"إسرائيل تعذب الأموات"، جملة تختصر ما تقوم به دولة الاحتلال الإسرائيلي التي تواصل السيطرة العسكرية على نحو 70 بالمئة من
المقابر في قطاع
غزة الذي دمرته آلة الحرب الإسرائيلية.
وبأشكال مختلفة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال والذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وذلك بعد عامين تقريبا من حرب الإبادة التي بدأت بتاريخ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويسيطر جيش الاحتلال عسكريا على مختلف مناطق القطاع وينفذ بشكل مستمر عمليات تدمير ونسف واسعة تطال الأموات أحيانا، إضافة إلى شن غارات بشكل شبه يومي تستهدف المواطنين الفلسطينيين في المناطق التي أعلن أنها مناطق آمنة، ما أدى إلى ارتقاء 71 ألف شهيد.
الاحتلال نبش القبور
وفي زيارة ميدانية لـ"عربي21" لأحد المقابر التي تعرضت للتدمير، أفاد حارس المقبرة التركية في خان يونس وحفار القبور، طارق أبو حطب، أن جيش الاحتلال خلال اجتياحه للمدنية قام بنبش القبور وتدمير العديد منها، ما جعل من الصعب تعرف الأهالي على قبور أقاربهم.
وأوضح في حديثه لـ"عربي21"، أن دبابات وجرافات الاحتلال مرت من فوق القبور والمقابر الجماعية التي توجد بالمقبرة التركية، لافتا أن القبور التي قام جيش الاحتلال بتدميرها ونبشها تحتاج إلى ترميم وتصليح، وسط غياب المواد الضرورية لذلك.
وذكر أبو حطب، أن عملية ترميم القبور مستمرة رغم الصعوبات وغياب المواد، موضحا أنه يستخدم الحجارة التي يتم توفيرها من البيوت المدمرة بعد إجراء عملية تصليح وتنظيف لها.
وعن تعمد الاحتلال نبش القبور وتدمير المقابر والسيطرة عليها في مختلف مناطق القطاع المحاصر، أوضح مدير عام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بغزة، أمير أبو العمرين، أن "هذا السلوك والانحطاط الإسرائيلي، يعزز نظرية العالم والأحرار فيه؛ أنه لا يرعي حرمة صغير ولا كبير، لا شجر ولا حجر ويدمر ويحرق المنازل ويقتل الأبرياء بكل الأعمار، كما لم يسلم منه الأموات في قبورهم".
وأكد في تصريح خاص لـ"عربي21"، أن "الاحتلال لا يراعي حرمة حي ولا ميت، فما يقوم به هو انحطاط قيمي وإنساني، فهو يدمر المقابر بمنهجية وليس بشكل عابر"، منوها أن "قطاع غزة يضم أكثر من 62 مقبرة، جيش الاحتلال دمر منها 40 مقبرة بشكل كلي والباقي بشكل جزئي، فلا تجد مقبرة واحدة سلمت من قصف أو تدمير جرافات الاحتلال".
ونبه أن "الاحتلال قام بنبش القبور وتدمير المقابر بزعم إخراج جثمان (أسير إسرائيلي لدى المقاومة)، علما أنه لا توجد أي طريقة للتحقق من تلك المعلومات"، لافتا أن "جيش الاحتلال نبش ودمر ما يزيد عن 700 قبر في مقبرة البطش بحي الشجاعية، فلم يبقي لها أثر أو معالم، وهو بذلك لا يراعي دين ولا شريعة ولا حتى القوانين والنظام في دفن أو إخراج الأموات، فهو يضرب بكل ذلك عرض الحائط ولا يجد من يردعه".
علامات تعذيب وسرقة أعضاء
وكشف أبو العمرين، أن "جيش الاحتلال يسيطر عسكريا وبالقوة النارية على عشرات المقابر داخل ما يسمى الخط الأصفر ولا يسمح لأحد بالوصول إليها، فلم يسلم شيء من بطش الاحتلال"، مبينا أنه "من الصعب إحصاء عدد القبور التي نبشها ودمرها الاحتلال، نظرا لسيطرته على العديد من المقابر وأيضا للجوء الناس للدفن بشكل عشوائي".
وذكر أن "الاحتلال يحرم الناس أيضا من آلية الدفن المنطقية، علما أن هناك نحو 10 آلاف لم يدفنوا، كما أن هناك جثث غير معلوم عددها لدى الاحتلال، والجثث التي يقوم الاحتلال بتسلميها بين فترة وأخرى نشاهد بوضوح علامات التعذيب القاسي عليها وسرقة أعضاء".
وأعرب عن استيائه الشديد من الموقف العالمي؛ أنظمة، دول ومؤسسات، تجاه ما يحدث من انتهاكات إسرائيلية متواصلة في قطاع غزة، وقال: "على هؤلاء أن يقفوا عند مسؤولياتهم، فلا يعقل أن يترك شعب تحت الاحتلال لترسانة عسكرية عالمية، لا عذر لهؤلاء على مواقفهم".
وطالب المسؤول الفلسطيني بسرعة "انسحاب الاحتلال وتحديد مناطق وأراضي كبيرة آمنة ودخول مواد البناء من أجل دفن
الموتى بشكل صحيح يوافق الشريعة، فما يجرى الآن؛ أن الناس لا تدفن بشكل صحيح، حيث يقوم بعضهم بالدفن تحت التراب مباشرة وأخرى بكيس الموتى أو بالصفيح، وهذا يعرض الجثث للخروج على وجه الأرض، كما أن الناس اضطرت أحيانا لدفن ما بين 30 إلى 40 شهيدا في قبر جماعي واحد".
وكشف أن "عشرات المرات قتل الاحتلال من يدفن الموتى مع الموتى، مطلوب أمن لهؤلاء، مطلوب أكفان وأماكن للصلاة على الموتى لأداء الشعائر الدينية، المطلوب كثير ولكن الاحتلال لا يعطى أي شيء"، مشيرا إلى أن الاحتلال يستهدف أحيانا بيوت العزاء، ومؤخرا قصف بيت عزاء في مدينة النصيرات وسط قطاع غزة.
الاحتلال سرق مئات الجثامين
وتابع: "مطلوب أن يكون هناك تعامل إنساني مع هؤلاء الأموات، فإسرائيل تعذب الأموات"، لافتا أن "غزة حافظت على مقبرة الإنجليز طيلة 100 عام".
وأشار أبو العمرين، إلى أن "غزة دخلت المرحلة الأولى والثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وحتى الآن لا توجد مواد بناء ولا آليات لإخراج الجثث من تحت الأنقاض، والاحتلال ما زال يمعن تعذيبا في الأحياء وتنكيلا بالأموات، فما يجري في القطاع من خطيئة كبرى تمارس بحق الإنسانية في قطاع غزة، ستكون وبالا على العالم كله"، بحسب تعبيره.
بدوره أدان رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، صلاح عبد العاطي، بـ"أشد العبارات جريمة نبش القبور والتنكيل بجثث الموتى وتدمير المقابر في غزة، التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة المستمرة للعام الثالث على التوالي".
وأكد في تصريح خاص لـ"عربي21"، أن "هذه الانتهاكات تمثل خرقا صارخا للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية"، لافتا أن الاحلال يسعى من وراء ذلك إلى "إذلال الشعب الفلسطيني وتدنيس حرمة الموتى".
وأشار عبد العاطي إلى أن الهيئة خلال "حرب الإبادة الجماعية وثقت تدمير عشرات المقابر جزئيا أو كليا، إضافة إلى نبش القبور والتنكيل بالآلاف من الجثامين، وسرقة بعضها وعدا عن احتجاز 776 جثمانا في مقابر الأرقام الإسرائيلية".
وطالب المجتمع الدولي بـ"العمل علي وقف هذه الجرائم والافراج عن جثامين الشهداء، وفتح تحقيق دولي عاجل لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين (الإسرائيليين) أمام المحكمة الجنائية الدولية وجميع المحاكم الدولية المختصة".
وشدد رئيس الهيئة الدولية، إلى ضرورة الإسراع في "توفير الحماية للمقابر والمواقع الدينية والمدنية وضمان احترام كرامة الموتى، وفرض العقوبات على دولة الاحتلال الإسرائيلي".