فجر توجيه رئيس النظام
المصري عبدالفتاح
السيسي، بتدشين 40 هايبر ماركت تحمل اسم "كاري أون"، تضاربا بين المصريين حول أهمية المشروع القومي في كسر احتكار التجار والسيطرة على الأسعار، وبين مخاوفهم وفقا للتجارب السابقة من صناعة كيان احتكاري حكومي أو عسكري جديد بالسوق المصرية.
وتوجيه السيسي، بإطلاق "كاري أون" كمشروع قومي، يجري تحته توحيد العلامة التجارية للمجمعات والمنافذ التموينية، الثلاثاء الماضي، جاء خلال اجتماعه بوزيري الزراعة علاء الدين فاروق، والتموين شريف فاروق، والمدير التنفيذي لـ"جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" العقيد بهاء الغنام.
ماركت "كاري أون"، يتبع الشركة "الغذائية القابضة للصناعات" التابعة لوزارة التموين، وافتتح منه 4 فروع بالقاهرة: (كلية البنات، الأميرية، والسيدة زينب) 29 أيلول/ سبتمبر الماضي، وفي مدينة الإنتاج الإعلامي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وجميعها فعاليات تمت بحضور رئيس "مستقبل مصر" العقيد الغنام.
مخاوف التجار والبدالين
ومع إعلانه كمشروع قومي، يقوم على "توحيد العلامة التجارية للمجمعات والمنافذ التموينية" لـ1060 مجمعا استهلاكيا تابعا للقابضة الغذائية كمرحلة أولى، ما قيل حول دور المنافذ الجديدة في صرف السلع على البطاقات التموينية و"فارق نقاط الخبز"، يتخوف آلاف التجار والبدالين وموزعي التموين الحكومي من فقدان أدوارهم كوسيط بين الدولة أصحاب البطاقات التموينية.
كما يدفع ما يثار عن تحكم هذه الفروع في الأسعار، وأنها ستكون "مسطرة تقاس عليها الأسعار"، الكثير من تجار الجملة والتجزئة من عدم القدرة على منافسة المولود الجديد.
ويشير حديث سابق لوزارة التموين في 30 أيلول/ سبتمبر 2025، إلى أن مبادرة "كاري أون" تهدف تأهيل وتطوير 40 ألف منفذ ونقطة بيع بمختلف المحافظات، وتحويل 30 ألف بقال تمويني إلى سوبر ماركت حضاري، بالإضافة إلى تحديث 8500 منفذ من مشروع "جمعيتي" وتحويلها إلى هايبر ماركت، وتطوير شامل لـ1060 منفذا تابعا للشركة القابضة للصناعات الغذائية.
وبينما تؤكد التصريحات الحكومية أنه سيجري توفر كافة السلع الغذائية والاستهلاكية واللحوم والدواجن والأسماك والمنظفات التي تنتجها 22 شركة تابعة للقابضة إلى "كاري أون"، وما سيتبعه من منافذ، تخوف البعض من زيادة تكلفة السلع على المستهلك لتعويض الإنفاق على المنشآت والتجهيزات والعمالة والتشغيل وحتى تطبيق التحول الرقمي في تعاملات تلك المنافذ.
ليست جديدة ولا خاطئة
وحول الأهمية الاقتصادية لهذا المشروع، وإمكانية نجاحه في توفير السلع بأسعار أفضل من السوق والقطاع الخاص، تحدث الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور علي شيخون.
وقال لـ"عربي21"، إن "الفكرة في حد ذاتها ليست جديدة ولا خاطئة من حيث المبدأ"، مبينا أن "توحيد المنافذ التموينية تحت علامة تجارية واحدة وتحديث بنيتها يمكن نظريا أن يُحقق ثلاثة أشياء: خفض تكاليف الإمداد عبر اقتصاديات الحجم، وتوحيد معايير الجودة، وتوفير بديل منافس يضغط على أسعار السوق الخاص".
وأضاف مستشار التطوير المالي والإداري: "وللنظر في المشروع بموضوعية، يمكن تناوله من شقين متمايزين الأول أنه أداة لضبط السوق وحماية المستهلك عبر خلق بديل حكومي منخفض الهامش يجبر السوق على الانضباط، وهذا هدف سليم اقتصاديا، والثاني أنه أداة لتعزيز نفوذ الدولة في قطاع التجارة، وهنا تثار التساؤلات حول تأثيره على القطاع الخاص الصغير ومدى كفاءته التشغيلية مقارنة به".
توغل مثير واحتكار محتمل
ولم يتم الكشف حتى كتابة هذه السطور عن دور الغنام، وجهازه العسكري بالمشروع القومي الجديد، وهل هو: التدشين والتجهيز والافتتاح والإدارة أم يمتد إلى الإمداد بالسلع والبضائع والتموين، خاصة وأن الجهاز التابع للقوات الجوية المصرية يمتلك الكثير منها إما بإنتاجها أو تعبئتها بمزارعه ومصانعه أو له الحق منفردا في استيرادها وتخزينها وتوزيعها.
ويأتي هذا التوجه وسط تعاظم أعمال الجهاز العسكري التابع للجيش المصري، بقطاع "تجارة التجزئة" عبر تدشينه 2000 منفذ ونشاط تجاري بالقاهرة والمحافظات حتى 2027، افتتح منها 1405 منفذا، كان آخرها قبل شهر رمضان بمدن: رشيد بمحافظة البحيرة، والمنصورة بمحافظة الدقهلية، وحي العجمي بالإسكندرية، ما يفجر مخاوف البعض من تغول الجهاز العسكري على قطاع مدني بالأساس وينتشر في كل حي وشارع وقرية.
وفي 13 شباط/ فبراير الجاري، وتحت عنوان: "توسّع مستمر، وخدمات أقرب لكل بيت"، أعلن أنه يواصل التوسع في منافذ "سوبر توفير"، وعبر العلامة التجارية "خيرها"، يوفر 20 سلعة استراتيجية أساسية أبرزها: السكر، الأرز، الزيت، الدقيق والبقوليات والخضروات المجمدة، بأسعار تنافسية، ما يمثل فرصة للمستهلكين ولكنه وفق رؤية أخرى يمثل تهديدا لأعمال آلاف التجار، وتحكما مستقبليا في سوق هو الأكبر عربيا (109 ملايين نسمة).
ومن خلال معارض "أهلا رمضان"، كشف مقطع ترويجي لجهاز "مستقبل مصر"، عن تقديمه أسعار السلع الرمضانية بأقل من باقي العارضين من القطاع الخاص، وخاصة سلع الدواجن، والسكر، والأرز، التي يتحكم في استيراد واحدة وله حصريا حق تصدير الأخريين بقرارات حكومية، حرمت القطاع الخاص وجهات حكومية أخرى في الدخول لهذا الملف.
السياق والتجربة وغياب الإفصاح
وعن مخاوف مصريين من أن يكون خلف المشروع الذي وصفه السيسي، بـ"القومي" استفادة جديدة لجهاز "مستقبل مصر" الذي تعاظمت أدواره في الاقتصاد المصري بالسنوات الثلاث الأخيرة، أشار شيخون، إلى أن "المشكلة ليست في فكرة الهايبر ماركت الحكومي، بل في السياق الذي يولد فيه"، مبينا أن "هناك فارق جوهري بين دولة تمتلك قطاعا خاصا قويا وتتدخل لتصحيح اختلال في السوق، ودولة تُضعف القطاع الخاص أولا ثم تقدم نفسها بديلا عنه".
ووصف المشهد المصري بأنه "أقرب للحالة الثانية، إذ تُثبت تجربة السنوات الماضية نمطا متكررا؛ أزمة في سلعة ما تدخل جهة عسكرية أو سيادية لـحل الأزمة ثم تتحول هذه الجهة إلى لاعب دائم في القطاع دون أن تختفي الأزمة الأصلية، والسكر، والدواجن، والزيت، نماذج حية على ذلك".
ويرى الخبير المصري، أن "غياب الإفصاح عن دور جهاز (مستقبل مصر) في المشروع يزيد الأمر تعقيدا؛ فالجهاز لا يخضع للرقابة المالية المعتادة ولا يُفصح عن ميزانياته وشروط تعاقداته، مما يطرح تساؤلات مشروعة على أي أساس يُسعَّر؟، ومن يتحمل الخسارة إن وُجدت؟، وكيف لتاجر من القطاع الخاص أن ينافس كيانا يتمتع بامتيازات لوجستية وسيادية لا تتوافر لغيره؟".
تغول الجيش عقب الأزمات
وخلال سنوات حكم السيسي، يشكو المصريون من استغلال أزماتهم في نقص أو ارتفاع أسعار السلع الغذائية، والدواجن، واللحوم، والسكر، والزيت، والأرز، والأدوية، وحتى ألبان الأطفال، بمنح توكيل استيرادها أو توزيعها أو توفيرها إلى أجهزة عسكرية أو سيادية أخرى، ما تسبب في نهاية الأمر إلى رفع أسعارها، بل واحتكارها والسيطرة عليها وحرمان القطاع الخاص من استيرادها.
والأمثلة متعددة، ومنها ملف نقص ألبان الأطفال وارتفاع أسعارها حتى 60 جنيها للعبوة عام 2016، ليعلن الجيش عن استيرادها في أيلول/ سبتمبر من ذلك العام، ثم وفي نيسان/ أبريل 2017، يتولى "جهاز الخدمة الوطنية" أحد الأذرع الاقتصادية للجيش إنتاج ألبان الأطفال مع مصنع "لاكتو مصر" المغلق منذ عام 2005، فيما تباع حاليا عبوات ألبان الأطفال بـ 215 جنيها حتى سن 6 أشهر، و210 جنيها للمرحلة إلى 12 شهرا.
آخر تلك الملفات تمثلت في تصدير "مستقبل مصر" للسكر، قبيل شهر رمضان ما تسبب في ارتفاع سعره من 24 إلى 27 و30 جنيها، واستفادة الجهاز العسكري من أزمة ارتفاع أسعار الدواجن التي وصفها التجار والمنتجين بالمفتعلة ووصلت بسعر الكيلو من نحو 80 إلى 105 جنيه قبل رمضان، بالحصول على حق استيرادها.
ويقوم "مستقبل مصر"، على الأمرين بتصدير السكر وفقا لقرار احتكره به في كانون الثاني/ يناير الماضي، واستيراد الدواجن إثر اجتماع رئيس الجهاز العقيد بهاء الغنام مع وزيري الزراعة والتموين، 8 شباط/ فبراير الجاري، والإعلان عن بيع الدواجن المجمدة بـ90 جنيها، رغم أن سعر الفراخ البيضاء الحية بـ95 جنيها في المزرعة، وفقا لأسعار السبت 21 شباط/ فبراير الجاري.
خبراء قالوا إن هناك من صنع الأزمتين قبل رمضان، وأكدوا أنه لذلك فإن القرارات الحكومية لا تعالج الأزمات الأصلية بل إنها تعمق أزمات السوق المحلية والصناعة الوطنية وتزيد أعباء 108 ملايين مصري، وذلك لصالح زيادة أعمال ودخل الجهاز العسكري الذي تأسيس نهاية عام 2022.
الجهاز، شديد الغموض، وكثير التكليفات، والذي نال الكثير من الأعمال على حساب أجهزة حكومية، ومازال دوره وأعماله وميزانيته وأرباحه من الأمور الغامضة، وفي وقت قصير أخذ من صلاحيات جهاز "حماية وتنمية البحيرات"، و"هيئة الثروة السمكية"، وأدوار أجهزة تابعة لوزارات الزراعة والتموين، مثل "الهيئة العامة للسلع التموينية"، ويقوم بمشروعات زراعية كـ"الدلتا الجديدة"، وصناعية كمدينة "مستقبل مصر الصناعية"، وإسكان وتطوير عقاري مثل مشروع "جريان".
مواطنون مصريون وفي تعليقهم على الخبر، انتقدوا اختيار الاسم باللغة الإنجليزية، وأكدوا أن ما يلفت نظرهم أكثر من أي حديث عن المشروع القومي وقدرته على تخفيض أسعار السلع، وهو مخاوفهم من إهدار المال العام، وأسماء الحضور أمام السيسي، ملمحين إلى العقيد بهاء الغنام، متسائلين: ما علاقة جهاز "مستقبل مصر"؟، وهل سيكون المشروع تحت إشرافه؟، فيما سخر البعض بقوله: "أكبر بقالين الأرض".
وتساءل السفير فوزي العشماوي: "كيف ستحصل الهايبرات الجديدة على سلع ومنتجات بأسعار أقل من السوق لتتمكن من كسر احتكار التجار؟، وما الكلفة الإدارية والإنشائية لهذه الهايبرات، والتي ستضاف بالطبع على أسعار السلع؟، وهل كان الأجدى دراسة الاستعانة بخبرات وزارة التموين في مراقبة الأسعار والجودة كبديل أسرع وأقل تكلفة؟".
هل تنقذ الفقراء؟
وحول قدرة "كاري أون" على تقديم أسعار أقل من السوق قال شيخون، إنها "ليست مسألة نوايا بل حسابات تكلفة؛ فإن كانت ناتجة عن كفاءة تشغيلية حقيقية كتقليل الهدر وتحسين اللوجستيات، فقد تخلق ضغطا إيجابيا دائما، أما إن كانت نتيجة دعم غير معلن أو تحميل للتكلفة على الموازنة أو على جهات أخرى فلن تكون مستدامة وغالبا ما تنتهي بنقص في السلع أو ارتفاع لاحق في الأسعار".
ويعتقد الخبير المصري، أن "الخطر الأكبر هنا؛ أن الأسعار المنخفضة مصطنعا في البداية قد تُفضي إلى إفلاس البدالين والتجار الصغار، فتُحكم الدولة قبضتها على السوق بذريعة الإصلاح وينتهي الأمر باحتكار حكومي أخطر مما كان يزعم المشروع مواجهته".
وذهب للتأكيد على أن "هذا الخطر يزيد حدة خطة حصر صرف نقاط الخبز والمزايا التموينية في فروع (كاري أون)؛ إذ قد يُحوّلها تدريجيا من أداة لخدمة الفقراء إلى أداة لتركيز السيولة في يد كيان واحد، مما يهدد بتدمير شبكة واسعة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل العمود الفقري للتجارة الداخلية في القرى والنجوع".
وخلص شيخون للقول إن "المشروع يُقدَّم بلغة المصلحة العامة وقد ينجح في توفير سلع بأسعار أفضل على المدى القصير، لكن ثمنه على المدى المتوسط والبعيد هو مزيد من تراجع القطاع الخاص وتمركز السوق في يد جهات غير خاضعة للمساءلة، وهذا بالضبط عكس ما تحتاجه مصر اقتصاديا في مرحلتها الراهنة".