طبول الحرب تقرع من جديد.. جبهة تيغراي تستعيد السلطة وتتحدى أديس أبابا

اعتبر مستشار إثيوبي الخطوة نكوثا صريحا عن اتفاق بريتوريا- جيتي
أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، استعادة السيطرة الكاملة على الحكومة في الإقليم الواقع شمال إثيوبيا، ما أثار مخاوف من تجدد الصراع بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي.

وقالت جبهة تحرير تيغراي، في بيان إنها استعادت مقاليد الحكم في الإقليم، في خطوة تضع نهاية فعلية لاتفاق السلام المبرم مع الحكومة الاتحادية الإثيوبية، والذي كان قد وضع حدا لواحد من أكثر الصراعات دموية وبشاعة بأفريقيا.

واتهمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي السلطات الاتحادية بالتنصل من اتفاق السلام الذي أنهى عامين من القتال الضاري.

وسردت الجبهة جملة من الانتهاكات، مؤكدة أن الحكومة المركزية عمدت إلى تأجيج صراعات مسلحة داخل الإقليم، واستخدمت سلاح المال عبر حجب رواتب الموظفين المدنيين، فضلا عن اتخاذها قرارا أحاديا بتمديد ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون تشاور أو تنسيق مع الحزب.

وحذرت الجبهة من أن الحكومة الاتحادية "تسارع بخطى حثيثة لشن حرب دموية أخرى"، في إشارة إلى انهيار جدار الثقة بين الطرفين.

توقف مسار بريتوريا

وفيما تلتزم الحكومة الاثيوبية الصمت عقب هذا التصعيد قال جيتاشو رضا مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إن موقف الجبهة الشعبية يمثل "نكوثا صريحا" عن المسار الذي أرساه اتفاق بريتوريا لمرحلة ما بعد الحرب.

وأشار في تصريح له إلى أن القوى الدولية مطالبة بضرورة التحرك العاجل، وذلك لتفادي انفجار صراع كارثي جديد في منطقة استنزفتها الحروب ولم تعد قادرة على تحمل المزيد من الدمار.

وأضاف جيتاشو، الذي شغل منصب رئيس الإدارة المؤقتة في تيغراي قبل خلافه مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإبعاده وتعيين آخر في المنصب في العام الماضي: " بيان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يشكل رفضا واضحا للوضع الذي أرساه اتفاق بريتوريا بعد الحرب، وعلى المجتمع الدولي إلى التحرك لدرء خطر اندلاع صراع كارثي في منطقة لا تستطيع تحمله".

وبإعلانها استعادة السلطة التنفيذية والتشريعية، وضعت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الحكومة الاتحادية أمام خيارين: إما القبول بالأمر الواقع، أو التحرك عسكريا لاستعادة الهيبة المركزية.

وبينما تؤكد الجبهة أنها ستمضي في تعزيز علاقاتها مع المناطق الإثيوبية المجاورة والدول المحيطة، في إشارة واضحة إلى أنها باتت تتعامل ككيان مستقل فعليا عن المركز، لا يستبعد أن يكون صمت أديس ابابا هدوء ما قبل العاصمة.

وفي هذا السياق اعتبر الباحث المختص في الشؤون الأفريقية إسماعيل ولد الشيخ سيديا أن قرار الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي هو بحد ذاته إعلان موت اتفاق السلام في بريتوريا وتدشين مرحلة جديدة من الصراع.

ولفت في تصريح لـ"عربي21" إلى أن ما حدث "محصلة لتراكمات أريد لها أن تعصف بالاتفاق؛ من أهمها التوتر الحاصل بين دولة إيريتيريا وإثيوبيا والإقصاء المقنن للجبهة كحزب سياسي إثيوبي من التسجيل كحزب سياسي".

وأضاف: "بشكل عام التيغراي لديهم نخبة مردت على حكم الكل في أثيوبيا وأعتقد أنهم سيستمرون في محاولة الذود عن تلك المكانة المفقودة بالسياسة والسلاح ولو بعد حين".

شبح حرب إقليمية

ويضع قرار جبهة تيغراي السيطرة على مقاليد السلطة في الإقليم منطقة القرن الأفريقي أمام تصعيد جديد قد تشمل تداعياته بلدان المنطقة ما قد يتسبب في موجات نزوح بشرية هائلة نحو السودان ودول الجوار، في وقت تعاني فيه المنطقة من أزمات اقتصادية وأمنية طاحنة.

كما يأتي هذا التطور في وقت توترت فيه العلاقة بين اثيوبيا وارتريا، بعد اتهام أديس أبابا لأسمرة بانتهاك السيادة الإثيوبية واحتلال أراضٍ على امتداد الحدود المشتركة في شمال البلاد عبر "شن أعمال عدائية".

انقسام بتغراي

وفيما يبدو أنه انقسام داخلي أبدت أحزاب رئيسية في إقليم تيغراي رفضها قرار جبهة تحرير تيغراي السيطرة على مقاليد السلطة في الإقليمي وإعادة بالمجلس الإقليمي الذي كان قائما قبل الحرب، وتمهيد الطريق أمام هيئة تنفيذية جديدة، محذرة من أن ذلك قد يفاقم التوترات ويهدد بعودة الصراع.

وفي بيانين منفصلين، انتقد حزب "استقلال تيغراي" وحزب "سالساي وياني تيغراي" بشدة هذه الخطوة، واصفين إياها بأنها غير شرعية ومزعزعة للاستقرار.

وأدان حزب استقلال تيغراي القرار ووصفه بأنه "عمل طائش" وانتهاك لاتفاقية السلام، محذرا من أنه قد "يدخل تيغراي في جولة أخرى مدمرة من الحرب" معتبرة أن هذه الخطوة نفذت دون استشارة واسعة.

وأعرب حزب "سالساي وياني تيغراي" عن مخاوف مماثلة، محذرا من تصاعد التوترات السياسية والعودة للصراع.

وأكد الحزب أن الوضع الأمني في تيغراي لا يزال هشا ومحفوفا بالمخاطر "ويعود ذلك في معظمه إلى استمرار امتناع كل من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي عن الانخراط في حوار جاد وحسن النية يهدف إلى وضع المنطقة على مسار مستدام نحو السلام".

جذور الصراع ومسار الأزمة

تعود جذور الصراع في تيغراي إلى تراكم المطالب القومية لمجموعة التيغراي العرقية ضد السلطات المركزية، خاصة بعد المجاعة الكبرى عام 1974 التي أطاحت بالإمبراطور هيلا سيلاسيـ وفي عام 1975، تأسست "جبهة تحرير شعب تيغراي" في مدينة ميكيلي.

انطلقت هذه الجبهة بمجموعة صغيرة من الرجال والعتاد المحدود، وتميزت بتنظيم عسكري صارم مما مكنها من قيادة الكفاح المسلح ضد نظام منغستو هايلي ماريام، لتصبح القوة الأكثر تدريبا وتنظيما ضمن التحالفات المعارضة.

شهد عام 1991 تحولا جذريا بسيطرة مقاتلي التيغراي على العاصمة أديس أبابا، وتنصيب ميليس زيناوي رئيسا للبلاد.

وعلى مدى ثلاثة عقود، سيطرت جبهة تحرير شعب تيغراي فعليا على مفاصل القرار والسياسة والأمن في إثيوبيا تحت غطاء "الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية".

ورغم تحقيق نمو اقتصادي، إلا أن هذه الفترة اتسمت بتفرد زيناوي بالسلطة وقمع المعارضة، مما ترك تركة من الفساد المستشري وتصلب النظام السياسي حتى وفاته عام 2012.

بعد رحيل زيناوي، تولى هايلي مريام ديسالين السلطة، لكنه افتقر للشرعية العسكرية والسيطرة على الأجهزة الأمنية التي ظلت بيد التيغراي، ما أدى إلى انفجار موجات من الاحتجاجات الشعبية بقيادة قوميتي الأورومو والأمهرة اللتين عانتا من التهميش لعقود.

وتحت ضغط الشارع، استقال ديسالين في 2018 ليخلفه آبي أحمد (من الأورومو)، وهو ما مثل إعلانا رسميا لنهاية هيمنة التيغراي وبداية مرحلة من الصراع المحتدم بين المركز والإقليم.

ذروة الخلاف

وصل الخلاف ذروته عام 2020 عندما أجلت الحكومة المركزية الانتخابات العامة بسبب جائحة كورونا، وهو ما اعتبره التيغراي إجراء غير دستوري.

وتحدى الإقليم السلطة المركزية بتنظيم انتخابات منفردة، فردت الحكومة بقطع التمويل المالي، مما اعتبره الإقليم إعلانا للحرب.

بعدها اندلع صراع مسلح دام وصفت جبهة التيغراي فيه بـ"المتمردة"، وتحول إلى واحد من أكثر الحروب دموية في المنطقة، وانتهى باتفاق بريتوريا للسلام في أواخر 2022 الذي نص على تشكيل إدارة مؤقتة وتفكيك الهيئات المنتخبة في الإقليم.

ومطلع الأسبوع الجاري عاد التوتر من جديد بإعلان الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، استعادة السيطرة على حكومة الإقليم، مما يعني فعليا إلغاء اتفاق السلام مع الحكومة الاتحادية الإثيوبية، وسط مخاوف من عودة الصراع من جديد وما قد يخلفه من تداعيات على بلدان المنطقة التي تعيش اضطرابات أمنية وسياسية.