في ظل تحولات جيوسياسية
متسارعة، انطلقت الاثنين في العاصمة السنغالية أعمال النسخة العاشرة من "منتدى
داكار الدولي حول السلام والأمن في إفريقيا" بمشاركة ممثلين عن 42 دولة بينهم
قادة دول ووزراء خارجية ووفود من داخل وخارج القارة.
ويبحث القادة والأكاديميون
والخبراء العسكريون على مدار يومين، سبل صياغة رؤية إفريقية خالصة لمواجهة التحديات
الأمنية والسياسية التي تعصف بالقارة.
وتكتسب هذه النسخة
أهمية خاصة، لكونها الأولى التي يفتتحها الرئيس السنغالي الجديد باسيرو ديوماي فاي
منذ وصوله إلى السلطة.
ويمثل حضور فاي، الذي
يتبنى خطابا يركز على "السيادة الوطنية والشراكات المتوازنة"، تحولا في هوية
المنتدى، الذي كان يُنظر إليه تاريخيا كمنصة قريبة من المقاربات الغربية، وخاصة الفرنسية.
ووفق متابعين فإن العناوين
البارزة لنسخة المنتدى العاشرة "تعكس تحولا عميقا في الوعي السياسي الإفريقي"
في ظل تنامي الدعوات المطالبة بفك الارتباط بالوصاية التاريخية للقوى التقليدية.
أجندة المؤتمر
وتضمنت أجندة المؤتمر
نقاشات بين المشاركين حول ضرورة فك الارتباط التكنولوجي بالقوى الكبرى، محذرين من أن
من يملك البيانات يملك القرار، وطرح الخبراء استراتيجيات لبناء بنية تحتية رقمية إفريقية
تحمي الأمن القومي للقارة من التجسس والاختراق السيبراني.
كما تتضمن أجندة المنتدى
جلسات نقاش حول إدارة الثروات الاستراتيجية بعيدا عن "التغول" الأجنبي، وحوكمة
جديدة تضمن استفادة الشعوب الإفريقية من معادنها ونفطها، في ظل التنافس المحموم بين
القوى التقليدية (الغرب) والقوى الصاعدة (الصين وروسيا).
وأدرجت ضمن أجندة المؤتمر
أيضا جلسة نقاش حول الانقلابات العسكرية بالقارة، حيث تحكم خمس دول أفريقية حاليا مجالس
عسكرية إثر موجة الانقلابات الأخيرة في القارة.
بنبرة سيادية حازمة
وفي خطاب اتسم بنبرة
سيادية حازمة، رسم الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي ملامح مرحلة جديدة من التعاطي
الإفريقي مع الملفات الأمنية والاستراتيجية، مؤكدا خلال افتتاح المنتدى أن القارة السمراء
لم تعد تقبل بلعب دور التابع في معادلات القوى الدولية.
وشدد الرئيس السنغالي
في كلمته على ضرورة اضطلاع
أفريقيا بمسؤولية سيادتها بشكل جلي وواضح، مبرزا أنه لم
يعد من المقبول، بأي حال من الأحوال، رهن الأجندة الأمنية للقارة بإملاءات خارجية تُصاغ
في عواصم بعيدة.
وأضاف فاي :
"يجب ألا تُفرض أولوياتنا وفق مصالح أجنبية، أو أن يُشغل فضاؤنا الاستراتيجي دون
موافقتنا الصريحة"، في إشارة واضحة إلى رفض القواعد والتدخلات العسكرية التي لا
تخدم الأهداف الوطنية للشعوب الإفريقية.
وشدد على أنه
"لم يعد ينبغي لأفريقيا أن تكتفي بكونها مركزا لأطماع القوى الكبرى، ولا ساحة
للتنافس في مجالي الطاقة والمعادن، كما لا ينبغي لها أن تبقى متفرجة على إعادة تشكيل
موازين القوى العالمية الجارية، بل يجب أن نكون فاعلين وأكثر ديناميكية في هذا المسار".
ولفت إلى أن العالم
يشهد حاليا "حالة من عدم الاستقرار العميق، مع أزمات كبرى ذات تأثيرات هائلة"،
موضحا أنها "أضعفت التوافقات متعددة الأطراف، وأعادت النظر في التحالفات والتوازنات
الإقليمية"، مستشهدا بحرب
الاحتلال الإسرائيلي على غزة، وما تحمله من "صور
مأساوية تمس الضمائر وتؤثر في النفوس".
أفريقيا في عين العاصفة
وعلى الصعيد الاقتصادي،
حذر فاي من انقسامات تجارية حادة تضرب مفاصل القوى الكبرى، مشيرا إلى بروز نزعة متزايدة
نحو "
الحمائية الاقتصادية" وانغلاق غير مسبوق في الأسواق العالمية.
وأكد أن إفريقيا، بدلا
من أن تكون في مأمن، تجد نفسها في عين العاصفة، متأثرة بكل هذه الهزات، مما يفرض عليها
مواجهة تحديات مركبة تبدأ من النزاعات المسلحة والإرهاب، وصولا إلى الجريمة المنظمة
العابرة للحدود والقرصنة البحرية.
وأشار إلى أن
"توسع الإرهاب، وانتشار التضليل الإعلامي، والجريمة السيبرانية، تشكل تهديدات
خطرة للديمقراطيات الإفريقية وللبنى التحتية الحيوية".
بدوره قال الرئيس الموريتاني
محمد ولد الشيخ الغزواني إن "التفاوتات الاجتماعية، والتوترات الداخلية، وضعف
الحوكمة، والارتباك المؤسسي، والهشاشة الاقتصادية، وتداعيات التغير المناخي، فضلا عن
تنامي نشاط الجماعات المسلحة غير النظامية، عوامل تُلقي بثقلها على تماسك المجتمعات
الأفريقية".
وشدد في كلمة خلال
المؤتمر على أن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، مهما
بلغت ضرورتها "بل تقتضي اعتماد رؤية شاملة ومتكاملة، ترتكز على تحسين الحوكمة
السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتهدئة الحياة السياسية عبر الحوار والتوافق، وتعزيز
دولة القانون، وترسيخ أنظمة ديمقراطية تضمن التداول السلمي على السلطة، فضلا عن ضمان
النفاذ العادل إلى شروط العيش الكريم، والاستثمار الجاد في الشباب من خلال التعليم
والتكوين والتشغيل".
تحدي السيادة
الرئيس الموريتاني
محمد ولد الشيخ الغزواني شدد خلال كلمته في المنتدى على أن "السيادة في مفهومها
التقليدي القائم على الاستقلال المطلق في القرار والتحرر الكامل من كل تأثير خارجي،
لم يعد اليوم سوى تصور نظري محدود الصلاحية، ذلك أن واقع العالم المعاصر يفرض أشكالا
متعددة من الاعتماد المتبادل، ويجعل السيادة مرتبطة بقدرة الدول على التحكم في مستويات
تبعيتها، وتقليص مواطن هشاشتها، وتعزيز قدرتها على الصمود".
وأضاف أنه: "من
هذا المنطلق، تتعدد أبعاد السيادة لتشمل السيادة الغذائية، والطاقوية، والمائية، والاقتصادية،
والرقمية، والسيادة الصحية، وغيرها".
وأشار إلى أنه
"في عالم تحكمه موازين القوى والنفوذ، لم تعد السيادة تُقاس فقط بالاستقلال القانوني،
بل بمدى قدرة الدول على حماية مواردها الاستراتيجية، والدفاع عن مصالحها الحيوية، والتأثير
الملموس في مسارات الحوكمة الدولية".
وشدد على أن
"الاندماج الإفريقي يشكل ركيزة مركزية لتعزيز هذه السيادة، لأنه يحدّ من الارتهان
للخارج، ويعزّز التكامل بين اقتصاداتنا، ويقوّي حضور إفريقيا وصوتها على الساحة الدولية،
بما يمكنها من الدفاع بصورة أفضل عن مصالحها، والاضطلاع بدور أكثر تأثيرًا في الشؤون
العالمية".
وخلص الغزواني للقول:
" الاستقرار والاندماج والسيادة ليست قضايا منفصلة، بل هي الأبعاد الثلاثة المتلازمة
لمشروع إفريقي واحد، مشروع تاريخي قوامه بناء قارة قوية، متماسكة، وقادرة على رسم مصيرها
بنفسها، ولن تتجسد طموحات أجندة إفريقيا 2063 إلا من خلال هذا التكامل: إفريقيا مستقرة
في مؤسساتها، مندمجة في اقتصادها، وسيدة في قراراتها وخياراتها".
أزمات القارة
ووفق متابعين تواجه
القارة الإفريقية العديد من التحديات أبرز تلك المتعلقة بالنزاعات الحدودية وتمدد الجماعات
المسلحة والحروب الأهلية، حيث تشكل الحرب المستمر في السودان منذ ثلاث سنوات والصراع
في الكونغو الديمقراطية والاضطرابات في دول الساحل الأفريقي نماذج لهذه التحديات.
وعلى الصعيد الاقتصادي،
ترزح القارة تحت وطأة أزمات هيكلية حادة فاقمتها تقلبات الأسواق العالمية والنزاعات
الجيوسياسية بين القوى الكبرى، ويهدد التضخم الجامح واتساع فجوة الفقر السلم الاجتماعي،
ويدفع بكتلة بشرية شابة نحو الهجرة والنزوح.