أفريقيا في قمتها الـ39.. طموحات التنمية تصطدم بجدار الانقلابات والحروب الأهلية

القمة تبحث سبل معالجة الاضطرابات الأمنية المتفاقمة في دول الساحل والقرن الإفريقي - جيتي
في وقت تفرض فيه أصوات الرصاص لغتها في أنحاء واسعة من القارة، من السودان إلى بلدان كونفدرالية الساحل وتخوم شرق الكونغو، انطلقت بأديس ابابا القمة الـ39 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، وسط مشهد قاري يغلي بالنزاعات المسلحة والتحولات السياسية الجذرية.

يحاول القادة الأفارقة في قمتهم، تسويق أجندة تنموية طموحة تحت شعار "الأمن المائي"، لكن يبدو الواقع الميداني مثقلاً بملفات شائكة تضع القارة السمراء أمام اختبار حقيقي لفعالية مؤسساتها الإقليمية.

فبينما ترفع القمة شعار "الأمن المائي"، يرى مراقبون أن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة "البيت الأفريقي" على فرض حلول ذاتية لأزمات القارة بعيداً عن الاستقطاب الدولي.

أجندة القمة

يتصدر جدول أعمال القمة الأمن المائي والصرف الصحي، ومنطقة التجارة الحرة القارية، وأزمة الديون التي تثقل كاهل غالبية دول إفريقيا، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتغير المناخي.

كما تبحث القمة سبل معالجة الاضطرابات الأمنية المتفاقمة في دول الساحل والقرن الإفريقي، في ظل تصاعد التوترات والنزاعات المسلحة التي تهدد الاستقرار الإقليمي.

ومن بين الملفات المطروحة، الحرب في السودان، حيث يسعى القادة الأفارقة إلى رسم ملامح خريطة طريق تسهم في إنهاء الأزمة، ودعم مسار الحل السياسي بما يحفظ وحدة البلاد واستقرارها.

واحتلت قضية التكامل الاقتصادي حيزاً واسعاً، حيث يناقش القادة إزالة القيود غير الجمركية وتقليل الاعتماد على العملات الصعبة في التجارة البينية، وهو ما يعتبره الاتحاد الأفريقي الرد الأمثل على التقلبات الاقتصادية العالمية.

كما تصدر ملف "الاستقلال المالي" المناقشات، من خلال تقرير حول ميزانية الاتحاد، حيث يسعى القادة لرفع نسبة مساهمة الدول الأعضاء في "صندوق السلام" لتصل إلى مستويات تمكّن القارة من تمويل عملياتها العسكرية والأمنية ذاتياً، دون ارتهان كامل لإملاءات المانحين الدوليين.

ويتضمن جدول الأعمال أيضا تنسيق الموقف الأفريقي الموحد داخل مجموعة العشرين، بالإضافة إلى تجديد المطالبة بتمثيل عادل ودائم لأفريقيا في مجلس الأمن الدولي.

ومن المنتظر أن تشهد أشغال القمة نقاشات معمقة حول تنفيذ مشاريع هيكلية كبرى في مجالات البنى التحتية المائية، والطاقة الخضراء، والتكيف مع آثار التغير المناخي، إضافة إلى تقييم التقدم المحرز في تنفيذ برامج وأهداف أجندة 2063، باعتبارها الإطار الاستراتيجي الجامع لطموحات القارة الإفريقية نحو التنمية الشاملة والاندماج الاقتصادي.

إدارة ملف المياه

يرى متابعون للشأن الأفريقي أن اختيار الاتحاد الأفريقي لـ "الأمن المائي" عنواناً لقمته الحالية، بمثابة اعتراف بتشابك الموارد مع السيادة والأمن، فالمياه في أفريقيا باتت وقودا لنزاعات سياسية وحدودية معقدة.

ويظل ملف سد النهضة أكثر الملفات تعقيدا ويختبر قدرة المنظمة القارية على التوسط بين ثلاث دول مركزية (مصر والسودان وإثيوبيا)، وسط دعوات إلى إيجاد آليات قانونية تمنع انزلاق المنطقة نحو صراعات الموارد.

وبات قادة القارة يدركون أن أزمات الموارد المائية في منطقة الساحل وحوض تشاد هما المغذي الأول للهجرة غير النظامية والتحاق الشباب بالجماعات المسلحة، مما يجعل "الأمن المائي" جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الأمنية لأفريقيا.

جروح غائرة

السودان الذي يدخل عامه الثالث في أتون حرب طاحنة، بات يمثل جرحاً نازفاً في خاصرة القارة، فملف الحرب السودانية ظل أحد الملفات الثابتة في القمم الأفريقية.

ورغم تصدره لأجندة القمم الأفريقية بشكل مستمر، إلا أن الاتحاد الأفريقي فشل في إيجاد أي حلول للنزاع، بل تزايد الانتقاد لتراجع دور "مجلس السلم والأمن الأفريقي" الذي بدا مراقباً أكثر منه فاعلاً، مما أدى إلى تآكل الثقة في قدرة الاتحاد على لجم آلة الحرب في دولة بحجم وثقل السودان.

ويرى متابعون للشأن الأفريقي أن الحسابات السياسية للدول المركزية وتضارب المصالح الإقليمية شلّت قدرة الاتحاد الأفريقي على إيجاد حل توافقي، رغم امتلاكه آليات قانونية للتدخل ومنع الصراعات.

ويرى الصحفي المتابع للشأن الأفريقي، محنض باب، أن فشل الاتحاد الأفريقي في فرض وقف لإطلاق النار بالسودان أو تأمين ممرات إنسانية مستدامة، قد حوّل مبدأ "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية" من استراتيجية سيادية إلى مجرد شعار بروتوكولي يُرفع في القمم.

وأشار في تصريح لـ"عربي21" إلى أن عجز الاتحاد الأفريقي عن قيادة وساطات أو فرض حلول للأزمة في السودان، ربما بسبب افتقار الاتحاد لميزانية مستقلة لبعثات حفظ السلام والوساطة.

"تمرد سياسي وقانوني"

تعد أزمة بلدان الساحل الأفريقي أيضا من بين الأزمات التي تكرر عرضها على طاولة نقاش القادة الأفارقة في قممهم بما فيها القمة الحالية، إذ لم تعد أزمة دول الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) مجرد ملف أمني دوري على طاولة القمة، بل تحولت إلى "تمرد سياسي وقانوني" يهدد هيكلية الاتحاد الأفريقي ذاتها.

فبينما يتمسك الاتحاد الأفريقي بمبدأ "رفض التغييرات غير الدستورية" ويفرض عقوبات تعليق العضوية، اختارت هذه الدول تأسيس تحالف عرف بـ"كونفدرالية دول الساحل"، وهي الخطوة التي يراها مراقبون "انفصالاً جيوسياسياً" يعيد رسم خارطة النفوذ في غرب القارة بعيداً عن المعايير التقليدية التي يتبناها الاتحاد.

ويرى متابعون أن معضلة الاتحاد الأفريقي في الساحل تكمن في فقدان أدوات التأثير، فالعقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها مفوضية الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" لم تنجح في ثني المجالس العسكرية عن المضي في مساراتها، بل دفعتها للارتهان أكثر لتحالفات دولية بديلة، وعلى رأسها روسيا التي دخلت المنطقة كـ"بديل أمني" للوجود الفرنسي.

هذا التحول جعل بلدان الساحل منطقة صراع دولي، يجد الاتحاد الأفريقي نفسه فيها ضعيف التأثير، يراقب تآكل نفوذه التاريخي لصالح فاعلين من خارج القارة.

ويمثل ملف الساحل في هذه القمة "مأزقاً قانونياً" فاستمرار تعليق عضوية هذه الدول يحرم الاتحاد من الحوار المباشر مع القوى الممسكة بالأرض، مما يعزز من حالة العزلة المتبادلة.

وفي الوقت الذي ترفع فيه القمة شعار "الأمن المائي"، تواجه هذه الدول تهديدات تتمثل في تمدد الجماعات المسلحة وتزايد أعداد النازحين جراء العنف المتزايد في المنطقة.

وفي هذا الصدد يؤكد الصحفي المتابع للشأن الأفريقي، محنض باب في حديثه لـ"عربي21" أن حجم تدفق اللاجئين من دولة مالي نحو الأراضي الموريتانية يعكس تفاقم الوضع في الساحل، وهو ما يرى أنه يتطلب من القادة الأفارقة إيجاد حلول سريعة تفاديا لتفاقم الوضع.

فشل إسكات المدافع

وقد أكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف، في كلمة له خلال افتتاح القمة، فشل الاتحاد في إسكات المدافع، بالقارة المثقلة بالصراعات.

ولفت إلى أن "الهشاشة السياسية والمؤسسية" بعدد من البلدان تبعث على القلق.

واستعرض علي يوسف عددا من النزاعات في القارة، خصوصا بالسودان والساحل، والشرق الكونغولي، والصومال، مؤكدا أن الشعوب "تدفع ثمنا باهظا لانعدام الاستقرار".

وتأسس الاتحاد الأفريقي عام 2002 خلفا لمنظمة الوحدة الأفريقية، ويضم 55 دولة، ويدير شؤونه عبر مؤسسات سياسية وقضائية، أبرزها مفوضية الاتحاد ومحكمة العدل ومجلس السلم.ِ