لم تكن لحظة إسقاط الدفاعات الجوية
الجزائرية لطائرة مسيرة
مالية تجاوزت الخطوط الحمراء العام الماضي، مجرد إجراء عسكري حدودي، بل كانت هزة ارتدادية عنيفة ضربت عمق العلاقات الدبلوماسية مع الجار الجنوبي.
تلك الحادثة، التي جسدت ذروة التوتر والقطيعة، رسمت واقعاً جديداً، حيث أكدت الجزائر حينها أنها لن تتسامح مع أي اختراق لسيادتها تحت مبرر ملاحقة الجماعات المسلحة.
اليوم، ومع مطلع عام 2026، تحاول الجزائر هندسة عودة هادئة للساحل الأفريقي، ولكن من بوابة المصالح الاقتصادية، لا الوساطات السياسية الهشة.
محاولات الاحتواء
بعد نحو سنة من "الردع العسكري" على الحدود، بدأت الجزائر في تفعيل القوة الناعمة لاحتواء شظايا الأزمة، حيث أمر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الخميس الماضي بعودة سفير بلاده إلى
النيجر، بعد قرار مماثل من سلطات نيامي يقضي بإعادة سفيرها، إلى العاصمة الجزائرية لاستئناف مهامه، في خطوة تعكس توجه البلدين نحو تجاوز التوتر الذي طبع علاقاتهما منذ نحو سنة.
وتأتي هذه الخطوة الجديدة، أياما بعد دعوة الرئيس الجزائري، رئيس النيجر الانتقالي الجنرال عبد الرحمن تياني لزيارة الجزائر، مضيفا في لقاء دوري مع ممثلي وسائل الإعلام الجزائرية، أنه يتمنى زيارته للبلاد "وتمر السحابة بيننا، لأن النيجر دولة قريبة منا جدا".
وكانت الجزائر قد استدعت سفيرها لدى النيجر للتشاور في 7 من نيسان/ أبريل 2025، بعد أقل من ستة أشهر على اعتماده في المنصب، ردا على قرار السلطات النيجرية استدعاء سفيرها من الجزائر، تضامنا مع مالي بعد حادثة إسقاط الجيش الجزائري طائرة عسكرية تابعة لها.
دبلوماسية المحروقات
وفي خطوة تعكس سعى الجزائر لاحتواء توترها مع بلدان الساحل الأفريقي، وصل أيضا وفد جزائري يرأسه وزير المحروقات محمد عرقاب، إلى وغادوغو، في زيارة لبوركينافاسو لتعزيز التعاون في مجال الطاقة.
وقالت وزارة المحروقات والمناجم في بيان اطلعت عليه "عربي21" إن الوفد الجزائري بحث آفاق تموين بوركينافاسو بالمنتجات البترولية المكررة، وتعزيز التعاون بين مجمع سوناطراك والشركة الوطنية البوركينابية للمحروقات لاسيما في مجالات التموين وتحسين سلاسل الإمداد، وتطوير قدرات التخزين والتوزيع وتعزيز أمن التموين.
ويرى متابعون أن زيارة وزير المحروقات، محمد عرقاب، إلى واغادوغو (12-14 فبراير 2026) على رأس وفد يضم مديري "سوناطراك" و"نفطال" و"سونلغاز"، تعكس رغبة الجزائر في تقديم "بديل سيادي" لدول الساحل يوفر الطاقة والكهرباء والخبرة المنجمية، بعيداً عن صراعات النفوذ الدولية.
وتسعى الجزائر على ما يبدو من خلال "دبلوماسية المحروقات" إلى إقناع دول الساحل بأن الشراكة مع الجار أكثر استدامة وأقل كلفة سياسية من الارتهان للقوى العظمى.
وكانت دول الساحل الثلاثة (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) استدعت قبل نحو سنة سفراءها لدى الجزائر للتشاور على خلفية إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي.
الجرح الذي لم يندمل
وفي وقت بدأت فيه الجزائر خطواتها لاحتواء الأزمة مع النيجر وبوركينافاسو تظل مالي هي العقبة الأكبر في خطة الاحتواء الجزائري، فإسقاط المسيرة المالية شكّل إحراجاً كبيراً للمجلس العسكري في باماكو، الذي بات ينظر للجزائر كطرف خصم، وليس كوسيط.
وترى باماكو أن إسقاط المسيرة المالية تعدياً على جهودها لتطهير الشمال من التنظيمات المسلحة، بينما تراه الجزائر دفاعاً مشروعاً عن أراضيها.
وفي ظل تنامي النفوذ الروسي عبر(فاغنر/الفيلق الأفريقي) والتحالفات التركية في مالي، يبدو حتى الآن أن باماكو اختارت المواجهة الصامتة مما يجعلها العقبة الوحيدة أمام إغلاق ملف أزمة دول الساحل مع الجزائر بشكل كامل.
وفي ظل غياب أي قنوات اتصال فعالة مع باماكو، تراهن الجزائر على أن نجاح تجرتها الطاقوية مع النيجر وبوركينا فاسو قد يغري مالي لاحقاً للعودة إلى طاولة التفاوض أو على الأقل يضمن حياد بقية دول الساحل في الصراع الثنائي (الجزائري-المالي).
أزيز الأنابيب أقوى من ضجيج المسيّرات؟
ويعتبر مختصون في الشأن الأفريقي أن الجزائر بدأت عملياً في احتواء الأزمة عبر تجزئة الحلول، وهي تدرك أن استعادة "تحالف دول الساحل" ككتلة واحدة أمر صعب حالياً، لذا تعمل على كسب النيجر وبوركينا فاسو اقتصادياً، تاركةً مالي في "عزلة اختيارية" قد تنهيها ضغوط الحاجة للطاقة مستقبلاً، أي أنها مراهنة على أن أزيز الأنابيب سيكون في النهاية أقوى من ضجيج المسيّرات.
وتعيش مالي منذ أشهر على وقع أزمة وقود غير مسبوقة شلت في بعض مراحلها العاصمة باماكو
ومختلف مدن البلاد الرئيسية، ما فاقم الوضع الأمني في هذا البلد الغرب إفريقي الذي يعرف اضطرابات أمنية، ويعيش عزلة دولية.
ومنذ أيلول/ سبتمبر الماضي فرضت مجموعات مسلحة ما يشبه حظر دخول لشاحنات الوقود إلى مالي، حيث أضرمت هذه الجماعة المسلحة النار في العديد من شاحنات الوقود التي حاولت الدخول إلى الأراضي المالية خلال الأسابيع الأخيرة.
كما تسببت الأزمة بين الجزائر ومالي في تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية لسكان شمال المالي وغالبيتهم من مدن إقليم أزواد المطالب بالانفصال عن الحكومة المركزية في بماكو، حيث تشترك مالي والجزائر في حدود برية تزيد على الـ1300 كيلومتر تنتشر فيها الجماعات المسلحة وتعد معقلا لشبكات التهريب في منطقة الساحل الأفريقي.
علاقات صاغتها الجغرافيا والتاريخ
ويرى عضو مجلس الأمة الجزائري عمرون محمد، أن علاقة الجزائر بمنطقة الساحل ليست وليدة اللحظة، بل هي علاقة متجذرة صاغتها الجغرافيا المشتركة والتاريخ الطويل، مضيفا أنه ومنذ الاستقلال، وضعت الدولة الجزائرية هذه المنطقة في صلب اهتماماتها، انطلاقاً من عقيدة ثابتة تعتبر أمن واستقرار الساحل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الجزائري.
ولفت في تصريح خاص لـ"عربي21" إلى أن هذه المنطقة شهدت هزات وتوترات أمنية وسياسية عميقة، أبرزها الأزمة المستمرة في شمال مالي منذ عقود، مشيرا إلى أنه "رغم تصنيف المنطقة ضمن الأفقر عالمياً، إلا أن الجزائر لم تتخلَّ يوماً عن دورها، حيث قدمت دعماً سياسياً واقتصادياً هائلاً، إيماناً منها بأن الاستقرار المستدام لا يتحقق إلا بتضافر الجهود الإقليمية بعيداً عن الإملاءات الخارجية".
وأوضح أنه في ظل الموجة الأخيرة من الانقلابات العسكرية بالساحل، رفضت الجزائر أي تدخل عسكري أجنبي، سواء عبر "إيكواس" أو من خلال الأطراف الدولية كفرنسا "وقد نجحت الجزائر بفضل ثقلها في تحييد الخيار العسكري متمسكةً بضرورة إيجاد حلول سياسية إفريقية-إفريقية".
ولفت عمرون محمد في حديثه لـ"عربي21" إلى أن الجزائر أدارت الأزمة مع دول الساحل بهدوء تاركةً الوقت الكافي لتنضج الحلول، "وهو ما نراه اليوم من حراك جاد لإصلاح المسار وعودة السفراء" مشيرا إلى أن مالي ستدرك في النهاية أهمية العلاقة مع الجزائر.
وأضاف: "المؤشرات الحالية تؤكد أننا نتجه نحو حلحلة شاملة للأزمة، وتجاوز الدعوات العدائية والتدخلات الخارجية التي حاولت فك الارتباط بين الجزائر وعمقها القاري، الجزائر ستظل دوماً الشريك الموثوق الذي يفضل البناء والحوار على التصادم، سعياً لتحقيق استقرار شامل يعود بالنفع على شعوب المنطقة كافة."
فرص التهدئة مع مالي
من جهته يرى الأستاذ الجامعي والكاتب الصحفي الجزائري محمد شيحات أن عودة مالي لمسار التهدئة مع الجزائر ممكنة، لكنها مشروطة بمبدأ المعاملة بالمثل واحترام الأعراف الدبلوماسية.
وأشار في تصريح لـ "عربي 21" إلى أن التصريحات التي صدرت قبل فترة من باماكو "لا تليق بدور الجزائر التاريخي كوسيط وسند استقراري لعقود".
وأوضح شيحات أن العودة للمسار الطبيعي تتطلب موقفاً مالياً يعكس استقلالية القرار، ويكفّ عن استغلال المنابر الدولية للإساءة للجوار، مع التركيز على التعاون العملي لمواجهة التحديات الأمنية.
وأكد أن الجزائر "بفضل مكانتها الإقليمية، تدير ملفات التهدئة في الساحل بحكمة ومسؤولية وما قرار الرئيس عبد المجيد تبون بإعادة السفير إلى نيامي إلا برهانٌ جليّ على نهج بناء الثقة مع الجوار".
ولفت إلى أن زيارة وزير الطاقة والمناجم، محمد عرقاب، إلى واغادوغو تأتي كإشارة قوية تعكس عمق الروابط مع بوركينا فاسو، مضيفا إنها خطوات سيادية تهدف لتعزيز الاستقرار الإقليمي، مستندةً إلى إرث دبلوماسي عريق قوامه الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة."