تتواصل الجهود الكبيرة في قطاع
غزة المدمر من أجل بث الأمل في إعادة الحياة لمجمع الشفاء الطبي، الذي أصبح قبلة المواطنين في مدينة غزة وشمال القطاع بعدما عمد
الاحتلال وبشكل ممنهج إلى تدمير كافة المؤسسات والمستشفيات التي تقدم الخدمات الطبية الإنسانية للمواطنين الفلسطينيين المنكوبين.
وتعرض المجمع الطبي الأكبر في فلسطين المحتلة لحملة تدمير كبيرة خلال حرب الإبادة التي شنها جيش الاحتلال على القطاع التي بدأت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وتتواصل حتى الآن رغم تمكن الوسطاء من التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة والاحتلال والذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
تدمير ممنهج وإعمار محدود
وفي حوار خاص مع "عربي21"، شدد مدير عام مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمد أبو سلمية، على عزم إدارته المضي قدما في إعادة ترميم المجمع رغم عدم توفر المواد والأجهزة الأساسية اللازمة لعملية الإعمار.
وأوضح أن "الاحتلال استهدف المنظومة الصحية استهدافا ممنهجا منذ بداية العدوان على غزة ودمر جميع المستشفيات في غزة وشمال القطاع"، لافتا أن "مجمع الشفاء هو الأبرز والأكبر على مستوى الضفة الغربية والقطاع، حيث دمره الاحتلال تدميرا كاملا خلال اقتحامه مرتين؛ في نوفمبر 2023 ومارس 2024".
وأشار أبو سلمية إلى أن "إعادة إعمار المجمع بدأت في أيلول/ سبتمبر 2024 بقسم طوارئ صغير"، مضيفا: "نجحنا في بعض الأحيان في ترميم الأقسام الكثيرة، ولدينا اليوم 300 سرير من أصل 700 سرير، و10 غرف عمليات من أصل 22 وأيضا 13 سرير عناية مركزة من أصل 25 إضافة إلى 40 جهاز غسيل كلى من أصل 60".
ونوه إلى أن عملية إعمار المجمع "تواجه صعوبات كبيرة بسبب عدم وجود الإمدادات والأجهزة الطبية"، لافتا أن هناك نقص كبير في مختلف الأجهزة الطبية الضرورية التي يحتاجها المجمع.
وقال: "على سبيل المثال؛ كان لدينا في المجمع ثلاثة أجهزة CT SCAN (التصوير المقطعي)، والآن لا يوجد أي جهاز، كما لا يوجد في قطاع غزة أي جهاز رنين مغناطيسي ولا أي جهاز خاص بالقسطرة القلبية، كما كان لدينا أجهزة خاصة بالتشخيص المبكر لمرضى السرطان وهذه فقدناها كلها ولا يوجد أي جهاز الآن".
مرضى بلا علاج
ورغم كل هذه الصعوبات أكد مدير عام مجمع الشفاء، أن "عملية الإعمار ستستمر، سنقوم بإعادة الإعمار، ولن نستسلم، سنعمر في هذا المكان، والمطلوب الآن دخول الأجهزة والمستلزمات الطبية كي نتمكن من علاج الناس كما يجب، لأن مجمع الشفاء أصبح قبلة الناس في غزة وشمال القطاع بعدما خرجت كل المستشفيات عن الخدمة، وأصبحت الحاجة كبيرة لأن يستعيد هذا المجمع عافيته مرة أخرى".
وأفاد أن مجمع الشفاء الطبي كان يضم ثلاث مستشفيات كبيرة هي الولادة والجراحات والباطنة، ويقدم الكثير من الخدمات الطبية للمواطنين، إضافة إلى أن المجمع كان بمثابة مستشفى تعليمي، وساهم في تخريج الكثير من الأطباء الذين يحملون البورد الفلسطيني في جميع التخصصات، وكان منهم الأوائل على المستوى الوطن العربي.
ولفت أبو سلمية وهو أسير محرر من سجون الاحتلال جرى اعتقاله وتعذيبه خلال حرب الإبادة، أن "الحاجة ملحة جدا لجهود إعادة تأهيل مجمع الشفاء الطبي، لأن الحرب خلفت نحو 71 ألف شهيد وأكثر من 170 ألف جريح؛ وهؤلاء بحاجة لعمليات، علما أنه يوجد نحو 4 آلاف مريض سرطان بحاجة للعلاج".
وتابع: "لدينا 4 آلاف طفل بحاجة للعلاج بالخارج ولا نستطيع عمل أي شيء لهم، ولدينا عشرات الآلاف من العمليات الجراحية المجدولة والتي كان من المفترض أن تتم خلال العامين السابقين، والآن لا نستطيع تقديم هذه الخدمات لأن الاحتلال يمنع دخول الأجهزة والأدوية الطبية لقطاع غزة".
مستشفيات بلا أجهزة
وبين أن هناك فقدان للأدوية الأساسية بنسبة 47 بالمئة؛ وهذا يؤكد لنا أن أصحاب الأمراض المزمنة في القطاع يعانون بشكل كبير، كما أن 84 بالمئة من المواد الطبية اللازمة لتشغيل المختبرات الطبية غير متوفرة في القطاع، مؤكدا أن "أدوية إنقاذ الحياة دخلت المعدلات الصفرية، وهذا يؤثر على حياة المرضى بشكل كبير".
وأضاف: "80 بالمئة من مرضى العلاج الكيماوي غير متوفرة، كما أن العلاج الإشعاعي غير متوفر من قبل الحرب ولا حتى المسح الذري، 90 بالمئة من أدوية ومستهلكات عمليات العظام غير متوفرة وأكثر من 87 بالمئة من أدوية جراحة القلب والصدر غير متوفرة".
وأكد المدير العام أن "كل هذه الأرقام تعكس الوضع الصحي المأساوي الذي يعيشه قطاع غزة، فنحن لا نستطيع مساعدة المرضى دون وجود الأدوات المساعدة"، موضحا أن قطاع غزة فقد نحو 50 بالمئة من مرضى غسيل الكلى؛ توفي منهم 600 مريض من أصل 1200، لأن الاحتلال يرفض إدخال المواد والأدوية اللازمة لعلاجهم.
وحذر من فقدان العديد من مرض القلب داخل القطاع، لأنه "لا يتوفر أي دعامة قلب أو بالون في القطاع للمرضى الذين يعانون من جلطات قلبية"، مضيفا: "نحاول بكل إمكانياتنا أن نرمم ونعيد المباني، ولكن بدون هذه الأجهزة والإمكانيات لا يمكن لنا التعامل مع المرضى".
ونبه أبو سلمية، أن هذا الواقع الصعب الذي تعيشه المنظومة الصحية يدركه جيدا الشركاء من المؤسسات الدولية الذين يعملون مع الوزارة ومنهم؛ منظمة الصحة العالمية واليونيسف وأطباء بلا حدود والصليب الدولي، وهؤلاء يؤكدون أن لديهم مئات الشاحنات التي لا تبعد عن القطاع عشرات الأمتار، لكن الاحتلال يمنع دخولها.
وأشار إلى أن الاحتلال يضيق أيضا على المؤسسات الدولية التي تعمل في القطاع، ومنها من سيغلق أبوابه في شباط/ فبراير الجاري، لافتا أن "هناك 31 منظمة دولية تعمل معنا في قطاع غزة الاحتلال يهدد بإغلاقها، وهذا يزيد العبء على الوضع الصحي المتفاقم الذي أنهكه الاحتلال من خلال هدم المباني وقتل الطواقم الطبية واعتقالها".
وأوضح أن "ما يجري من جهود عملية إعمار مجمع الشفاء الطبي، في ظل عدم توفر مواد الإعمار اللازمة وانخفاض جودة المتوفر منها بشكل كبير، ما هي إلا عملية إسعافية من أجل إنقاذ حياة الناس فقط، وما نريده الآن هو تكاتف الجهود من العالم كله لإعادة بناء مجمع الشفاء الطبي كما كان وأحسن، ليكون منارة طبية لكل أهلنا في فلسطين، وذلك من أجل أن نتمكن من تقديم الخدمات الطبية للناس داخل القطاع".
وختم المسؤول الفلسطيني حديثه بالقول: "نحن لا نريد الموت للناس، نقوم بما نستطيع كي لا نترك أهلنا ضحية للمرض والموت".
وتسببت الإبادة الإسرائيلية بتدمير مختلف القطاعات الحيوية في القطاع، وركز جيش الاحتلال على استهداف القطاعات الحيوية ومنها
القطاع الصحي، ما أدى لتدميره بشكل شبه كامل وخرجت العديد من مرافقه عن الخدمة، ودمر القطاع الاقتصادي والزراعي والبنية التحتية الأساسية، إضافة لتدمير مكرر لمنازل المواطنين.
وفجر السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعلنت كتائب عز الدين القسام، بدء عملية عسكرية أطلقت عليها "طوفان الأقصى" بمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، ردا على اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين الإسرائيليين المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته ومقدساته.