كيف أعاد تنظيم الدولة رسم خريطة عملياته في أفريقيا؟.. خبراء يجيبون

سيطر التنظيم في غرب إفريقيا على أجزاء من بوركينافاسو والكاميرون ومالي وتشاد- وكالة أعماق
صعد تنظيم "الدولة الإسلامية" في القارة الأفريقية عملياته بهجوم استهدف مطار ديوري حماني الدولي وقاعدة جوية مجاورة في العاصمة النيجرية نيامي ليلة 28 كانون الثاني/يناير 2026.

وأسفر الهجوم، الذي تبناه فرع التنظيم في الساحل، عن إصابات وخسائر في صفوف القوات النيجرية والروسية الداعمة لها، كما أدى إلى تعليق مؤقت للحركة الجوية، في أول استهداف كبير من نوعه لمرافق حساسة داخل العاصمة.

وجاء الهجوم ضمن عمليات مشابهة سابقا في المنطقة، إذ تبنى التنظيم في كانون الثاني/يناير 2025 اختطاف امرأتين أجنبيتين في أغاديس دون سقوط قتلى، ثم نفذ في أيار/مايو 2025 هجوما في بانيبانغو غرب النيجر أسفر عن مقتل 34 جنديا.

وأعلن في شباط/فبراير 2026 مسؤوليته عن هجمات في بوركينا فاسو، شملت مواقع عسكرية في واهيغويا وديدوغو وأدت إلى مقتل 16 من الميليشيات المدعومة حكوميا والاستيلاء على أسلحة، فيما شهدت مالي في أيار/مايو 2025 هجوما في تيسيت أودى بحياة 42 جنديا.

أفريقيا.. عمق استراتيجي بعد العراق وسوريا

وفرض تنظيم الدولة حضوره في إفريقيا بوصفه امتدادا لشعار "باقية وتتمدد"، الذي لم يكن مجرد عبارة دعائية، بل رسالة أراد من خلالها إظهار استمراريته وقدرته على التوسع خارج معاقله التقليدية، ما يثير تساؤلات حول أسباب توجهه إلى هذه الرقعة الجغرافية وكيف نجح في ترسيخ فكره داخل بعض الحاضنات المحلية هناك، وسط صراع مع جماعات منافسة مثل تنظيم القاعدة المتمثل في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

واستفاد التنظيم في الصومال من عوامل جاذبة، بينها هشاشة الحكم والانقسامات المتجذرة والموقع الاستراتيجي القريب من اليمن والبحر الأحمر، إضافة إلى ضعف السيطرة المركزية والصعوبات الاقتصادية التي فاقمت المظالم المحلية، ما حول البلاد إلى بيئة مناسبة للتجنيد والتمركز.

وجنى التنظيم، وفق تقديرات مركز مكافحة الإرهاب CTC، ملايين الدولارات سنويا من الصومال، إذ نجح في عام 2022 في جمع دخل قارب 6 ملايين دولار، ما جعل الصومال مركزا حيويا في شبكته المالية والعملياتية.


وامتد حضوره إلى الكونغو الديمقراطية، حيث اتخذ شرق البلاد ملجأ وقاعدة لعملياتها، إذ بايع أحد أكبر فصائل التحالف التنظيم عام 2017، وبعد عامين حصل على اعتراف علني من قادة التنظيم في سوريا.

وظهرت في الفترة نفسها جماعة مسلحة في موزمبيق عرفت محليا باسم السنة والجماعة لأسسها الإيديولوجية، كما برزت إثيوبيا بدورها ساحة لنشاط التنظيم، إذ أعلنت أجهزتها الأمنية إلقاء القبض على خلايا يشتبه بتلقيها التدريب في بونتلاند الصومالية، ثم نشرها في مناطق مختلفة من البلاد لتقديم دعم لوجستي ومالي.

وسيطر التنظيم في غرب إفريقيا على أجزاء من بوركينافاسو والكاميرون ومالي وتشاد، فيما برزت نيجيريا كأحد أبرز معاقله.

ولم يكن ظهوره هناك حديثا، ففي عام 2014 أدرج تنظيم جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد المعروفة باسم بوكو حرام كيانا مرتبطا بالقاعدة، ثم أعلنت الجماعة في مارس آذار 2015 مبايعتها لتنظيم الدولة في العراق وسوريا.

وشكلت إفريقيا، على غرار سوريا والعراق، ملاذا ملائما للتنظيم، إذ حقق التنظيم في غرب إفريقيا، بحسب تقرير صادر عن مجلة "New Humanitarian"، نحو 191 مليون دولار سنويا من خلال جمع الضرائب فقط، كانت تفرض على المزارعين وأصحاب المواشي والصيادين.

مسار بدأ قبل سقوط الباغوز

من جانبه، أكد الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، أن انتقال مركز ثقل تنظيم الدولة إلى أفريقيا ليس تطورا جديدا، بل مسارا بدأ تدريجيا منذ خسارة التنظيم آخر معاقله في الباغوز شمال شرق سوريا في آذار/مارس 2019، وقبلها في العراق عام 2017.

وأوضح في حديثه لـ"عربي21"، أن التحول نحو أفريقيا بدأ فعليا منذ عام 2015، عندما انفصل التنظيم عن القاعدة وشرع في تلقي "البيعات" من جماعات محلية، بعضها كان مرتبطا بالقاعدة وأخرى لم تكن منخرطة سابقا في النشاطات الجهادية العالمية.

وأشار إلى أن تلك المرحلة شهدت تشكل ولايات تابعة للتنظيم، إذ أُعلنت في عام 2019 "ولاية الساحل" التي تضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إضافة إلى "ولاية غرب أفريقيا" في نيجيريا ومحيط بحيرة تشاد والكاميرون، و"ولاية وسط أفريقيا" في موزمبيق وكينيا، و"ولاية شرق أفريقيا" في الصومال وأرض الصومال.

ولفت إلى أن التنظيم كان حاضرا منذ 2015 في شمال أفريقيا، خصوصا في ليبيا وولاية سيناء، غير أن منطقة الصحراء والساحل باتت اليوم إحدى أهم ساحات نفوذه.

أزمات داخلية وتنافس دولي.. البيئة الأهم للتنظيم

وأوضح أبو هنية أن تمدد التنظيم في الساحل يرتبط بعوامل محلية عميقة ومتجذرة، مشيرا إلى وجود حالة جهادية سابقة في المنطقة، إلى جانب انقسامات إثنية وطائفية وعرقية وسياسية، كما في مالي حيث تتداخل مشكلات الأزواد والطوارق والفلان والعرب، مضيفا أن دول المنطقة تعاني هشاشة اقتصادية وتنموية وغياب الحكم الرشيد والعدالة، ما شكّل بيئة مناسبة للاستقطاب والتجنيد والسيطرة على مساحات واسعة.

وتحدث عن التدخل الفرنسي الذي بدأ مع عملية "سيرفال" ثم "برخان"، إلى جانب وجود قوات من الاتحاد الأفريقي وأحيانا قوات تابعة للأمم المتحدة، مؤكدا أن الأوضاع تفاقمت لاحقا، خاصة بعد موجة الانقلابات بين عامي 2021 و2023 في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.


وبيّن أن انسحاب "برخان" ترافق مع دخول قوات روسية، عرفت سابقا باسم "فاغنر" ثم أعيد تسميتها "الفيلق الروسي"، إلى جانب استمرار وجود قوى دولية أخرى، فيما تراجع الحضور الأمريكي رغم تنفيذ ضربات في نيجيريا ووجود قوات في الصومال.

وأكد أبو هنية أن نمو التنظيم لا ينشأ من فراغ، بل يستثمر اختلالات محلية ذات طابع إثني وعرقي وطائفي وسياسي وأيديولوجي، مضيفا أن التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خصوصا فرنسا، وروسيا، إضافة إلى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا، وكذلك الصين، أسهم في تعقيد المشهد.

واعتبر أن ضعف جهود مكافحة الإرهاب وتنامي التنافس الدولي، مع استمرار المشكلات المحلية البنيوية، وفر بيئة ملائمة لتصاعد التنظيم.

وفي ما يتعلق بالبنية القيادية، شدد أبو هنية على أن انتقال ثقل العمليات إلى أفريقيا لا يعني انتقال القيادة المركزية، إذ ما زال مركز قيادة التنظيم في العراق وسوريا، مشيرا إلى وجود تقليد تنظيمي منذ مرحلة "دولة العراق الإسلامية" بعد مقتل الزرقاوي، يقضي بأن يكون قائد التنظيم عراقيا، ما كرس مركزية القيادة في العراق وسوريا، رغم إعادة الهيكلة بعد 2020 التي منحت الولايات، خصوصا في أفريقيا، قدرا أكبر من الاستقلالية والفعالية ومصادر التمويل المتعددة.

وأكد أبو هنية أن أفريقيا تشهد اليوم النمو الأكبر لعمليات التنظيم، وأن ثقل نشاطه انتقل فعليا منذ 2019-2020 وتعزز لاحقا بفعل الاختلالات الداخلية والصراعات الجيوسياسية، مع تراكم خبرة التنظيم في التعامل مع تحديات مكافحة الإرهاب سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي، ما جعله أكثر قدرة على التمدد داخل القارة الأفريقية.

خرائط التوتر.. البوصلة التي يتبعها التنظيم

وحول طبيعة انتشار التنظيم، فقال الكاتب والصحفي الاستقصائي صلاح حسن بابان، إن التنظيم قابل للتوسع والتمدد في بيئات عدة، ولاسيما التي تشهد اضطرابات ونزاعات أمنية وسياسية واقتصادية، وهو نتيجة مباشرة لاختلالات سياسية عميقة جدا، وتقاطعات ومصالح اقليمية ودولية.

وأوضح بابان في حديثه لـ"عربي21"، أن التنظيم لايمكن أن يختار جغرافيا أخرى غير المناطق السورية والعراقية مركزا لثقل عمليات وقوته، وذلك لأن البيئات الموجودة في الدولتين نشأ منها التنظيم بالإضافة إلى أن التنقل والحركة بينهما أسهل مما يتوقع، بالإضافة إلى أنه يُحبذ التواجد والتحرك في شريط حدود الدول التي تمثل نقطة الصراع الأصلي والرئيسي ما بين تل أبيب وواشطن من طرف وطهران من طرف آخر.

وتوقع بابان أن التنظيم بمعنى أدق ممكن أن يصل إلى أي بقعة في العالم من خلال أفكاره المتطرفة وعملياته الارهابية إلا أن ما يحدث في الساحل الأفريقي هي سيناريوهات مسبقة أعدتها الجهات المستفيدة من ذلك، وسيبقى المكان المفضل لقيادة التنظيم هو سوريا والعراق.

وعند سؤاله عن العوامل الرئيسية التي جعلت الساحل بيئة مثالية لتمدد التنظيم، أكد بابان أن العوامل والأسباب الدولية وتقاطع المصالح هي التي حولت الساحل إلى بيئة مثالية للتنظيم، لأن التنظيم نشأ ليوظف كأداة شر ممكن استخدامه عند الحاجة متى ما تطلب ذلك، وأعني هنا أن أي منطقة يكون فيها صراع أمريكي اسرائيلي مع ايران أو حلفائها ستجد التنظيم يتواجد أو يتحرك في تلك المناطق.

وأكد الصحفي الاستقصائي أن انسحاب أو تراجع الحضور الغربي، خصوصا الفرنسي من مناطق الصراع يمثل فرصة ايجابية لدول أخرى منافسة من أجل شغل المكان، إلا أنه أحيانا التراجع ليس نتيجة لفراغ أمني بل تنفيذا لاتفاقية سرية ومبطنة تجري بين الدول العظمى والمُحركة لشؤون الدول الاخرى الضعيفة.

وأشار بابان إلى أن التنظيم يعتمد فقط على الصراعات والنزاعات الإقليمية في بناء قوته في البيئات الهشة والتي تشهد اضطرابات أمنية وسياسية كما يحدث حاليا في سوريا والمناطق الأخرى، لكن هذا لا يعني أن التنظيم يعمل على استغلال مظالم شعوب مناطق معينة من أجل استثمارهم وتوظيفهم لأجنداته الدولية والمتطرفة كما فعل وحدث في محافظة نينوى.


وتابع أنه في المرحلة الحالية، لم يعد التنظيم يمتلك القوى المسلحة التي كان يتمتع بها قبل أكثر من عقد من الزمن، لكن مازال يشكل خطرًا من خلال الجيل الثالث والرابع من أبنائه القابعين في السجون والمعتقلات، وغيرهم.

ونوه بابان إلى أن مركز قيادة التنظيم في سوريا والعراق، وليس في الساحل، لكن ممكن أن يكون الساحل نقطة مهمة لتعزيز امكانيات التنظيم لاسيما فيما يتعلق بتجنيد مقاتلين جدد من جنسيات مختلفة، والعمل على بناء التنظيم ربما بشكل مغاير يتناغم مع تطورات المرحلة الحالية في دول الصراع.