كيف يعمل الاحتلال على "تشويه رمضان" من أجل تبرير جرائمه؟

يتعمد الاحتلال منذ نشأته تصعيد انتهاكاته وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني خلال رمضان- الأناضول
يحاول الاحتلال الإسرائيلي ربط شهر رمضان المبارك بما يسميه "تصاعد عمليات العنف والإرهاب" من قبل الفلسطينيين، باعتبار أنه "شهر إسلامي يحرض على العنف والكراهية"، مع تكثيف أذرعه الإعلامية لبث مضامينها الدعائية التي تدعي التعايش والتسامح وتقبل الآخر.

ويتعمد الاحتلال منذ نشأته تصعيد انتهاكاته وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني خلال شهر رمضان، وكان شهر رمضان الماضي أحدث هذه الجرائم، عندما استأنف حرب الإبادة في 17 آذار/ مارس 2025، الذي وافق 17 رمضان أيضًا من العام الماضي.

تحريض واسع

وذكر تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أنه "مع اقتراب شهر رمضان تستكمل المنظومة الأمنية الإسرائيلية استعدادات واسعة في القدس، في ظل الحرب المستمرة والتوتر الأمني في الضفة الغربية، ومخاوف من تصاعد العنف الفلسطيني حول نقاط الاحتكاك في البلدة القديمة وجبل الهيكل (المسجد الأقصى)".

وأضاف التقرير: "تتركز إحدى القضايا المركزية في رمضان على دخول المصلين من الضفة الغربية إلى القدس، حيث أوصت الجهات الأمنية بفرض قيود على الأعمار والأعداد، خصوصًا في أيام الجمعة التي يُتوقع أن تشهد وصول عشرات الآلاف إلى جبل الهيكل (المسجد الأقصى)".

وذكر: "تقول الشرطة إن الهدف هو تقليص المخاطر ومنع تحول الاكتظاظ إلى أعمال إخلال بالنظام، بالتوازي مع تنفيذ اعتقالات في شرقي القدس على خلفية التحريض، ومراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، وتشغيل غرفة عمليات تعمل على مدار الساعة لرصد الدعوات للعنف أو تنظيم تجمعات استثنائية".

وأوضح: "تشمل الاستعدادات إغلاق ما تصفه الشرطة بـ"الثغرات" أمام المقيمين غير القانونيين، فقد أُغلقت محاور مرورية في شمال القدس قرب الجدار الفاصل في ضاحية البريد المجاورة لبيت حنينا، وهي منطقة تسلل منها منفذون سابقًا. وتنتشر قوات حرس الحدود على مدار الساعة لتنفيذ دوريات وكمائن وتفتيش مركبات، في خطوة تقول الشرطة إنها استباقية لمنع التسلل خلال الأيام الحساسة من رمضان".

وأكد أنه "يتوقع أن يواصل قائد لواء القدس الجديد تطبيق سياسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بشأن تنفيذ أوامر هدم المنازل في أحياء شرقي القدس، مع استمرار تأمين عمليات الهدم خلال الشهر".


وزعم أن "وحدة "يسام" التابعة للواء القدس، المكلفة بالتعامل مع أعمال الشغب والإخلال بالنظام في القدس والبلدة القديمة، تعاني نقصًا حادًا في القوة البشرية خلال فترة حساسة، وتحاول الشرطة سد الفجوة عبر تعزيزات من ألوية أخرى واستدعاء قوات احتياط، مع الإقرار بأن «التحدي العملياتي ليس بسيطًا في ظل احتمالات تصاعد الاضطرابات خلال رمضان".

وأعلن الاحتلال أن هذه "الاستعدادات" تتجاوز الشرطة لتشمل الجيش الذي يعزز خط التماس وينفذ "عمليات إحباط في الضفة لمنع انتقال التصعيد إلى القدس".

أما في مصلحة السجون، أُعلنت "حالة يقظة مرتفعة في السجون الأمنية"، حيث أكد رئيس قسم العمليات أن "رمضان الحالي هو الأول دون صفقات إفراج، ما يزيد التحديات".

ويُذكر أنه "لن تُقام صلوات مركزية داخل السجون، وتم إنشاء وحدة دراجات نارية ضمن وحدة "نحشون" للاستجابة السريعة لأي إخلال بالنظام، ومرافقة الأسرى الأمنيين ذوي التصنيف العالي، وتأمين تحركات القوافل، كما أُجري تمرين مشترك في سجن عوفر، مع تحذير واضح من اختبار جاهزية القوات".

وفي تقرير آخر لموقع "سروجيم" الإسرائيلي اليميني، جرى الحديث عن "الاستغلال السياسي والديني" لشهر رمضان من قبل حركة حماس و"جماعات متطرفة أخرى"، قائلًا إنه "بدلًا من التركيز على الشعائر التعبدية، يتم رصد دعوات صريحة عبر منصات التواصل الاجتماعي تحث على تنفيذ عمليات قتل واستهداف للإسرائيليين".

وأضاف التقرير أن "حماس تروج لخطاب يعتبر القتل وسيلة للتقرب إلى الله خلال الشهر الفضيل، مما يحول المناسبة الدينية إلى منصة للتحريض على الإرهاب والانتفاضة".

وأوضح: "تولي الاستخبارات الإسرائيلية أهمية خاصة للعشر الأواخر من رمضان، وتحديدًا "ليلة القدر"، حيث يشير التقرير إلى وجود محاولات لتحويل هذه الليلة من وقت للصلاة ومحاسبة النفس إلى وقت للفتنة والاضطرابات".

وأشار إلى أن "الأجهزة الأمنية تعتبر أن هذه الفترة هي الأكثر عرضة لاندلاع أعمال شغب واسعة النطاق، مما يتطلب مراقبة لصيقة وتواجدًا أمنيًا مكثفًا لمنع تحول التجمعات الدينية الكبيرة إلى بؤر للاصطدام العنيف".

مجازر إسرائيلية

في 17 آذار/ مارس 2025، استأنف الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الواسع على قطاع غزة حوالي الساعة 2 صباحًا بالتوقيت المحلي، بينما كان السكان يستعدون لبدء صيام اليوم التالي وإعداد وجبة السحور.
وأسفرت الغارات والمجازر الإسرائيلية الواسعة حينها عن استشهاد أكثر من 413 شخصًا، معظمهم من النساء والأطفال، وفقًا لوزارة الصحة في غزة، والتي تزامنت مع انقطاع واسع لخدمات الاتصالات والإنترنت في بعض المناطق داخل القطاع.


وادعى جيش الاحتلال أن الهجوم جزء من استراتيجية أوسع نطاقًا لإضعاف حماس وقدراتها العملياتية، وأن الغارات استهدفت شخصيات قيادية وقادة عسكريين من الرتب المتوسطة والبنية التحتية التشغيلية لحماس.

وخلال السنوات الأخيرة، تزامن شهر رمضان في أكثر من مناسبة مع تصاعد واسع في الجرائم ضد الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة، حيث شهد الشهر اندلاع حروب ووقوع مجازر وعمليات عسكرية كبرى تركت آثارًا إنسانية عميقة.


في عام 2014، وفي العاشر من رمضان الموافق 7 تموز/ يوليو، بدأ العدوان الإسرائيلي على غزة تحت اسم "الجرف الصامد"، واستمر 51 يومًا. شُنّت خلاله أكثر من 60 ألف غارة، وارتُكبت 144 مجزرة بحسب اللجنة العربية لحقوق الإنسان.



ومن أبرزها مجزرة الشجاعية في 20 تموز/ يوليو التي أسفرت عن نحو 74 شهيدًا، ومجزرة مدرسة الأونروا في 24 من الشهر ذاته، التي أوقعت 16 شهيدًا من النازحين، ومجزرة سوق الشجاعية في 30 من نفس الشهر، خلال هدنة معلنة.

وجاء ذلك بالإضافة إلى مجزرة رفح في 1 آب/ أغسطس التي أدت إلى استشهاد أكثر من 200 فلسطيني. ويُذكر أن هذه الحرب اندلعت بعد اغتيال ستة من حماس، وفي سياق تصاعد التوتر عقب قتل الطفل محمد أبو خضير.

في عام 2021، اندلعت معركة "سيف القدس" في 10 أيار/ مايو، الذي وافق اليوم 28 من رمضان، على خلفية أحداث حي الشيخ جراح واقتحام المسجد الأقصى. استمرت المواجهة حتى 21 أيار، وأسفرت عن نحو 250 شهيدًا فلسطينيًا وأكثر من 5 آلاف جريح، فيما أعلنت "إسرائيل" مقتل 12 إسرائيليًا.
وشهدت هذه الحرب قصف أبراج سكنية كبيرة وتدمير ما قيل إنه نحو 100 كيلومتر من الأنفاق، وترسيخ سياسة استهداف البنية التحتية المدنية.




في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 اندلعت حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت ضمن مرحلتها الأولى حتى 19 كانون الثاني/ يناير 2025، وخلال هذه الفترة مرّ شهر رمضان لعام 2024 وسط استمرار العمليات العسكرية، وسقوط أكثر من 160 ألف شهيد وجريح وفق المعطيات الواردة حينها، إضافة إلى أكثر من 14 ألف مفقود، معظمهم من الأطفال والنساء، مع استمرار القصف خلال عيدي الفطر والأضحى.