جاء الاجتماع الأول لمجلس السلام بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، ليجدد التساؤلات حول الجدوى منه والفعالية التي يمكن أن يحققها أو يضيفها إلى مؤسسات وجهات دولية قائمة بالفعل تعمل على تعزيز السلام والأمن على المستوى الدولي.
واقترح ترامب للمرة الأولى إنشاء
مجلس السلام في أيلول/سبتمبر 2025، عندما أعلن خطته لإنهاء حرب الإبادة ضد قطاع غزة، ثم أوضح لاحقا أن صلاحيات هذا المجلس، الذي سيتولى رئاسته، ستتوسع لتشمل حل نزاعات أخرى في مختلف أنحاء العالم إلى جانب غزة، وهو الدور الذي كانت تضطلع به
الأمم المتحدة بشكل تقليدي.
وحذّر تقرير أوروبي من مخاطر "مجلس السلام"، معتبرا أنه لا يقتصر على دوره في غزة بل يعكس توجها لتجاوز الأمم المتحدة وإضعافها ماليا ومؤسساتيا عبر إنشاء أطر موازية خارج شرعيتها، بينما أكد أستاذ الإعلام والأكاديمي عباس عقيل أن المجلس يفتقر إلى الوضوح المؤسسي ويعتمد أساسا على شخصية ترامب وقدرته على توظيف النفوذ الأمريكي.
وأكد "
مركز السياسة الأوروبية" في تقرير له أن الخطر الأكبر في "مجلس السلام" الذي طرحه ترامب لا يكمن في دوره المحتمل في غزة، بل في الدلالات التي يحملها بشأن طموحاته لإعادة تشكيل النظام الدولي.
وأشار التقرير إلى أن طرح المجلس يأتي في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة من أزمة مالية وشيكة، تعود في جزء كبير منها إلى تأخر الولايات المتحدة في سداد مستحقاتها، معتبرا أن التوقيت ليس عفويا، بل يعكس توجها في واشنطن يقوم على تجاوز المؤسسات الدولية أو الضغط عليها بدلا من إصلاحها، واستبدال مفهوم التمثيل الدولي المعترف به بدوائر أضيق من النفوذ تضم قادة ذوي نزعات سلطوية.
وأشار التقرير إلى أن إعلان واشنطن مؤخرا عن سداد دفعة أولى من متأخراتها تجاه الأمم المتحدة قُدم بوصفه دليلا على تجدد الالتزام، إلا أنه في ضوء التطورات يُفهم على أنه إجراء مؤقت لتخفيف الضغط، لا إعادة التزام استراتيجية.
وأكد أن الدفع الجزئي "لا يعالج حالة عدم اليقين البنيوية التي تكتنف تمويل المنظمة، ولا يغيّر مسار إنشاء أطر موازية تعمل خارج الإطار القانوني والمؤسساتي للأمم المتحدة. كما أن التمويل المجزأ والمشروط بالإصلاح يخلق حالة من عدم الاستقرار، ويضعف قدرة المنظمة على التخطيط ويقوض سلطتها، ويفتح المجال أمام بدائل تدعي الفاعلية لأنها تعمل خارج نظام أُضعف ماليا".
وأوضح أن إنشاء منتديات دولية جديدة ليس أمرا محايدا من حيث الكلفة، إذ إن المليارات التي يُقال إنها مطلوبة للمشاركة في "مجلس السلام" ستُقتطع من الميزانيات الوطنية ذاتها التي تموّل الأمم المتحدة، قائلا: "كل يورو أو دولار يُعاد توجيهه نحو أطر قائمة على النفوذ والقدرة المالية يعني تقليص الموارد المتاحة للوظائف الأساسية للأمم المتحدة وعمليات حفظ السلام والتنسيق الإنساني".
ورأى أن على أوروبا النظر بواقعية إلى المخاطر، فالمسألة لا تتعلق فقط بقدرة المجلس على تحقيق استقرار في غزة، بل بخطر ترسيخ نموذج تُدار فيه الأزمات العالمية خارج إطار الأمم المتحدة، بينما تُترك المنظمة في حالة هشاشة مالية دائمة. وحذّر من أن إضعاف الأمم المتحدة لا يحدث بانهيار درامي، بل بتحولها تدريجيا إلى خيار أقل جاذبية، فيما تنتقل مراكز القرار إلى غرف مغلقة بقواعد أقل، حيث تُحسم النتائج بالقوة لا بالقانون.
وأشار التقرير إلى أن المشروع الأوروبي قائم على فكرة أن القانون يقيّد القوة، وأن المؤسسات ينبغي أن تدوم أطول من الأفراد. وعليه، فإن إدارة عمليات السلام بشكل ارتجالي من قبل من يملك الموارد المالية يهدد بتآكل الميزة النسبية لأوروبا. واعتبر أن "مجلس السلام" لا يحتاج إلى أن يكون بديلا كاملا للأمم المتحدة، بل يكفي أن يعزز الانطباع بأنها لم تعد تعمل بفعالية.
ودعا التقرير بروكسل إلى تحرك عاجل وحاسم، عبر العمل مع المملكة المتحدة وكندا واليابان وديمقراطيات أخرى لتأمين تمويل مستقر للأمم المتحدة بصورة متوقعة. ورأى أن سد فجوة السيولة يمنح وقتا للإصلاح دون إفساح المجال لبدائل غير رسمية. كما شدد على ضرورة إطلاق أجندة إصلاح تعزز الأمم المتحدة بدلا من استبدالها، من خلال تحديث آليات اتخاذ القرار، وتحسين استدامة التمويل، وتعزيز المصداقية التشغيلية.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أنه لا ينبغي لأوروبا رفض الانخراط في مسارات دبلوماسية تتعلق بغزة لمجرد تحفظها على إطار "مجلس السلام"، شرط أن يكون الانخراط منسجما مع القانون الدولي والمبادئ الإنسانية والتفويضات القائمة، مع الحفاظ على التمييز بين المشاركة وإضفاء الشرعية على آلية تعمل خارج الإطار القانوني الدولي.
وأكد التقرير أنه إذا كان للأمم المتحدة أن تبقى العمود الفقري للنظام الدولي، فعلى أوروبا والهند واليابان وديمقراطيات كبرى أخرى تعزيز دورها، عبر تقوية مجلس الأمن، والاستثمار في القدرات التشغيلية، وضمان استمرار آليات العقوبات وإعادة الإعمار حتى في أوقات الضغط المالي.
"شخصية ترامب"
بدوره، قال أستاذ الإعلام والأكاديمي عباس عقيل لـ"عربي21" إن الغموض يحيط بالمجلس المطروح لإدارة ملف غزة، مؤكدا أن الإطار العام له يتمحور حول شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ يسود انطباع بأن نجاح أي اتفاق يتعلق بغزة مرهون بتدخله المباشر وقدرته على الضغط على "إسرائيل".
وأوضح عقيل أن طبيعة المجلس وآليات عمله غير واضحتين، مشيرا إلى أن ما يجري تداوله هو نقاط عامة يجري تحويلها لاحقا إلى مفاوضات وأخذ ورد. واعتبر أن المهمة الأساسية للاجتماع المرتبط بالمجلس تتمثل في التهيئة لإرسال قوة استقرار إلى غزة، عبر حشد الدول المستعدة للمشاركة وتأمين التمويل اللازم.
وبيّن أن الضمانات المطروحة ليست مؤسسية بقدر ما ترتبط بأسلوب ترامب القائم على بناء علاقات شخصية وعقد صفقات مع قادة دول تربطه بهم علاقات جيدة، مثل رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان، إضافة إلى الأرجنتين. وأشار إلى أن تركيا تعد طرفا يُعوّل عليه في هذا الإطار، نظرا لعلاقة ترامب بالرئيس رجب طيب أردوغان، وما يمكن أن تمارسه أنقرة من تأثير على حركة حماس.
وأكد عقيل أن المجلس لا يستند إلى إطار مؤسساتي تقليدي، كما هو الحال في اتفاقات السلام السابقة، بل يعتمد إلى حد كبير على مهارة ترامب في إدارة العلاقات السياسية. ولفت إلى أن هذا الغموض يمثل أحد أسباب التحفظات الأوروبية، إذ لا تتضح الأهداف بعيدة المدى للمجلس، ولا ما سيلي معالجة ملف غزة.
وأضاف أن الولايات المتحدة تسعى إلى توفير غطاء دولي للمجلس، سواء عبر استصدار قرار من مجلس الأمن يمنحه قدرا من الشرعية، حتى وإن كانت شكلية. ورأى أن المشروع برمته يبقى مسارا سياسيا مفتوحا يعتمد أساسا على قدرة ترامب على توظيف النفوذ الأمريكي لنشر قوة استقرار في غزة.
واعتبر أن المجلس قد ينهار بعد مغادرة ترامب للسلطة، لافتا إلى أن الأطراف المشاركة تدرك ذلك، لكنها تسعى إلى إرضائه مقابل مكاسب سياسية أو اقتصادية من الولايات المتحدة. وأوضح أن الاهتمام العربي والإسلامي بالمجلس يرتبط بما يمكن أن يحققه في غزة، وربما في مسار الدولة الفلسطينية، وليس باعتباره بديلا دائما للأمم المتحدة.
وأشار إلى أن غزة تمثل الاختبار الحاسم لنجاح المجلس، فيما تبقى الأهداف الطويلة الأمد غير واضحة. واستشهد بخطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي دعا فيه إلى إصلاح المنظومة الدولية التي أنشأها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرا أن ترامب قد يسعى إلى إيجاد تأصيل قانوني ومؤسساتي للمجلس يتولى قضايا النزاعات والحروب.
ورجح عقيل أن يكون جزء من الدوافع مرتبطا بطموح ترامب للحصول على جائزة نوبل للسلام، عبر تقديم نفسه كوسيط يحسم النزاعات بعيدا عن آليات الأمم المتحدة. وأوضح أن مجلس الأمن، بوصفه الجهة المخولة بحفظ السلم والأمن الدوليين، قد يجد نفسه أمام آلية موازية يسعى ترامب لاستخدامها لتمرير تسويات سياسية ينسبها إلى جهوده الشخصية.
وفيما يتعلق بمواقف القوى الدولية، رأى عقيل أن الأوروبيين قد يدعمون المجلس في ما يخص غزة، لكنهم سيعارضونه في ملفات تمس أمنهم القومي، مثل النزاع الروسي الأوكراني. وأكد أن أي محاولة لفرض تسوية تمنح تنازلات لروسيا ستواجه رفضا أوروبيا، حتى لو جرى ذلك عبر مجلس سلام بقيادة ترامب.
وختم عقيل بالقول إن مستقبل المجلس مرهون بإمكانية منحه تأطيرا دوليا لا يتعارض مع صلاحيات مجلس الأمن، عبر صيغة مؤسساتية ضمن منظومة الأمم المتحدة تتيح له التحرك بسرعة أكبر. إلا أنه استبعد اهتمام ترامب ببناء آلية مؤسساتية دولية مستقرة، مرجحا أن يظل المشروع مرتبطا بشخصه وأسلوبه في إدارة الملفات الدولية.