"رأس الأفعى".. ما دلالات استحضار السيسي "شبح الإخوان" بدراما رمضان؟

شريف منير سيؤدي دور "محمود عزّت" في المسلسل- صفحته الرسمية
كشفت الشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية" المسيطرة على قطاع الإنتاج الدرامي والتابعة لجهات سيادية مصرية، قبل أيام، عن تفاصيل مسلسل "رأس الأفعى"، والذي سيعرض في شهر رمضان المقبل.

وأظهر "برومو" المسلسل ملامح  القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمود عزت، المعتقل منذ 28 آب/ أغسطس 2020، وصدر بحقه حكمان بالسجن المؤبد وثالث بالإعدام.

العمل الذي يأتي استكمالا لسلسلة "الاختيار" (1 و2 و3)، وغيرها من الدراما التي ينتجها نظام ما بعد انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013، تقدم فيه العمل شركة "سينرجي" تامر مرسي في 30 حلقة، تُعرض بفضائيات الشركة المتحدة "أون"، و"دي إم سي"، ومنصتها عبر الإنترنت "ووتش إت".

ومطلع شباط/ فبراير الجاري، وتحت عنوان: "الخطر الحقيقي.. يبدأ من رأس الأفعى"، نشر المنتج مرسي، المسؤول السابق عن الشركة حتى موسم دراما رمضان 2021، وأحد الأذرع الإنتاجية الهامة لدى الشركة المتحدة، بوستر العمل، الذي ينضم إلى دوره في إنتاج الاختيار بأجزائه الثلاثة رمضان (2020، و2021، و2022) وفيلم السرب أيار/ مايو 2014.


اختيارات الممثلين

وقع اختيار "المتحدة"، لبطولة "رأس الأفعى"، الممثل أمير كرارة، صاحب أول بطولة بمسلسل (الاختيار 1) عام  2020، والذي كان قد سبقه بتقديم شخصية الضابط سليم الأنصاري، بمسلسل "كلبش"، بأجزائه الثلاثة (2017 و2018، و2019) حول رجل شرطة يواجه الفساد، في محاولة لتغيير الصورة النمطية عن ضباط الداخلية.

يرى محللون أن اختيار كرارة، له دوافعه، حيث يتمتع بالقوة الجسدية، والقبول الشكلي، ويطلق عليه جمهوره لقب "باشا مصر"، ما يعني قبولا جماهيريا واسعا، يدعمه ظهوره بإطلالة مختلفة عن الصورة النمطية لضابط الشرطة: (شنب وأسلوب غليظ)، ليبدو كرارة في صورة البطل القوي الواثق من قدراته والجانب الهادئ الذكري في ذات الوقت.

ومن أداء الممثل خالد الصاوي لدور نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين خيرت الشاطر، وتجسيد الممثل صبري فواز دور الرئيس الراحل محمد مرسي بمسلسل "الاختيار 3"، يجسد شريف منير، دور محمود عزت، الذي يبدو متمثلا صورته الخارجية بشعره الأبيض ونظارته الشهيرة، وذلك بعد أن قدم منير، "الصفعة" 2012، و"الزيبق" 2017، والذي جسد فيهما شخصية استخباراتية.

ونشرت فضائية "أون"، التابعة للشركة "المتحدة"، بوستر شريف منير، عبر فيسبوك.


يشارك كرارة ومنير، الممثلون: أحمد غزي، وكارولين عزمي، مساعدا كرارة في العمل، إلى جانب الممثلة ماجدة زكي في دور والدته في عودة لها بعد غياب 4 سنوات عن الدراما، وذلك في عمل من تأليف هاني سرحان مؤلف (الاختيار 2 و3)، ومن إخراج محمد بكير مخرج مسلسل (طرف ثالث) عام 2012.

ويقدم صناع العمل لأول مرة صورة جديدة لضابطة الشرطة المصرية على غرار ما تقدمها به السينما والدراما الأمريكية، حيث تجسد كارولين عزمي، دور الضابطة "نورا"، الرشيقة الجميلة الذكية المتعلمة تعليم جيد وصاحبة القدرات الخاصة، التي لم تمنعها أزمتها الحياتية من إنقاذ الوطن من الأعداء.

وأشاد البعض باستعانة الشركة "المتحدة"، بموسيقى ياسر عبد الرحمن، لارتباط اسمه بتيترات وموسيقى تصويرية لأعمال درامية تركت أثرا مثل: "الوسية"، و"المال والبنون"، و"الضوء الشارد"، و"الليل وآخره"، و"سوق العصر"، وأفلام: "الطريق إلى إيلات"، و"ناصر 56"، وأيام السادات".

برومو غامض ومثير

يظهر في "البرومو" الذي يغلب عليه الحركة والأكشن، صورة مطار مصري، بينما يجري كرارة خلف شخص يقول مهددا: "لو قربت مني سأفجر المحطة"، ما تبعه مشهد تفجير، ومطاردة من كرارة وهو يرتدي زي القوات الخاصة بالشرطة المصرية، ويطلق النار من سلاح آلي، قائلا: مش احنا اللي ابتدينا الحرب دي".

ليأتي صوت شخص يعطي ظهره للمشاهد كبير في السن حيث يظهر شعره الأبيض، ويبدو أنه يشخص دور الدكتور محمود عزت، ويقول: "إنها معركة الصبر والجلد".

ليرد كرارة قائلا: "وطالما هم اللي بدأوها"، وذلك في تكرار لحديث السيسي في كلمته خلال الاحتفال يوم 24 كانون الثاني/ يناير الماضي، بعيد الشرطة واتهامه جماعة الإخوان المسلمين بأنهم "من بدأوا".

يقدم "البرومو" بعض التشويق والإثارة والمخاوف، بقول كرارة لمساعدته الضابطة "نورا" بأن "الطريق خطر"، لترد قائلة: "بس أنا لا أخاف"، لتظهر عملية تفجير أتوبيس من أتوبيسات النقل العام بالقاهرة، ومشهد لمدنيين مصابين بينهم سيدة قبطية وطفلة صغيرة، ما يتبعه التخطيط لعملية أمنية يقودها كرارة، ومعه بعض الشخصيات وسط صوت يقول: "أنا متأكد أنك قدها وقدود".

لتظهر الممثلة ماجدة زكي العائدة للدراما بعد غياب 4 سنوات في دور والدة كرارة، بالدعاء له وتسجيل وجود حالة إيمانية لدى أسرة كرارة، ممثل الأمن المصري عبر ظهورها في أكثر من لقطة وهي تصلي وتدعو.

وفي الأثناء يأتي صوت لشخص مجهول يُصدر كلمات تحمل تهديدا ووعيدا بينها، قوله: "محدش هينام في البلد دي من النهاردة"، و"خليهم يورونا هيدورها إزاي"، و"نعرفهم إن الموضوع مش هيعدي بالساهل"، ليختم كرارة البرومو بقوله: "كدة بقى نبتدي الحكاية".



لماذا عزت؟

أثار اختيار شخصية الدكتور محمود عزت، لتصديرها للرأي العام المصري في هذا التوقيت الكثير من الجدل، بين مدافع عن شخصية الرجل ومذكرا بسيرته العلمية ونضاله السياسي والدعوي، وبين منتقد لتقديم مثل هذه النوعية من الدراما للتغطية على أوضاع مصر والمصريين وأزمات النظام.

وأفردت الصحف والمواقع المصرية مساحات واسعة حول مسلسل المتحدة الجديد، وبينها "اليوم السابع"، التي وصفت عزت، بأنه "العقل المدبر" و"الصندوق الأسود"، و"الثعلب" و"رأس الأفعى".

وبينما حمل برومو رأس الأفعى كلمة مثيرة للجدل وغير مفهومة عن "معلومة صغيرة"، تحولت بعدها الأحداث وبدأ كرارة في إعداد خطته، تحدث الموقع الموجه من قبل جهات أمنية عن انفراد بتفاصيل 2500 يوم من تخفى محمود عزت، مشيرا إلى معلومة "ذهبية" من مصدر سري، أكدت أن "الرجل الشبح" لم يغادر مصر، لتبدأ مهمة توقيفه بالتجمع الخامس (شرق القاهرة).

ووفق رصد الحقوقي المصري أحمد هلال، فإن محمود عزت (82 عاما)، وُلد 13 آب/ أغسطس 1944 بحي مصر الجديدة بالقاهرة، وتعرف على جماعة الإخوان المسلمين عام 1953، وتخرج عام 1975 في كلية الطب جامعة عين شمس، ونال الماجستير عام 1980، ثم الدكتوراه في الفيروسات عام 1985 من جامعة الزقازيق، ثم دبلوم معهد الدراسات الإسلامية عام 1998.

اعتقل عزت للمرة الأولى عام 1965 في عمر الـ21 ولنحو 10 سنوات ليخرج عام 1974 مواصلا مسيرته الدراسية والدعوية، ليجري اختياره عام 1981 عضوا بمكتب الإرشاد، ثم أمينا عاما للجماعة مطلع الألفية، ثم نائبا للمرشد عام 2010، وبعد اعتقال المرشد العام محمد بديع آب/ أغسطس 2013، تولى عزت مهام القائم بأعمال المرشد.

اعتقل للمرة الثانية عام 1993 مدة 6 أشهر بقضية "سلسبيل"، ثم قضت محكمة عسكرية عام 1995، بسجنه 5 سنوات، ليتكرر الاعتقال عام 2008، إثر  مشاركته في تظاهرة ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، ليجري اعتقاله في آب/ أغسطس 2020، ليوضع في زنزانة انفرادية بسجن بدر 3، وسط ظروف صحية قاسية، ومنع من الزيارة والاتصال بأسرته أو محاميه، وفق تقارير حقوقية.

ويواجه عزت أحكاما بالسجن المؤبد في قضيتي "أحداث مكتب الإرشاد"، و"اقتحام الحدود الشرقية"، وحكما بالإعدام بقضية "أحداث المنصة"، في محاكمات يصفها حقوقيون بأنها "مسيسة وغير عادلة".


حلقة شيطنة

وأكد متحدثون لـ"عربي21"، أن اختيار "المتحدة"، لشخصية القيادي محمود عزت، في عمل درامي هي محاولة هروب للنظام من أزماته وصرف أنظار المصريين عن حقيقة أوضاعهم بتصدير قضايا انتهت منذ 12 عاما، ملمحين إلى أنها تأتي في إطار عمليات "تزييف الوعي"، بإطلاق عناوين مثل "مستوحى من وقائع حقيقية".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد الإعلامي المصري حازم غراب، أنها "مجرد حلقة من حلقات الشيطنة المستمرة منذ انقلاب 2013"، ملمحا إلى أنه يقصد إلى جانب الشيطنة الهروب من أزماته الحالية.

وحول تقديم عملا بحجم "الاختيار"، بعد توقف تلك النوعية من الدراما منذ العام 2022، قال: "واضح أنه يشعر بببركان غضب يوشك أن ينفجر فيه"، مضيفا أنه "لن يستطيع الاستمرار في خداع من أيدوه من العامة بل وحتى بعض بطانته".

تزييف الوعي

من جانبه يرى الممثل المصري سيد حماد، أن "الأعمال الفنية من هذا النوع السياسي لإلهاء الناس عن المطالبة وحلم التغير، وأيضا عن المشاكل الحياتية، وذلك بجانب أنها تقوم بتشكيل حالة من الوعي المزيف لدى العامة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، لفت إلى خطورة الأمر على "حزب الكنبة الذين يشاهدون فقط ولا يشاركون في أي تغيير أو انتقاد للأوضاع؛ وكل همهم العيش في أمان بعيدا عن الاحتكاك بالسلطة، إما خوفا من بطش النظام أو لا مبالاة وعدم مسؤولية".

حماد، أحد المشاركين في فيلم "نسور الجمهورية"، الإنتاج السويدي، الذي تم ترشيحه لجائزة السعفة الذهبية بمهرجان "كان"، أشار إلى جانب آخر من الخطورة في تلك الأعمال (الأفلام والمسلسلات)، ملمحا إلى "تأثيرها على تشكيل وعي وتفكير الأجيال القادمة، وتربيتهم على الخوف، وإقناعهم بوجهة نظر النظام في المعارضة".

وذهب للقول: "لكن هناك شق آخر، باتهام المعارضة بأنها من جنت على نفسها كما جنت (براقش)"، منتقدا "إهمالها دور الفن كأهم وأخطر القوى الناعمة التي تؤثر في الناس، وتشكل وعي الكبير والصغير"، مطالبا المعارضة بـ"الاهتمام بالملف الفني والصرف عليه لأهميته في تبصير المصريين بالحقائق".

رسالة إلى جيل زد

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتقد متابعون العودة للوراء لأزمات انتهت قبل أكثر من 12 عاما، وتحميل جماعة الإخوان التي لم تحكم إلا عاما واحدا جميع أزمات المصريين، بمسلسلات سنوية ترهق موازنة الدولة بملايين الجنيهات.

واعتبر الناشط محمد محمود أن المسلسل فيه رسالة إلى "جيل زد"، وأنه محاولة من النظام لإنقاذ السيسي، من غضب هذا الشباب، وترسيخ صورة أن "العسكر أبطال، والمعارض خائن، والثورة مؤامرة، والدم ينسى"، مبينا أن "جيل زد لا يتفرج على التلفزيون، ولا ينتظر رسالة وطنية، ولا يتأثر بموسيقى حماسية أو مشهد ضابط يبكي، فهو جيل رأى الفيديوهات، وسمع الشهود، وقرأ الوثائق"، مؤكدا أن هذه المسلسلات "علامة هلع النظام".


عدو متوهم

وكتب الناشط على حسن، أن "رأس الأفعى"، المزمع عرضه في رمضان القادم عن الجماعة التي تقدمها لك دولة العسكر كعدو، وهو امتداد لأعمال أخرى سابقة صُرفت عليها مئات الملايين من الجنيهات، مضيفا أن إعلام العسكر "يصرف نظرك عن عدوك الحقيقي لصالح عدو متوهم أو في أخطر أحواله أهون ضررا بكثير جدا من العدو الحقيقي"، مؤكدا أنه "فصل جديد من التدليس والكذب والغش لذاكرة الأمة والشعب".