أعلنت الحكومة السورية اعتزامها إنشاء مركز متخصص للصيرفة الإسلامية، مؤكدة عزمها تطوير القطاع المصرفي الإسلامي، والهدف كما يبدو جذب المصارف الأجنبية الإسلامية إلى البلاد التي تحاول التعافي من آثار حرب مدمرة.
وفي التفاصيل، أجرى حاكم مصرف
سوريا المركزي عبد القادر الحصرية مباحثات مع الرئيس التنفيذي لمجلس الخدمات المالية الإسلامية غياث شابسيغ، إنشاء مركز متخصص للصيرفة الإسلامية.
وتابع بأن "المركز يستهدف تطوير آليات الخدمات المصرفية الإسلامية وتوسيع نطاقها لتلبية احتياجات الأفراد والشركات، إلى جانب تعزيز الثقة في هذا النوع من التمويل، ضمن رؤية تسعى إلى تعزيز مكانة سوريا مستقبلا كمركز إقليمي للخدمات المالية الإسلامية".
واعتبر حصرية ذلك، ضمن إطار توجه أوسع للاستفادة من الطلب المتزايد على المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة، لافتا إلى "موقع سوريا الجغرافي وإمكاناتها
الاقتصادية، ما يفتح أمامها فرصاً جديدة للنمو والاستثمار".
أدوات تمويل جديدة
وتعد سوريا من بين الدول "الضعيفة" في مجال
الصيرفة الإسلامية، بحيث لم يتجاوز عدد المصارف الإسلامية فيها إلا 3 فقط رغم أن القوانين السورية سمحت بإنشاء المصارف الإسلامية في العام 2006.
وتعليقا على ذلك، رأى الأكاديمي والخبير الاقتصادي يحيى سيد عمر أن اعتزام مصرف سوريا المركزي نحو إحداث مركز متخصص بالصيرفة الإسلامية، يعكس توجها لإعادة تنظيم هذا النشاط وتعزيز حضوره داخل المنظومة المصرفية، في سياق بحث أوسع عن أدوات تمويل جديدة تتلاءم مع خصوصية السوق المحلية، وتفتح في الوقت نفسه نوافذ للمعاملات المالية الخارجية.
وأوضح لـ"عربي21" أن فكرة المركز لا تعني إنشاء بنك جديد أو تقديم خدمات مباشرة للعملاء، بل تقوم على تأسيس جهة تنظيمية وفنية تتولَى وضع المعايير، وتطوير المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة، إلى جانب تدريب الكوادر وتحسين مستوى الامتثال للمعايير الدولية، وبهذا المعنى، يتحول المركز إلى منصة تنسيق بين المصرف المركزي والبنوك الإسلامية العاملة، بما يساعد على توحيد المرجعيات وتقليل التباين في التطبيق.
وأشار سيد عمر إلى أن القطاع المصرفي الإسلامي في سوريا ليس وليد اللحظة، إذ توجد مصارف تعمل وفق هذا النموذج منذ سنوات، لكنها واجهت تحديات مرتبطة بضعف البيئة التشريعية وتفاوت الخبرات الفنية، وإنشاء مركز متخصص يشير إلى محاولة معالجة هذه الثغرات، عبر بناء إطار أكثر وضوحا واستقرارا، ما ينعكس على جودة الخدمات وثقة المتعاملين.
الطلب المحلي
وبحسب الخبير الاقتصادي، يرتبط التحرك نحو الصيرفة الإسلامية أيضا بطبيعة الطلب المحلي، حيث يفصل جزء من المتعاملين منتجات تمويل متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وهذا الطلب ظل قائما حتى في ظل التراجع الاقتصادي، ما يجعل تطوير هذا القطاع خيارا عمليا لتعزيز الشمول المالي وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المصرفية.
ولفت سيد عمر إلى أن بعض الأفراد والمستثمرين يحتفظون بأموالهم خارج النظام المصرفي الرسمي لأسباب تتعلَق بالاعتبارات الدينية أو تفضيل الصيغ المتوافقة مع الشريعة، وهو ما يجعل من تطوير الصيرفة الإسلامية مدخلا يمكن أن يسهم في استقطاب جزء من هذه السيولة وإدخالها ضمن الدورة المالية الرسمية.
كما يحمل المشروع بعدا يرتبط بإعادة تنشيط أدوات التمويل، حيث تتيح الصيرفة الإسلامية استخدام صيغ مثل المشاركة والمضاربة والصكوك، وهي أدوات يمكن أن تسهم في تمويل مشروعات إنتاجية دون الاعتماد الكامل على القروض التقليدية، وهذا التنوع قد يمنح الاقتصاد مرونة إضافية، خاصةً في بيئة تعاني من محدودية الموارد، كما يؤكد الخبير الاقتصادي.
ماذا عن جذب الاستثمارات الخارجية؟
وبخصوص الاستثمارات الخارجية، ومساعدة مركز الصيرفة الإسلامية على جذبها للداخل السوري، يقول السيد عمر، يمكن القول إن تطوير الصيرفة الإسلامية يرسل إشارات إيجابية محدودة، فهذا النوع من التمويل يحظى باهتمام المستثمرين في دول تعتمد هذا النموذج، خصوصا في منطقة الخليج، حيث تتوافر سيولة تبحث عن فرص متوافقة مع الشريعة، ووجود إطار تنظيمي واضح يمكن أن يسهل التواصل مع هذه الشريحة، ويمنحها قدرا من الاطمئنان.
واستدرك: "مع ذلك، تبقى قدرة هذه الخطوة على جذب استثمارات كبيرة مرتبطة بعوامل أوسع، من بينها البيئة الاقتصادية العامة التي تلعب دورا حاسما، بما يشمل استقرار سعر الصرف، ووضوح القوانين، وسهولة تحويل الأموال، إضافة إلى مستوى الشفافية وكفاءة المؤسسات المالية، هذه العناصر مجتمعة تشكل الأساس الذي يبني عليه المستثمر قراره".
أكثر احترافية
من جهته، لفت الأكاديمي الخبير المالي فراس شعبو، إلى ضعف سوق المصارف الإسلامية في سوريا، ويقول لـ"عربي21": "المركز قد يطور عمل المصارف ويجعلها أكثر احترافية، ما يشجع على افتتاح مصارف أخرى".
وأردف قائلا، إن سوريا تحتاج إلى نظام مصرفي إسلامي فعال، ويوضح: "سوريا تحتاج إلى بنية تحتية مالية إسلامية من حيث التشريعات والرقابة والصيغ الإسلامية، وخاصة أن سوريا تُعاني من ضعف الائتمان".
وعن مساهمة المركز في جذب الاستثمارات الخارجية، رأى شعبو أن مركز الصيرفة الإسلامية قد يخدم هذا الغرض بشكل محدود، ويكمل بقوله: "المركز بوابة قد تساهم في زيادة التمويل، ومن الممكن أن يكون هناك تنوع في الاستثمارات، وقد نشهد تمويلا إسلاميا حقيقيا في الداخل السوري رغم ضعف الخبرات المصرفية السورية".
وبالمحصلة، يمكن اعتبار أن إنشاء مركز للصيرفة الإسلامية يمثل خطوة تنظيمية تحمل طموحا اقتصاديا محسوبا، سيما وأن يتركز تأثيرها المباشر هو تحسين بيئة العمل المصرفي الداخلي، بينما يظل دورها في جذب الاستثمارات الخارجية مرتبطا بتطورات أوسع تتجاوز حدود القطاع المالي.