ملفات وتقارير

لماذا سمح السيسي بدخول متهمين بـ"الفساد المالي" إلى البرلمان؟

قرر السيسي الأحد الماضي تعيين 28 شخصية أعضاء في البرلمان المصري- الأناضول
مع اكتمال الشكل العام للبرلمان المصري بانتخاب أعضائه واجتماع تشكيله كاملا بالمقر الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة، واختيار رئيسه ورؤساء وأعضاء لجانه الـ25 بدت الصورة العامة محبطة للمصريين، مع ظهور تورط أسماء وبينهم رؤساء لجان بقضايا فساد مالي ونصب واحتيال وتزوير وسرقة مال عام.

ذلك المشهد أعاد لذاكرة المصريين قول رئيس ديوان رئيس الجمهورية بعهد حسني مبارك، زكريا عزمي، بقاعة مجلس الشعب بالعاصمة القاهرة، قبل نحو 20 عاما بأعلى صوته إن "الفساد للركب".

وبعد انتهاء ماراثون انتخابي هو الأطول في تاريخ البلاد (99 يوما) لاختيار 568 عضوا لمجلس النواب، استحوذت الأحزاب الأربعة المشكل الأساسي لـ"القائمة الوطنية"، والتابعة للجهات السيادية: "مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"الشعب الجمهوري"، و"الجبهة الوطنية"، على 403 مقعدا بنسبة 70.9 بالمئة، بواقع 277 مقعدا للأول التابع لجهاز "الأمن الوطني"، و87 للثاني التابع لـ"المخابرات الحربية"، و65 للثالث، و24 للرابع، وهما تابعين لـ"المخابرات العامة".

وقرر السيسي الأحد الماضي، تعيين 28 شخصية، بينهم المحامي العام الأول لنيابات أمن الدولة، ورئيس الجهاز المركزي السابق المستشار هشام بدوي (68 عاما)، الذي جرى انتخابه رئيسا للمجلس، ومعه رئيس حزب "الجبهة الوطنية" وزير الإسكان السابق، ورئيس مجلس إدارة قطاعات هامة في "العرجاني جروب" عاصم الجزار بمقعد وكيل أول.

قائمة الأمن والوزراء ورجال الأعمال
وكشفت اختيارات رؤساء اللجان التي مرت جميعها بالتزكية ودون منافسة ووسط تواؤمات متفق عليها، عن حصد الأحزاب الأربعة أغلبية اللجان، وسيطرة جهاز "الأمن الوطني" وقياداته السابقة على عدد كبير، وظهور عدد لافت من الوزراء السابقين، ورجال الأعمال في تشكيل هيئة اللجان.

وترأس اللجنة "الدستورية والتشريعية" رئيس مجلس القضاء الأعلى ومحكمة النقض السابق المستشار محمد عيد محجوب، ووزير الشؤون النيابية السابق المستشار علاء الدين فؤاد (وكيل أول)، والمحامي العام الأول لنيابة (أمن الدولة) سابقا المستشار طاهر الخولي (وكيل ثاني)، والمسؤول السابق بجهاز (الأمن الوطني) اللواء خالد خلف الله (أمين السر).

وفي لجنة "الدفاع والأمن القومي" فاز رئيس حزب "حماة الوطن" وقائد القوات الجوية ووزير الطيران المدني السابق اللواء محمد عباس حلمي، واللواء إبراهيم المصري (وكيل أول)، وضابط الشرطة السابق محمد عبدالرحمن راضي (أمين سر).



وذلك إلى جانب فوز أرملة المقدم الراحل بجهاز (الأمن الوطني) محمد مبروك، رشا حسني بأمانة سر لجنة "القوى العاملة"، واللواء السابق بـ(الأمن الوطني) النائب عبدالحميد الشورى، شقيق اللواء بـ(الأمن الوطني) زينهم الشورى بعضوية لجنة "التعليم".

ومن الوزراء السابقين: فاز وزير الخارجية سامح شكري برئاسة لجنة "العلاقات الخارجية"، والعمل محمد سعفان بلجنة "القوى العاملة"، والبترول طارق الملا بلجنة "الطاقة"، والزراعة السيد القصير بلجنة "الزراعة"، والتعليم العالي أشرف الشيحي بلجنة "التعليم"، والتنمية المحلية اللواء محمود شعراوي وهو مساعد وزير الداخلية السابق لقطاع (الأمن الوطني)، بلجنة "الإدارة المحلية".

ومن رجال الأعمال: فوز سيدة الأعمال سحر طلعت شقيقة هشام طلعت مصطفى بلجنة "السياحة"، ومحمد الجارحي بلجنة "المشروعات"، وطارق شكري بلجنة "الشؤون الاقتصادية" وسامي صبحي عليوة بمنصب وكيل ثاني باللجنة، وشريف مصطفى الجبلي بلجنة "الشؤون الأفريقية"، ومحمد مجاهد برئاسة "الشباب والرياضة".

قائمة فساد
وتداول نشطاء ومعارضون بعض السير الذاتية لنواب ورؤساء لجان تشير لتورطهم وبعض عائلاتهم بقضايا فساد، وبينها: حكم قضائي من محكمة "جنح الهرم" بالحبس مدة 6 أشهر ضد النائب أحمد الشناوي رئيس مجلس إدارة شركة "إدفا للتطوير العقاري"، والعضو عن حزب "مستقبل وطن" في قضية نصب واحتيال.

إلى جانب اتهام عضو المجلس أحمد جبيلي في 7 قضايا تزوير لمحررات وخيانة أمانة وشيكات بدون رصيد، واتهام والد النائبة يارا عزت شيبة بالاستيلاء على 227 فدانا من أملاك الدولة بطريق (مصر- الفيوم)، وسجنه عامين بالقضية (رقم 8151) جنح طامية.

واتهام رجل الأعمال طارق شكري عضو "مستقبل وطن"، ورئيس مجلس إدارة شعبة الاستثمار العقاري في اتحاد الغرف التجارية، ورئيس مجلس إدارة مجموعة "عربية القابضة للاستثمار العقاري"، بالنصب.

واتهام سمير صبحي عليوة نائب "مستقبل وطن" ومالك شركة "هانزادا للاستيراد والتصدير" بقضايا اتجار باللحوم والدواجن غير الصالحة للاستهلاك الآدمي في محافظة دمياط.

واتهام النائب شريف مصطفى الجبلي عن "مستقبل وطن"، مالك شركة "بولي سيرف" المتخصصة في الأسمدة الكيميائية في القضية ( 77 لسنة 2021) بـ"النصب والتزوير".

قائمة التوريث
ولفت نشطاء إلى ما وصفوه بأنه "برلمان الشاويش المبني على التوريث"، مشيرين إلى أسماء نواب مثل: سجى عمرو هندي ابنة النائب السابق صاحب "النهار رويال للإلكترونيات"، ودينا وهدان البعلي ابنة النائب السابق وأصحاب "البعلي للأثاث"، وريهام أبوالحسن رمضان ابنة النائب السابق، وأسماء سعد سليم الجمال ابنة النائب واللواء الراحل، ومي كرم جبر زوجة النائب هيثم الشيخ ونجلة رئيس "المجلس الأعلى للإعلام" كرم جبر.

وأيضا: ريهام راشد أبوضيف شطوري والدها صاحب "شطوري للمقاولات"، ويارا عزت شيبة ووالدها صحاب "شيبة للمقاولات"، وشيرين عيسى عليش ابنة مالك "ماريدايف" للخدمات البترولية والملاحية، وفاطمة الصادق زوجة النائب السابق رحمي بكير، وياسر نصر شقيق اللواء أسامة نصر مدير أمن الغربية، والنائبة غادة أحمد أبوكريشة ابنة النائب السابق، ودنيا هاني عبدالعزيز سيف عميها النائب اللواء مجدي والنائب السابق أحمد سيف.



وتحت عنوان برلمان "صلة الأرحام"، أشار الباحث في الشؤون التشريعية عباس قباري، إلى ترشيح 4 وزراء من النواب الحاليين وبعض رجال الأعمال لأبنائهم بالقوائم الاحتياطية حال وفاتهم، ملمحا إلى أنها ضمت (14) ابن و(3) أبناء أشقاء و(26) شقيق و(6) أبناء عمومة.

وذكر أسماء: ياسمين، ابنة محمود شعراوي، وأحمد نجل محمد سعفان، ولجين نجلة عاصم الجزار، ومصطفى ابن السيد القصير، وطارق ابن محمد أبوالعينين، وأحمد نجل الصحفي مصطفي بكري.



وفي رؤيتهم لأسباب سماح الدولة المصرية بتمرير تلك الأسماء وغيرها إلى البرلمان، وما يكشفه ذلك الوضع عن تشعب واستشراء وتوغل الفساد، تحدث مراقبون للحالة المصرية، منتقدين الأوضاع في ظل حكم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي.

"ياعزيزي: كلهم لصوص"
ويرى الشاعر والناشط المصري شادي جاهين، أن "النظام الحاكم يبدو كـ(تشكيل عصابي)، اغتصب السلطة وانقلب على إرادة الشعب، وكل من تم ذكرهم يجمع بينهم ولائهم للنظام وتأييدهم المطلق له، لأن أمثال هؤلاء تكون الأنظمة الانقلابية الفاسدة بيئة خصبة لهم لينموا ويتضخموا، وتلك الأنظمة لن تجد أفضل من هؤلاء لتولي المناصب".

وقال جاهين لـ"عربي21": "لم تسمح الدولة بمرور هذه الأسماء رغم الفساد، بل سمحت بها بسبب طبيعة النظام نفسه؛ نظام يرى في البرلمان أداة قمع لا محاسبة، وفي المال السياسي ضمانا للاستقرار، وفي الفساد ثمنا لاستمرار السيطرة"، مضيفا: "يا عزيزي: كلهم لصوص، وإذا كان رب البيت بالدف ضاربا، فأنت تعلم شيمة أهل البيت".

"رأسمالية المحاسيب"
وفي تعليقه، قال الأكاديمي المصري الدكتور مصطفى الجمال، إن "الأساس الاجتماعي للسلطة هو رأسمالية المحاسيب؛ وهي رأسمالية طفيلية غير منتجة في الغالب، وتعتمد على القرابات والمصاهرات والفساد الشبكي المتبادل".

وأكد لـ"عربي21"، أن "ممثلي هذه الرأسمالية بدرجاتها يتميزون بالسلطة والثراء وقوة المناصب وبيع الولاء؛ كما أن مفاسدهم تعد بطاقة ضمان يملكها النظام فلا يفكرون في التمرد عليه".

ويعتقد الجمال، أنه "يمكن للنخبة أن تغير هذا الواقع؛ بألا تتهرب من السياسة وتبني كيانات حقيقية"، ملمحا إلى أنه "وإذا كانت السلطة ضيقت على قيادتها وقلمت أظافرها ومنعت أدوارها، فهناك حلول وفق لتجارب بعض الدولة في مواجهة الديكتاتوريات".



ولفت هنا إلى أهمية "التوعية كونها مسؤولية (النخب)"،مؤكدا أنه "وبناء على مستويات الوعي تتطور المقاومة الديمقراطية، ويفرز الجمهور نوابا وقادة حقيقيين يتكفلون ببناء أحزاب حقيقية، ونقابات فعالة، وكيانات شعبية عريضة، تكافح من أجل قضايا نوعية وجزئية".

4  أسباب بينها الولاء
وفي قراءته، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي سيد أمين: "فيما يبدو أن الحرص على ضم الأسماء المشبوهة للبرلمان يأتي في إطار انهم سيكونون الأكثر ولاء لمن أتى بهم ومن يعطيهم فرصة صناعة القوانين بدلا من أن يكونوا هم ضحاياها ويتم الزج بهم في السجون".

وأضاف لـ"عربي21"، "هذه أولا، وثانيا: مثل هذه النوعيات من الناس لديها قدرات مالية تستطيع بها شراء الذمم، فضلا عن اتساع شبكات المنتفعين منهم، وهو ما يمنح النظام شبكة أوسع من الشعبية المتآكلة حتى لو كانت شعبية من النوعيات الرديئة".

وثالثا يرى أمين، أن "النظام يستطيع التضحية بهم في أي وقت لاحق بعدما يكون قد قضى منهم وطره ومرر القوانين التي أراد تمريرها؛ وبذلك يدلل للخارج والمراقبين على أنه يتطهر، وأن هناك دولة قانون، وأنه يحارب الفساد مهما ارتقى أصحابه من مناصب".

وختم بالقول: "ورابعا: وصول هؤلاء للبرلمان يعطي رسالة طمأنة لشبكة منتفعيه بأن النظام مستقر وغير عابئ بأي مخاوف من انهياره كما تشيع المعارضة، ويزيد في المقابل من إحباط المعارضة".

قائمة الشيوخ وتضارب مريب

وعلى ذات المنوال وفي 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أثارت اختيارات رؤساء وأعضاء وأمناء سر اللجان الـ14 بمجلس الشيوخ المصري، جدلا واسعا في الشارع السياسي، لغلبة رجال الأعمال بذات مجال تخصص عمل اللجان.

ففي لجنة "الشؤون المالية"، جرى اختيار رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة رئيسا للجنة، ووزيرة الاستثمار السابقة وعضوة مجالس إدارات: اتحاد "البنوك العربية"، وشركات: "آليانز لتأمينات الحياة"، و"ابن سينا فارما"، و"إيزي كاش" للدفع الإلكتروني، سحر نصر، بمنصب الوكيل.

وعن لجنة "الصناعة والتجارة"، تم اختيار رجل الأعمال محمد حلاوة رئيسا للجنة، وفي منصب الوكيلين، مؤسس ومدير عدد من الشركات إحداها في الكويت السعيد أحمد عبدالمقصود، والمؤسس والرئيس التنفيذي لـشركة "سبرينغ بورد" لإدارة الاستثمارات سليل عائلة الرئيس أنور السادات، سامح عصمت السادات.

وبلجنة "الطاقة والبيئة والقوى العاملة"، ترأس وزير البترول السابق أسامة كمال صاحب المناصب القيادية بشركات البترول، اللجنة، إلى جانب صاحب شركة "النور للهندسة والمقاولات"، جلال عبدالله عبدالعزيز القادري، وكيلا لها.

وفي لجنة "الإسكان والإدارة المحلية والنقل"، جرى تعيين رئيس مجلس إدارة شركة "الأهلي صبور للتطوير العقاري" رجل الأعمال أحمد صبور، أمين سر للجنة.

وحول لجنة "التعليم والاتصالات"، تولى رجل الأعمال محمد نبيل دعبس رئاسة اللجنة، بجانب تولي المستثمر في مجال التعليم ورئيس مجلس أمناء جامعة "اللوتس" الخاصة في المنيا والعضو المنتدب بالشركة "المتحدة الدولية للخدمات التعليمية" نادر يوسف نسيم، منصب الوكيل، ومع حصول مديرة نادى "ريادة الأعمال" غادة البدوي أمانة سر اللجنة.

وترأس لجنة "الشباب والرياضة"، رئيس رابطة الأندية المصرية، وعضو لجنة تطوير الكرة في مصر، والرئيس التنفيذي لشركة "فيوتشر" مالكة نادي "فيوتشر"، ومؤسس شركة "زد" للاستثمار الرياضي مالكة نادي "زد" بالدوري المصري، ورئيس مجلس إدارة شركات "الصعيد الوطنية للصلب" و"ليبرتي برودكشن" و"فيوتشر أوتوموتيف"، أحمد دياب.

في حين نال منصب الوكيل، مالك شركة "العتال للحديد والصلب"، ورئيس مجلس إدارة شركة "لايت" الفضائية، ورئيس مجلس إدارة قناة "ETC" الفضائية، هاني العتال، لتذهب أمانة السر إلى رجل الأعمال نشأت حتة.



واختير لرئاسة لجنة "الصحة والسكان"، مدير المركز الطبي العالمي، ومدير إدارة الخدمات الطبية بالقوات المسلحة السابق، اللواء الطبيب هشام مسعد الششتاوي، فيما حصل مؤسس شركتي "هالي فارما"، و"طيبة فارما"، و"نيو فارما ستورز"، لتصدير وتجارة وتوزيع الأدوية، خالد قنديل على منصب أمين السر.

وفي لجنة "الزراعة والري"، جرى اختيار أحد كبار المستثمرين في قطاع الزراعة، رئيس مجلس إدارة شركة "إيفر جرين" للتجارة جمال أبوالفتوح، في منصب الوكيل، ومدير وشريك شركة "أجرومن للزراعة وتصدير المنتجات الزراعية" رجل الأعمال محمد إبراهيم شعيب، أمينا للسر.

كما عين السيسي، حينها قائمة من كبار الضباط بمجلس الشيوخ، وبينهم: الرئيس السابق لهيئة الشراء الموحد اللواء بهاء الدين زيدان، وقائد المنطقة الشمالية العسكرية اللواء سليمان الزملوط، وقائد الحرس الجمهوري السابق اللواء مصطفى شوكت، وقائد قوات الدفاع الجوي الفريق عبدالعزيز سيف الدين.