من مصر إلى الحجاز والعراق والمغرب.. ماذا تعرف عن التلاوات القرآنية؟ (شاهد)

نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين لكن مع تنوع في أوجه تلاوته عبر العصور- جيتي
مع دخول شهر رمضان المبارك، تتجدد علاقة المسلمين مع القرآن الكريم؛ فهو شهر التلاوة والتراويح والقيام، تمتلئ فيه المساجد بالمصلين، ويبرز في كل عام أئمة يلفتون الأنظار بأصواتهم الشجية.

ويُعد القرآن الكريم المصدر الأساسي للتشريع الإسلامي، وقد نزل بلسان عربي مبين، لكن مع تنوع في أوجه تلاوته عبر العصور، وهو ما يُعرف بالقراءات القرآنية. هذه القراءات ليست اختلافات عشوائية في النطق، بل روايات متواترة تعود إلى النبي محمد ﷺ.

ومع انتشار الإسلام، تطورت أنماط أدائية إقليمية أثرت في كيفية تلاوة القرآن في مناطق مختلفة، مضفية على كل منطقة طابعاً مميزاً يعكس جغرافيا المكان وتراثه.

ولم يكن هذا التنوع منفصلاً عن المسار التاريخي للنص، إذ شهد القرن الأول الهجري جمع المصحف في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث استقر الرسم العثماني معياراً جامعاً للمسلمين، وهو الرسم الذي انضبطت به القراءات المتواترة لاحقاً.

 نستعرض في هذا التقرير أصول القراءات والتمييز بينها وبين اللهجات، وصولاً إلى أبرز المدارس الأدائية الإقليمية.

سبعة أحرف: وحدة الأصل وتعدد الرواية

نزل القرآن الكريم على سبعة أحرف، وهي أوجه اختلاف في الألفاظ والحروف، دون تغيير في الجوهر.

اشتهرت القراءات السبع (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، والكسائي)، وأُضيفت إليها ثلاث لتصبح "القراءات العشر" بإضافة (أبي جعفر، يعقوب الحضرمي، وخلف العاشر).

تختلف هذه القراءات في الحركات أو الحروف أو الإمالة، لكنها كلها تعود إلى أصل واحد.

وعلى المستوى العملي في العالم الإسلامي، تسود رواية حفص عن عاصم الكوفي في المشرق، بينما تنتشر رواية ورش عن نافع المدني في المغرب العربي، وترتبط بعض مناطق السودان وغرب أفريقيا برواية الدوري عن أبو عمرو البصري، ما يمنح الخريطة القرآنية بعداً جغرافياً واضحاً في الأداء.

ما الفرق بين القراءات واللهجات؟

القراءات طرق متواترة مبنية على إسناد صحيح، أما اللهجات فهي الأنماط اللغوية السائدة قديماً.

وتتجلى اللهجات الفصيحة القديمة في ظواهر صوتية دقيقة بالقرآن؛ مثل "الإشمام" (خلط الصاد بالزاي) في كلمة "الصراط" وهو يعكس لهجة بعض قبائل قيس وأسد، و"الإمالة" التي ميزت لهجة تميم وأهل نجد قديماً، و"تسهيل الهمز" المرتبط بلهجة قريش، و"لهجة القلب" كما في نطق "بئر" كـ "بير".

خارطة المدارس الإقليمية


مصر.. عبقرية التجويد

تُعد المدرسة المصرية هي المدرسة الأم في العصر الحديث، إذ وضعت القواعد الفنية للتلاوة المجودة.

تتميز بنبرتها المرنة وقدرتها على "التصوير النغمي" للمعاني. يبدأ القراء عادة بمقام البيات ثم يتصاعدون إلى مقام "الرست" (ملك المقامات) لإضفاء الهيبة والوقار.

وقد أسهم انتشار التسجيلات في القرن العشرين، ولا سيما عبر إذاعة القرآن الكريم في القاهرة، في تعميم هذا النموذج عالمياً، حتى أصبحت التلاوات المصرية مرجعاً صوتياً في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي.

أبرز الرواد: الشيخ أحمد ندا، والشيخ علي محمود، والشيخ مصطفى إسماعيل، الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمد صديق المنشاوي.


المدرسة الحجازية.. شجن الفطرة

تعتمد على الفطرة والبساطة مع مسحة حزن خاشعة، وتتميز بنبرة انسيابية وترجيع صوتي رقيق. تستخدم مقامات مثل السيكا والجهيركاه، مع تخصيص مقام "يمان الحجاز" للشجن، ومقام "الحراب" للقوة والرهبة.

أبرز الرواد: الشيخ عباس مقادمي، والشيخ محمد أيوب، الشيخ علي جابر، والشيخ زكي داغستاني، ومؤخرا برز الشيخ أحمد بن طالب.



 بلاد الشام وفلسطين.. الرصانة والوقار
تتميز مدرسة الشام وفلسطين بالتركيز الشديد على ضبط المخارج وقواعد التجويد العلمية، وهي مدرسة "إقرائية" بامتياز.

تتسم التلاوة الشامية بالوقار، والوضوح التام لمخارج الحروف، واستخدام المقامات الشرقية الأصيلة (كالسيكا والبيات) بنبرة تجمع بين القوة والهدوء، متأثرة ببيئة دمشق والقدس التاريخية.

الأسماء العريقة: الشيخ أحمد الحلواني الكبير (مؤسس نهضة الإقراء في الشام)، والشيخ توفيق السلّال.

أعلام فلسطين: الشيخ محمد رشاد الشريف (مقرئ المسجد الأقصى المبارك)، الذي تميز بنبرته الرخيمة المتأثرة بمدرسة محمد رفعت مع خصوصية فلسطينية.


المدرسة العراقية.. أنين المقامات

من أعرق المدارس وأصعبها، تتميز بنبرة شجية ذات حدة وقرار عالٍ كأن القارئ "يئن" أو ينعي.

تنفرد بمقامات فريدة مثل "اللامي" و"الأرواح" و"الزنجران" التي تعطي شعوراً بالغربة والخشوع العميق. وتتوزع تاريخياً بين المدرسة الموصلية المتأثرة بالنغم التركي، والبغدادية التي تنفرد بمقام "المخالف"، في امتداد لتراث المقام العراقي العريق.

أبرز الرواد: الحافظ خليل إسماعيل والشيخ عبد اللطيف العبدلي، والشيخ وليد الفلوجي، والشيخ عبد الرزاق الدليمي، والحاج محمود عبد الوهاب، والملا عثمان الموصلي.



التلاوة السودانية.. سحر السلم الخماسي

تتميز بنمط أفريقي فريد يعتمد على "السلم الخماسي"، مما يمنح التلاوة نكهة مميزة وانتقالات مفاجئة. ترتبط بقوة برواية الدوري عن أبي عمرو البصري، مع تركيز على التقطيع الواضح للحروف، في أداء يجمع بين الصرامة التجويدية والهوية الصوتية المحلية.

أبرز الرواد: الشيخ نورين محمد صديق والشيخ صالح أحمد صالح، والشيخ عوض عمر (من كبار المؤسسين)، والشيخ صديق أحمد حمدون.




المغرب العربي.. الطبوع الأندلسية والصيغة الفيلالية

ترتبط بالطبوع الأندلسية ورواية ورش عن نافع. وتبرز فيها "الصيغة الفيلالية" (منطقة تافيلالت) التي تتميز بهدوء وتمطيط في الحروف يختلف عن قراءة الشمال، وغالبا ما تكون عبر قراءة جماعية.


بينما تسود رواية قالون في تونس وليبيا لبساطة أدائها. وقد انعكس الطابع الجماعي للتلاوة في حلقات التحزيب والكتاتيب على هوية الأداء المغاربي، فصار جزءاً من النسيج الثقافي العام.

أبرز الرواد: الشيخ عبد الباسط بن محمد والشيخ عمر القزابري، والشيخ عبد الرحمن بن موسى.

التلاوة النجدية.. حداء وحدر

تتميز المدرسة النجدية الأصيلة بالأداء "الحدائي" الفطري والسريع الذي يُعرف بـ "الحدر"، بعيداً عن التكلف المقامي، مع تحزين طبيعي نابع من البيئة. ويتجلى فيها وضوح المخارج والاقتصاد في الزخرفة الصوتية، بما يحفظ جلال النص ويقرّبه من الفطرة الأولى.

أبرز الرواد: الشيخ محمد السبيل، والشيخ عبد العزيز القرعاوي والشيخ عبد الله الخليفي. أما الأسماء المعاصرة كياسر الدوسري وناصر القطامي، فهي تمثل مدرسة حديثة مزجت بين النجدية والحجازية والمصرية.


المدرسة الحضرمية

ترتبط تاريخياً برواية الدوري عن أبي عمرو، قبل أن تنتشر رواية حفص في عموم اليمن، وتتميز بنبرة عميقة وإيقاع جماعي متأثر بالتراث المحلي.


المدرسة الأحسائية

تتميز بالبساطة والإيقاع الهادئ، وقد تأثرت تاريخياً بجوارها الذي جمع بين رصانة مدرسة العراق وعذوبة الحجاز.

 التحذير من "ألحان الغناء"

في المقابل، يبرز تيار نقدي في مقدمته المقرئ الشهير الدكتور أيمن سويد، يحذر من إخضاع القرآن للمقامات الموسيقية بشكل مبالغ فيه.

ويرى سويّد أن الإفراط في توظيف النغم قد يؤدي إلى مخالفات منهجية تصرف عن التدبر إلى الإبهار الصوتي.

ويشدد سويد على أن تحسين الصوت سنة نبوية، لكنه تحسين فطري منضبط بأحكام التجويد، لا خاضع لقوالب الغناء وأوزانه.