حيث تشير عدد من التقارير الرسمية إلى سنوات من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتضخم الأسعار، وضغوط اقتصادية متراكمة، جعلت من قرار شراء الأضحية قرارا محسوبا بدقة.
السياسة تدخل على الخط
في سياق الجدل المتصاعد حول سوق الأضاحي بالمغرب، دعا رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية، رشيد حموني، الحكومة المغربية التي يترأّسها عزيز أخنوش، إلى طمأنة المغاربة بخصوص وضعية القطيع الوطني، وضمان توفر الأضاحي بأسعار معقولة تراعي القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وفي سؤال موجّه إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أشار حموني إلى أن عيد الأضحى لهذه السنة يأتي في ظرفية خاصة تتسم بتداعيات مناخية واقتصادية واجتماعية أثرت على الأسر المتوسطة ومحدودة الدخل.
وأوضح السؤال الذي وصل "عربي21" نسخة منه، أنّ حالة القلق داخل الرأي العام "مفهومة" في ظل استمرار الغلاء، وارتفاع أسعار الأعلاف والمحروقات، وتراجع القطيع الوطني بفعل الجفاف، ما يثير مخاوف من انعكاس ذلك على أسعار الأضاحي. أيضا، طالب رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية، الحكومة، بتوضيحات حول وضعية القطيع وآليات ضبط الأسعار للحد من المضاربات وضمان ملاءمة الأثمنة مع القدرة الشرائية.
في مقابل النقاش الدائر حول ارتفاع الأسعار، خرج وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، محمد صديقي، ليؤكد رفضه لما وصفه بـ"الترويج لأسعار أضاحي تصل إلى 6000 درهم على مواقع التواصل الاجتماعي"، معتبرا أن هذا الخطاب يغفل وجود أضاح بأسعار تتراوح بين 800 و1500 درهم.
في سياق مواز، بدأت بعض الإدارات العمومية ومؤسسات الأعمال الاجتماعية بالمغرب، مبكرا، في الإعلان عن صيغ دعم موجهة للموظفين من أجل مساعدتهم على اقتناء أضحية العيد، في محاولة للتخفيف من الضغوط المالية المرتبطة بهذه المناسبة.
وفي هذا الإطار، حددت المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لموظفي العدل قيمة سلفة عيد الأضحى ما بين 2000 و3000 درهم (بين 200 و300 دولار)، على أن تُسترجع على مدى 10 أشهر عبر الاقتطاع من المنبع، فيما بلغت قيمة المنحة المخصصة لهذه المناسبة حوالي 1500 درهم، وفق قرار سابق لمجلس التوجيه والمراقبة.
إلى ذلك، ما تكشفه حملة "خليه يبعبع" ليس مجرد تأثير عابر لوسم رقمي، بل مؤشر على تحوّل في طريقة اشتغال السوق. المستهلك لم يعد متلقّيا سلبيا، بل فاعلا يمكن أن يؤثر في الإيقاع، إن لم يكن في السعر.
في هذا التحول، يصبح الزمن عاملا اقتصاديا. بين الرغبة في الشراء، وقرار تنفيذه، تمتد مساحة من التردد، هذه المساحة هي التي تعيد تشكيل سوق أضاحي في المغرب اليوم.
وربما، للمرة الأولى، لا تتحرك الأسواق فقط بمنطق العرض والطلب، بل أيضا بمنطق "الانتظار".