هل تعرض السد الإثيوبي لخلل فني؟.. حديث عن مخاطر إغراق وضغوط سياسية

يرجح خبراء أن سبب توقف 13 من التوربينات العلوية إلى جانب توقف 3 توربينات سفلية سابقًا يعود لمشكلات إنشائية- جيتي
في أزمة تقنية تسبق قدوم فيضان النيل الأزرق في أيار/مايو الجاري، تحدثت تقارير وصور أقمار صناعية الخميس الماضي، عن حدوث خلل فني جسيم في السد الإثيوبي على النيل الأزرق، يتمثل في توقف نحو 13 توربينًا عن العمل منذ أسبوعين، وفق موقع "العربية نت".

وهو الأمر الذي يثير مخاوف سودانية ومصرية من حدوث فيضانات كارثية تضر بحياة ملايين السودانيين الذين يعانون مع حرب أهلية بدأت عامها الرابع الشهر الماضي، وقد تغرق زراعات وتحطم بنية أساسية وتهدد سدودًا على النيل الأبيض إلى جانب السد العالي في مصر، خاصة مع وصول منسوب بحيرة السد لمستوى (47 مليار متر مكعب)، في رقم في ازدياد مع دخول موسم الأمطار على الهضبة الإثيوبية.



يرجح خبراء أن سبب توقف 13 من التوربينات العلوية إلى جانب توقف 3 توربينات سفلية سابقًا، يعود لمشكلات إنشائية وأخرى في التركيب، مشيرين إلى عجز إثيوبي عن تنفيذ ما دأبت على الإعلان عنه في دعايتها لدور السد التنموي بنقل الكهرباء إلى ولاياتها الـ12، وإلى دول الجوار أيضًا، مؤكدين عدم جاهزية شبكات النقل لاستيعاب الأحمال.

وفي شباط/فبراير 2022، أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، -يحكم منذ نيسان/أبريل 2018- عند بدء تشغيل التوربينات، أن السد مشروع تنموي لتعزيز الطاقة كحلم قومي ببلاده، ومصدرًا للكهرباء لإثيوبيا ودول الجوار، وأن المياه ستتدفق لدول المصب دون إضرار بمصالحهم.

ويلمح محللون سودانيون إلى وجود جانب سياسي في أزمة توقف توربينات السد، ملمحين إلى موقف أديس أبابا المنحاز لمليشيا "الدعم السريع" في مواجهتها العسكرية مع الجيش السوداني منذ 15 نيسان/أبريل 2023، والمتوافق مع التوجهات الإماراتية والإسرائيلية وتحركاتهما المضرة بالأمن
القومي المصري والسوداني بملفات عديدة.



فماذا يجري على الأرض الإثيوبية؟ وهل هناك بالفعل عطل فني بالسد؟ وهل ذلك العطل يعني فشلًا إثيوبيًا في إدارة السد يمثل فرصة لمصر والسودان للمطالبة بالمشاركة في تسيير أعمال السد؟

إعلام متسرع ومنهجية قديمة

وفي إجابته على تساؤلات "عربي21"، قال أستاذ هندسة السدود في جامعة INTI-IU في ماليزيا الدكتور محمد حافظ: "تابعت منذ أيام صحوة بالإعلام المصري بشأن السد بعدما غابت أخباره تحت إزعاج (الحرب الأمريكية- الإيرانية) حتى كاد الشعب المصري ينسى وجود السد وتأثيره على دولتي المصب".

وأوضح لـ"عربي21"، أنه "ومع أيار/ مايو يبدأ هطول الأمطار بشكل أكبر تدريجيًا من نيسان/إبريل الجاف لتصل الأمطار لذروة معدلاتها نهاية حزيران/يونيو، حيث يبدأ فيضان النيل الأزرق في إثيوبيا مطلع تموز/ يوليو".

ولفت إلى أن "وسائل الإعلام المصرية حملت قبل أيام تحذيرات خبراء مصريين للسودان من حدوث فيضانات كبيرة مماثلة لما شهده 27 و28 أيلول/سبتمبر 2025، حين تم فتح 4 بوابات في المفيض الجانبي للسد وتصريف قرابة (750 مليون متر مكعب) إلى سد الروصيرص السوداني الذي لم يتحمل التدفقات فحدث فيضان السودان الذي وقع بعد افتتاح السد الإثيوبي رسميًا بقرابة 20 يومًا".

ومن خلال تحليله للأخبار والفيديوهات المنتشرة في الإعلام المصري، أكد الخبير المصري أن "الإعلام لا يعرف الفرق بين عمليتي (الملء) و(التشغيل)، وأن كل ما قيل عن أداء السد الأيام الثلاثة الماضية قيل بناء على منهجية قديمة كانت تصلح أثناء عملية (الملء) لكنها لا تصلح لعملية (التشغيل)".

وبين حافظ، أنه "بمثل هذه الأيام من العام الماضي، وأثناء التخزين السادس، كنت أول من طالب حكومة إثيوبيا بفتح (بوابة واحدة في المفيض الجانبي) لتصريف 200 مليون متر مكعب يوميًا أثناء عملية (التخزين النهائي) حتى لا تضطر أديس أبابا لفتح عدد كبير من بوابات المفيض الجانبي بعد امتلاء البحيرة يوم 9 أيلول/سبتمبر 2025".




وقال الأكاديمي المصري إن "إصرار إثيوبيا على أن افتتاح السد يوم 9 أيلول/سبتمبر 2025، كونه بداية العام الإثيوبي القبطي، جعلها حريصة على تخزين كل نقطة مياه لتصل لمنسوب (640 مترًا فوق سطح البحر بسعة 74 مليار متر مكعب)، ومن ثم تعثرت في تصريف المياه بشكل تدريجي حتى نهاية أيلول/سبتمبر مما اضطرها لفتح 4 بوابات في المفيض الجانبي وتصريف قرابة (750 مليون متر مكعب يوميًا) متسببة في فيضان السودان نهاية نفس الشهر".

الصور تكذب الادعاءات

وراح يوضح الوضع القائم، مشيرًا إلى أن "إثيوبيا لا تحتاج اليوم للوصول إلى منسوب (640 مترًا فوق سطح البحر) بشكل متسارع كما حدث العام الماضي، فهي لن تحتفل مرة أخرى بافتتاح السد؛ ولهذا فهي من الناحية الفنية (البحتة) قادرة على تصريف قرابة (170 -200 مليون متر مكعب يوميًا) بداية من اليوم وحتى نهاية فصل الصيف دون حدوث إزعاج للسودان ومصر".

وذهب للقول: "ببساطة عام 2025، بدأ تشغيل السد عندما وصلت المياه لمنسوب (640 مترًا فوق سطح البحر) هبوطًا لمناسيب أقل؛ بينما اليوم يعمل السد عند منسوب يقارب (628 مترًا فوق سطح البحر) متصاعدًا لمناسيب أعلى، أي أن هناك فرقًا يعادل (12 مترًا فارغًا) يحتاج لقرابة (20 مليار متر مكعب ليمتلئ)".




وأضاف: "في 2025، كان هناك قرابة (7 توربينات بالكتلة الشرقية بالسد) قادرة على تصريف المياه، بينما في 2026، هناك (13 توربينًا) قادرة على تصريف المياه، ولا حاجة أصلًا لفتح أي من بوابات المفيض الجانبي التي تسببت في فيضان السودان في أيلول/سبتمبر الماضي".

وفي قراءته الفنية أوضح أن "صور الأقمار الصناعية ليوم 29 نيسان/إبريل 2026، تُظهر بوضوح تشغيل (6 توربينات) بالكتلة الغربية للسد، وتصريف قرابة (160 مليون متر مكعب يوميًا)، وينعكس ذلك على أداء (سد الروصيرص) والذي يرمي المياه من فوق (المفيض العلوي) بكميات ضخمة، وكذلك في (سد مروي) والذي يصرف المياه بكميات ضخمة من بوابات الري إلى بحيرة ناصر، حيث لا يزال مفيض توشكي مفتوحًا منذ منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، مهدِرًا مياه النيل بالصحراء الغربية".

وأكد الخبير المصري في المياه والسدود، أن "جميع تلك الصور تكذب ادعاء خبراء مصريين حول توقف توربينات السد الإثيوبي"، متسائلًا: "هل من الناحية الفنية (البحتة) يمكن تكرار حدوث فيضان آخر بالسودان مثلما حدث عام 2025؟"، مجيبًا إنه "مستحيل في ظل وجود (13 توربينًا قادرين على العمل)".

سبق الإصرار والترصد السياسي

وعن الجانب السياسي من الأزمة، واحتمال وجود تلاعب بهدف إغراق السودان كما حدث العام الماضي، والضغط على جيش الخرطوم وإضعاف موقفه بمواجهة الدعم السريع، قال حافظ: "من الناحية السياسية، من الممكن جدًا إحداث فيضان بالسودان مع سبق الإصرار والترصد".

وبين أن ذلك قد يحدث في "حالة قيام إثيوبيا بتخفيض عدد التوربينات لأقل من 6 في الفترة بين أيار/مايو وأيلول/سبتمبر 2026، ومحاولة الوصول لمنسوب (640 مترًا فوق سطح البحر) في أسرع وقت ممكن ثم الهبوط تدريجيًا مع فتح بوابات المفيض الجانبي".




من جانبه قال الباحث السوداني وائل علي: "كنا نتوقع وجود أخطاء فنية في السد الإثيوبي لأنه ببساطة لم يتم إجراء دراسات فنية موثوقة، والدراسة الوحيدة جرت في ستينيات القرن الماضي وتكلمت عن مواصفات مختلفة وقدرات أقل عن السد الحالي، وكل الدراسات التالية ضعيفة"، معربًا عن تعجبه "من وضع شركة ساليني إمبريجيلو الإيطالية نفسها في ورطة في هكذا مشروع بتنفيذ أعمال الهندسة المدنية والإنشاءات".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أشار إلى "وجود تلاعب سياسي بملف السد الإثيوبي"، مؤكدًا أنه "منشأة هدفها الضغط السياسي على مصر وتهديدها بالجفاف وسط ندرة مائية أدت لتقليص المساحات المنزرعة للمحاصيل كثيفة استخدام المياه مثل الأرز ما تسبب في عبء على المصريين"، مضيفًا: "كما أنه جزء من مخطط لتهديد السودان بتصنيع قنبلة مائية قد تتسبب في إغراقه مع حرب أهلية طاحنة".

وبينما تشير تقارير صحفية إلى تمويل إماراتي وسعودي للسد وتؤكد تقارير أخرى حضور شركات إسرائيلية في تقديم الدعم التكنولوجي والحماية الدفاعية؛ قال الباحث السوداني إن "مُمولي السد كان لهم هدف سياسي"، ملمحًا إلى اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الثاني/يناير الماضي، أن "السد تمويل أمريكي".

ودعا علي، الحكومتين المصرية والسودانية للمشاركة في "إرسال فرق فنية للتأكد من صحة هذا الخبر، لبحث تداعيات ما يثار عن العطل الفني وما يقال عن احتمالات انهياره، ودراسة ما يمثله ذلك من خطر على تشريد مزيد من الشعب السوداني والإضرار بمصر".

وفي نهاية حديثه يعتقد أن "تسريب هذا الخبر قد يكون عملية مقصودة من جهات استخباراتية أجنبية للضغط على الجيش السوداني إذا ما حاول حسم المعركة العسكرية ضد الدعم السريع، والتلميح بفتح بوابات السد لإغراق السودان لوقف المعركة".

أخطار سد السرج وتعنت إثيوبي

وبعد 14 عامًا من البناء ورفض مطالب مصر والسودان باتفاق قانوني ملزم لإثيوبيا يحافظ لكليهما على حصصهما في مياه النيل (55.5 و18.5 مليار متر مكعب من المياه)، وينظم قواعد الملء والتشغيل، افتتحته إثيوبيا رسميًا في سبتمبر/أيلول الماضي، وبتكلفة تقارب 5 مليارات دولار، ويضم خزانًا بحجم يقارب مساحة لندن الكبرى، يمثل قنبلة موقوتة.

وفي شباط/فبراير الماضي، كشف فريق بحثي بجامعة تشابمان بكاليفورنيا يضم ممثلين من مصر والصين والهند وأمريكا ونيبال عن أنماط نشاط زلزالي مرتبطة مكانيًا بفوالق قائمة في محيط سد السرج الذي يحتجز الجزء الأكبر من التخزين الحي لسد النهضة، مع وجود تسرب للمياه الجوفية من بحيرة السد في حدود 41 مليار متر مكعب خلال فترات ملء الخزان، مع رصد وجود هبوط في أرضية السد يصل إلى نحو 40 مليمترًا.

وفي نيسان/أبريل 2011، أعلنت إثيوبيا بدء بناء سد على النيل الأزرق، لتقوم بالشهر التالي بتحويل مجرى النهر لبدء الأعمال الإنشائية، دون اتفاق مع القاهرة والخرطوم، اللتين اعترضتا على تجاوز أديس أبابا الاتفاقيات التاريخية السابقة، ليتجمد وضع السد ويتراجع الممولون الدوليون، ليأتي توقيع رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي على إعلان المبادئ مع قادة السودان وإثيوبيا في 23 آذار/مارس 2015، ليعيد أعمال السد والتمويل الدولي.

لكن في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، فشلت المفاوضات الفنية في القاهرة حول "التقرير الاستهلالي" للمكتب الاستشاري الفرنسي المعني بدراسة آثار السد، لتدخل في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، الولايات المتحدة والبنك الدولي كوسطاء في المفاوضات التي وصلت في نيسان/فبراير 2020، إلى مسودة اتفاق رفضت إثيوبيا التوقيع عليها، وقررت بدء ملء حوض السد دون توافق مع دولتي المصب، وأكملت 6 مراحل للملء بداية من تموز/يوليو 2020، وحتى الصيف الماضي بشكل منفرد، في ظل استمرار حالة الجمود الدبلوماسي.

وتأتي تطورات ملف مياه النيل في الوقت الذي يتأزم فيه ملف المياه في شمال أفريقيا، حيث انخفض نصيب الفرد من المياه في مصر إلى حوالي 510-520 مترًا مكعبًا سنويًا -نصف حد الفقر المائي العالمي (1000 متر مكعب)- ما دفع ليبيا وتونس والجزائر لإنشاء "هيئة التشاور حول المياه الجوفية للصحراء الشمالية"، إثر اجتماع بطرابلس الأسبوع الماضي.