في قلب القارة السمراء، حيث تلتقي طموحات النماء بقسوة الجغرافيا، تخوض
أفريقيا معركةٌ لا تُدار بالرصاص وحده، بل بالشجر في مواجهة الرمال، وبالاستقرار في مواجهة الفوضى.
فبينما تعصف الانقلابات العسكرية والنزاعات العرقية بمشاريع التشجير في قلب الساحل، وتصارع دول كمالي والنيجر في حقل ألغام أمني يلتهم الميزانيات، ترسم
موريتانيا والسنغال ملامح طريق مغاير.
عام 2007 أطلق الاتحاد الأفريقي مبادرة "الجدار الأخضر الكبير" للقضاء على
التصحر والفقر والجوع، في منطقة الساحل الأفريقي، وذلك في إطار تعاون بين 20 بلدا أفريقيا من ضمنها بلدان الساحل والصحراء، والشركاء الدوليين، بما فيهم الأمم المتحدة ووكالاتها المختصة، وتحت قيادة مفوضية الاتحاد الأفريقي والوكالة الأفريقية للجدار الأخضر الكبير.
يشمل برنامج "الجدار الأخضر الكبير" في أفريقيا 11 دولة تقع في منطقة الساحل، تعاني كلها من التصحر منذ عقود، حيث تدهور ما يقرب من نصف أراضي الساحل بسبب الاكتظاظ السكاني والرعي وإزالة الغابات والجفاف.
انطلق البرنامج عام 2007، وكان هدفه الأصلي غرس جدار من الأشجار بطول 8 آلاف كيلومتر عبر أفريقيا، من
السنغال غربا إلى جمهورية جيبوتي شرقا، واستعادة 100 مليون هكتار من الأراضي بحلول عام 2030.
لكن المشروع الذي انطلق ليكون سداً منيعاً ضد زحف الصحراء، بات مع حلول 2026 عالقاً في حقل ألغام من نوع آخر.
أزمات الحكم المتفجرة
بين انقلابات عسكرية تعصف بدول الساحل الأفريقي، وبيروقراطية تلتهم الميزانيات، يقف هذا الحزام الأخضر شاهداً على صراعٍ مرير بالقارة السمراء، فقد أدت الانقلابات بدول الساحل إلى توتر العلاقات مع المانحين الدوليين، مما نتج عنه تراجع في حجم التمويلات التي كانت مخصصة لصيانة الأحزمة الخضراء.
وتعد معضلة التمويل العقبة الأكبر؛ فمن أصل 14 مليار دولار تعهد بها المانحون، لم يجد طريقه للميدان سوى جزء يسير.
وفي دول مثل مالي والنيجر تقع مساحات شاسعة من مسار الجدار الأخضر ضمن مناطق نفوذ الجماعات المسلحة، إذ تشير التقارير الميدانية إلى أن فرق التشجير والمهندسين الزراعيين باتوا قلقين من التواجد في تلك المناطق.
وتشير التقارير التقييمية الأخيرة إلى أن نسبة الإنجاز الإجمالية في عموم القارة لا تزال تتأرجح حول 18% إلى 20% من الهدف النهائي لعام 2030، مع فجوة تمويلية تقدر بـ 33 مليار دولار للوصول إلى المستهدفات.
نماذج الصمود.. موريتانيا والسنغال
وفي مقابل القتامة في وسط الساحل، تبرز تجارب موريتانيا والسنغال كنماذج صمود، والسبب المباشر هو "الاستقرار السياسي" وفق متابعين. فقد نجحت موريتانيا في دمج الجدار الأخضر ضمن استراتيجية "الأمن الغذائي"، عبر زراعة أنواع متعددة من الأشجار، بما فيها آلاف الأشجار المقاومة للجفاف.
وتعد موريتانيا لاعباً رئيسياً في مبادرة "الجدار الأخضر الكبير" الأفريقية لمكافحة التصحر، حيث نجحت الوكالة الوطنية للسور الأخضر الكبير، في إعادة تأهيل 18,000 هكتار وإنشاء 91 مزرعة بيئية مجتمعية منذ 2019.
وتسعى الوكالة إلى إنشاء 300 مزرعة نموذجية بحلول عام 2030 لتعزيز التنمية المستدامة والمساهمة في الأمن الغذائي، فيما استخدمت البلاد الطائرات المسيرة في البذر الجوي.
ويهدد التصحر 70% من أراضي موريتانيا، وتقول السلطات إن استعادة الأراضي المتدهورة وتثبيت الكثبان الرملية أولوية قصوى لديها.
وقد اختارت الوكالة الأفريقية للسور الأخضر الكبير موريتانيا لترأس اللجنة المكلفة بتأطير مسار الإصلاح المؤسسي للوكالة.
وفي السنغال ابتكرت السلطات نموذج "الحدائق الدائرية" التي تحيط بها أشجار الجدار الأخضر لحمايتها من الرياح والرمال، وتُزرع بها الخضروات والفواكه.
وساهمت هذه الحدائق في خفض معدلات الهجرة من الريف إلى المدن بنسبة ملحوظة، حيث وفرت هذه الحدائق عائداً شهرياً للمرأة السنغالية، كما حافظت البلاد على استمرارية عمليات الغرس، واستصلحت مساحة تتجاوز 40 ألف هكتار (وهي النسبة الأعلى قياساً بالمساحة في دول الساحل).
وأطلقت السنغال نظام "تتبع بالأقمار الصناعية" لمراقبة معدل نمو الأشجار، حيث بلغت نسبة نجاح الشتلات في بعض المناطق 75%.
وقامت السلطات ضمن المشروع بحفر آبار ارتوازية تعمل بالطاقة الشمسية بالكامل لتزويد الأحزمة الخضراء والحيوانات بالمياه، مما خلق نقاط جذب للرعاة ومنع النزاعات بين الرعاة والمزارعين.
صراعات ونزوح
وتحذر الأمم المتحدة من حين لآخر من أن بلدان منطقة الساحل الأفريقي معرضة لخطر عقودٍ من الصراع المسلح والنزوح بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وندرة الموارد، وانعدام الأمن الغذائي؛ حيث تؤدي الفيضانات والجفاف وموجات الحر المدمرة إلى تلاشي إمكانية الوصول إلى المياه والغذاء وسبل كسب الرزق، وتضخيم مخاطر الصراع.
وشهدت منطقة الساحل تسارعاً ملحوظاً في وتيرة التصحر، حيث تعرّضت لسلسلة من موجات الجفاف المدمّرة، مما أدى إلى تمدّد الصحراء الكبرى بنسبة تُقدّر بنحو 10%.
ويدفع التصحر المجتمعات الريفية إلى النزوح، فمع تحوّل الأراضي الصالحة للزراعة إلى أراضٍ قاحلة، تُجبر المجتمعات الريفية على الهجرة، مما أدى إلى اكتظاظ المراكز الحضرية.
وتتلاقى ندرة الموارد الناتجة عن التغيرات المناخية مع غياب التنمية الحكومية لتخلق بيئة طاردة دفعت الشباب نحو الهجرة أو الارتماء في أحضان التنظيمات التي توصف بالمتطرفة.
ارتباك الأولويات الحكومية
ويتفاقم الواقع الناتج عن التصحر بالساحل في ظل غياب استراتيجيات رسمية لمواجهة المناخ وشح التمويل، مع ارتباك الأولويات الحكومية التي تغلب الجانب الأمني على التنموي، مما أدى إلى تعميق الصراعات العرقية وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على الصمود، وفق متابعين.
وشهدت منطقة الساحل الإفريقي خلال عام 2025 درجات حرارة قياسية وموجات حر استثنائية، حيث سجلت دول، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد ونيجيريا، درجات حرارة أعلى من المتوسط بمقدار 0.7 إلى 1.5 درجة مئوية.
ويرى مختصون أن تشييد الجدار الأخضر لن يكتمل ما لم تُصاغ السياسات على أساس إدارة الموارد بعقل إستراتيجي طويل النفس، يعيد الاعتبار للإنسان والبيئة معاً.