في توقيت إقليمي شديد
التعقيد، تتقاطع فيه ملفات الطاقة مع التوترات الجيوسياسية في أكثر من ساحة، جاءت زيارة
الرئيس
الجزائري عبد المجيد تبون إلى
تركيا لتسلط الضوء على مرحلة جديدة من العلاقات
بين البلدين، عنوانها الأبرز الانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية أكثر
تنظيما واتساعا، مع إطلاق
مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين أنقرة والجزائر.
وبحسب
وكالة الأناضول
التركية، فإن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وصل إلى أنقرة بدعوة من الرئيس التركي
رجب طيب أردوغان، للمشاركة في أعمال الدورة الأولى لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع
المستوى بين البلدين، حيث يناقش الجانبان ملفات سياسية واقتصادية وأمنية، إلى جانب
توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية الجديدة.
وبحسب ما نقلته
التلفزيون
الجزائري رسمية، فإن البلدين يعملان على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أوسع"،
مع التركيز على ملفات الطاقة والاستثمار والصناعة والتجارة.
لماذا تعد زيارة مفصلية؟
تحمل الزيارة الحالية
أكثر من دلالة سياسية واقتصادية، أولها أنها الثالثة للرئيس تبون إلى تركيا منذ عام
2019، وهو ما يعكس استمرارية لافتة في الزخم السياسي بين البلدين، وحرصا متبادلا على
تعزيز قنوات التواصل المباشر بين القيادتين.
لكن الأهم من ذلك هو
إطلاق مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، الذي يعد خطوة مؤسسية تنقل العلاقات
من مستوى التعاون الثنائي التقليدي إلى مستوى أكثر تنظيمًا واستدامة، يسمح بعقد اجتماعات
دورية على مستوى الرئاسة والحكومات، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات بشكل مستمر.
ويستخدم مجالس
التعاون الاستراتيجي عادة ما يستخدم بين الدول التي ترى في علاقتها شراكة استراتيجية
طويلة المدى، وليس مجرد تعاون اقتصادي أو تجاري محدود.
وفي السياق ذاته، تأتي
الزيارة في وقت يشهد فيه النظام الدولي حالة من إعادة التشكل، خاصة مع تزايد التوترات
في الشرق الأوسط، وتغير موازين الطاقة العالمية، ما يدفع العديد من الدول إلى إعادة
ترتيب أولوياتها وشراكاتها.
ملفات على الطاولة..
من السياسة إلى الطاقة
وفق ما أعلنته
الرئاسة
التركية ووسائل إعلام في البلدين، فإن أجندة اللقاءات بين تبون وأردوغان تشمل
ملفات متعددة، أبرزها، مناقشة القضايا الإقليمية والدولية، توقيع اتفاقيات تعاون جديدة،
تعزيز العلاقات الاقتصادية، وتوسيع الشراكة في مجالات الطاقة والاستثمار والصناعة.
ورغم هذا التنوع، يظل
ملف الطاقة هو الأكثر حساسية في هذه الزيارة، نظرا لتزامنها مع اضطرابات واضحة في أسواق
النفط والغاز العالمية، وعودة المخاوف من تأثيرات مباشرة للصراعات الإقليمية على سلاسل
الإمداد.
ومن المنتظر أن تتوج الزيارة بتوقيع اتفاقيات جديدة، لاسيما في قطاع الطاقة، مع إمكانية تمديد اتفاقية تزويد تركيا بالغاز الطبيعي المسال الجزائري، التي تنتهي سنة 2027، لمدة ثلاث سنوات إضافية إلى غاية 2030.
لماذا الجزائر مهمة
في الحسابات التركية؟
تمثل الجزائر بالنسبة
لتركيا شريكا استراتيجيا متعدد الأبعاد، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو الثقل الاقتصادي
أو الدور الإقليمي.
فمن الناحية الاقتصادية،
تعد الجزائر من أبرز شركاء تركيا في القارة الأفريقية، مع توسع ملحوظ في حجم التبادل
التجاري خلال السنوات الأخيرة، ودخول شركات تركية في قطاعات متعددة داخل السوق الجزائرية،
مثل البناء والصناعة والنسيج والبتروكيماويات.
وأوضح المحلل السياسي معاش بومدين فى تصريحات لبرنامج
“ضيف الصباح” بالإذاعة الجزائرية أن الجزائر وتركيا يسعيان إلى رفع حجم المبادلات التجارية الثنائية إلى 10 مليارات دولار، بالتزامن مع زيارة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى أنقرة، في وقت بلغت فيه قيمة الاستثمارات التركية في الجزائر نحو 7.7 مليارات دولار موزعة على عدة قطاعات اقتصادية وصناعية
وتنظر أنقرة إلى الجزائر
باعتبارها، بوابة رئيسية إلى شمال أفريقيا، وسوقا مهمة للصناعات التركية، ومركزا استراتيجيًا
في معادلة الطاقة الإقليمية.
وفي المقابل، ترى الجزائر
في تركيا شريكا قادرا على تقديم استثمارات وخبرات صناعية وتقنية، خاصة في مجالات البنية
التحتية والصناعات التحويلية.
الطاقة.. قلب العلاقة
بين البلدين
يعد ملف الطاقة أحد
أهم محركات التقارب التركي الجزائري، وربما الأكثر تأثيرا في رسم ملامح العلاقات الحالية،
حيث تعد الجزائر من كبار موردي
الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما منحها
أهمية متزايدة بعد التحولات التي شهدها سوق الطاقة العالمي عقب الحرب الروسية الأوكرانية،
والتي دفعت أوروبا إلى البحث عن بدائل آمنة ومستقرة للإمدادات.
وفي المقابل، تعمل
تركيا منذ سنوات على تعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة، يربط بين مناطق الإنتاج في
الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، وبين الأسواق الأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافي
وبنيتها التحتية في مجال نقل الطاقة.
وبحسب التلفزيون
الجزائري الرسمي فإن التعاون في مجال الطاقة والاستثمار يمثل أحد المحاور الأساسية
في الزيارة الحالية، مع التركيز على الغاز الطبيعي والبتروكيماويات.
وتزداد أهمية هذا التقارب
في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والتي أعادت إلى الواجهة المخاوف من اضطراب
أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع التوترات في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من
صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، ويعد نقطة حاسمة في معادلة
الطاقة الدولية، وأي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه ينعكس بشكل مباشر على أسعار
النفط عالميًا، وعلى استقرار أسواق الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.
وخلال فترات التوتر،
ترتفع أسعار النفط نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات، وهو ما ينعكس بدوره على الاقتصاد
العالمي بأكمله، وليس فقط على الدول المنتجة أو المستوردة للطاقة.
وفي هذا السياق، تبدو
الجزائر لاعبا مهما بالنسبة لأوروبا، باعتبارها أحد المصادر الأكثر استقرارًا نسبيًا
للغاز، بينما تسعى تركيا إلى تعزيز موقعها كممر رئيسي للطاقة، في حال حدوث اضطرابات
في طرق الإمداد التقليدية القادمة من الخليج.
تقارب تركي وتوتر
فرنسي
لا يمكن فصل التقارب
التركي الجزائري عن السياق السياسي الأوسع في المنطقة، خاصة في ظل التوترات المتكررة
بين الجزائر وفرنسا خلال السنوات الأخيرة، والتي دفعت الجزائر إلى إعادة تقييم علاقاتها
الخارجية.
هذا الوضع ساهم في
دفع الجزائر نحو تنويع شراكاتها الدولية، من خلال تعزيز علاقاتها مع تركيا والصين وروسيا
وإيطاليا، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الشركاء الأوروبيين التقليديين.
وفي المقابل، تسعى
تركيا إلى توسيع حضورها في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، ضمن سياسة خارجية تهدف إلى
تعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي في محيطها الإقليمي.
لماذا جاء إنشاء المجلس
الآن؟
إنشاء مجلس التعاون
الاستراتيجي بين أنقرة والجزائر يأتي في توقيت يعكس رغبة مشتركة في تحويل العلاقات
إلى إطار مؤسسي طويل الأمد.
ويتيح إنشاء المجلس
تنسيق السياسات بين البلدين، عقد اجتماعات دورية على أعلى مستوى، تسريع تنفيذ الاتفاقيات،
وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والسياسي.
وهو نموذج سبق أن اعتمدته
تركيا في علاقاتها مع عدد من الشركاء الاستراتيجيين، بهدف تعزيز استقرار العلاقات وتطويرها
بشكل مستمر.
مكاسب متبادلة
بالنسبة لتركيا، فإن
الشراكة مع الجزائر تفتح الباب أمام، تعزيز النفوذ في شمال أفريقيا، توسيع الأسواق
والاستثمارات، تأمين مصادر طاقة مستقرة، وتقوية الحضور في غرب
المتوسط.
أما الجزائر، فترى
في تركيا شريكًا قادرًا على، جذب استثمارات جديدة، نقل التكنولوجيا الصناعية،
تطوير البنية التحتية، وتوسيع شبكة علاقاتها الدولية.