موازنة مثقلة بالديون.. أين تذهب تريليونات المصريين؟

سداد القروض المحلية يرتفع إلى 1.4 تريليون جنيه (حوالي 28 مليار دولار)- عربي21
جاء البيان التحليلي للموازنة المصرية للعام المالي المقبل (2026/2027)، الذي يبدأ في تموز/يوليو المقبل، صادمًا لما يحمله من أرقام مفزعة حول بند الديون المحلية والأجنبية، الذي كشف عن أقساط وفوائد تصل إلى نحو 5.227 تريليون جنيه (حوالي 104.5 مليار دولار)، بزيادة 19.2 بالمئة مقارنة بالعام الحالي، مبينًا اعتماد موارد الموازنة الجديدة على الاقتراض بنسبة 49.1 بالمئة.

وقدّر البيان قيمة أقساط القروض المحلية والأجنبية التي ستتحملها مصر بنحو 2.807 تريليون جنيه (حوالي 56.1 مليار دولار)، مقابل 2.08 تريليون جنيه بالعام الحالي، بزيادة 6.5 بالمئة، مع تسجيل الفوائد حوالي 2.419 تريليون جنيه (حوالي 48.4 مليار دولار) مقابل 2.298 تريليون جنيه (حوالي 46 مليار دولار)، بزيادة 5.3 بالمئة، ما يمثل نحو 60 بالمئة من الإيرادات.

وأوضح أن سداد القروض المحلية يرتفع إلى 1.4 تريليون جنيه (حوالي 28 مليار دولار)، مقابل 832.7 مليار جنيه، مع وجوب سداد 337.4 مليار جنيه (حوالي 16.7 مليار دولار) عن القروض الأجنبية، مقابل 483.2 مليار جنيه (حوالي 9.7 مليار دولار).

وسجلت نسبة إجمالي دين الحكومة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 89.5 بالمئة، وبذلك فإن مخصصات سداد القروض والفوائد تبلغ 64 بالمئة من استخدامات الموازنة الجديدة.

في حين ينال باقي الاستخدامات نسبة 36 بالمئة فقط، كالتالي: الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية 10.2 بالمئة، والأجور وتعويضات العاملين 10 بالمئة، والاستثمارات 6.8 بالمئة، وشراء السلع والخدمات 3.5 بالمئة، والمصروفات الأخرى 3 بالمئة، وحيازة الأصول المالية 2.3 بالمئة.

وكشفت وزارة المالية المصرية أن الاحتياجات التمويلية للموازنة الجديدة تبلغ 4.01 تريليون جنيه، مقارنة بـ3.57 تريليون جنيه في العام الحالي، بزيادة 12.25 بالمئة، معلنةً عن إصدار أدوات دين محلية بقيمة 3.415 تريليون جنيه لسد هذه الاحتياجات التمويلية، مقابل 3.175 تريليون جنيه، بزيادة 7.5 بالمئة، إلى جانب 594.6 مليار جنيه يجري جمعها عبر إصدارات بعملات أجنبية.

وتشير مصادر الموازنة إلى أن الاقتراض وإصدار الأوراق المالية من أذون وسندات يغلبان على إيراداتها بنسبة 49.1 بالمئة، ليصل بند الضرائب إلى 43.2 بالمئة، ما يشير، وفق محللين، إلى استمرار ذات السياسات الحكومية بالاقتراض وزيادة نسب الضرائب على المصريين.


مؤشرات عام قاسٍ

وتشير مؤشرات الموازنة الجديدة إلى عام يحمل الكثير من الضغوط المالية والاقتصادية على 108.8 ملايين مصري، وخاصة في ملفات الصحة والتعليم والدعم، التي جاءت أرقامها أقل من النسب الدستورية للأولى والثانية، وأقل من العام السابق في الثالثة، مع غلبة فوائد الديون على مخصصات الميزانية وتغولها على بنود مصروفاتها الثمانية: (الأجور، وشراء السلع والخدمات، والفوائد، والمصروفات الأخرى، والاستثمارات العامة، والدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، ومخصصات سداد القروض، وحيازة الأصول المالية).

وجاءت مخصصات الإنفاق على التعليم والصحة بنسبة 1.51 بالمئة و1.72 بالمئة من الناتج المحلي، على الترتيب، ما يوازي 50 بالمئة و28.6 بالمئة من الحد الأدنى للإنفاق الذي اشترط الدستور ألا يقل عن 3 بالمئة و6 بالمئة من الناتج المحلي، فيما كشفت التقديرات عن تراجع بنسبة 79 بالمئة في دعم المواد البترولية.

وبينما تعدى سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار 53 جنيهًا، ورغم اعتماد الموازنة الحالية سعر الدولار بـ49 جنيهًا، تضع الموازنة الجديدة متوسطًا لسعر صرف الدولار عند نحو 47 جنيهًا، إلا أن استمرار انخفاض قيمة العملة المحلية يزيد من القيم المعلنة لمدفوعات الدين المقومة بالعملات الأجنبية، وبالتالي تآكل مصروفات الموازنة لصالح سداد أقساط وفوائد الديون.

والخميس، انخفض سعر الجنيه بنحو 80 قرشًا دفعة واحدة مقابل الدولار إلى نحو 54 جنيهًا، وهو الانخفاض الذي يأتي كإحدى تبعات الحرب "الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران، وما تبعها من هروب للمستثمرين في أدوات الدين المصرية، ويعني عودتها مجددًا تراجع إيرادات السياحة وقناة السويس.

وبينما تشير أرقام مشروع الموازنة الجديدة إلى خفض مصر توقعاتها لإيرادات قناة السويس إلى 6.25 مليارات دولار، من 9.399 مليارات دولار عام (2022/2023)، تواصل الحكومة المصرية مشروعاتها الترفيهية وغير ذات الجدوى والخارجة عن الأولويات المنطقية واحتياجات المصريين، وفق محللين.

ومن المفارقات في هذا الإطار، خصصت الحكومة مبلغ 12.03 مليار جنيه للحي الحكومي بالعاصمة الإدارية، مقابل 4.35 مليار جنيه بالعام المالي الجاري، بزيادة 177 بالمئة، حيث رصدت الموازنة 7 مليارات جنيه مقابل حق الانتفاع بمباني الحي الحكومي للمرة الأولى، إلى جانب 3.8 مليار جنيه لمصروفات صيانة المباني، مقابل 3.2 مليار جنيه، و678.1 مليون جنيه لبدلات انتقال الموظفين، مقابل 652.8 مليون جنيه، و554.8 مليون جنيه لبدل السكن للموظفين، مقابل 498.7 مليون جنيه في العام المالي الجاري.

تداعيات التريليونات الخمسة

وعن أرقام الموازنة الجديدة (2026/2027)، قال الخبير الاقتصادي ممدوح الولي: "يتم وضع الكثير من الأرقام والجداول، ويتم اختيار الجزء الذي تريد الحكومة أن تُظهره للجمهور؛ ولكن عندما يتحدث وزير المالية، فسوف يعلن عن أرقام أخرى مغايرة موجودة في ذات الجداول أيضًا"، مشيرًا إلى وجود "3 بيانات: الإحصائي، والتحليلي، والمالي".

وفي حديثه لـ"عربي21"، لفت إلى حجم خطورة رقم خدمة الدين البالغ نحو 5.227 تريليون جنيه، موضحًا أن "تكلفة الدين (فائدة وأقساط قروض) المفروض سدادها خلال العام تساوي 64 بالمئة من مصروفات الموازنة، بينما باقي استخدامات الموازنة بكل تنوعاتها يصلها فقط 36 بالمئة".

وأشار إلى ما يعتبره البعض تلاعبًا بإعلان أرقام والتغطية على أخرى، مبينًا أن البيان "يعلن بند المصروفات الذي يأخذ 6 أبواب من الموازنة، بينما استخدامات الموازنة مكونة من 8 أبواب، متجاهلًا في ذلك بند سداد الأقساط، ويذكر فقط بند فوائد الديون التي تبدو كنسبة بسيطة من المصروفات وتبلغ 29.6 بالمئة؛ فتظهر استحقاقات الدين بأقل من قيمها الحقيقية، بينما يجب حساب تكلفة الدين من فوائد وأقساط معًا".

ولفت الكاتب المصري إلى أن الدولة تقترض لسداد تكلفة الدين، ملمحًا إلى أنها "تقول إنها تسدد الأقساط، ولكن في الحقيقة تلك الأموال لم تكن لديها بالخزينة العامة، وإنما اقترضتها مجددًا، وبند الاقتراض بجدول الموازنة يفوق 4 تريليونات جنيه مقرر اقتراضها، فيما يبلغ جزء الفوائد وحده 2.4 تريليون جنيه".

والاثنين الماضي، طرح البنك المركزي المصري عطاءً لأذون خزانة مقومة بالدولار، باع من خلاله أذونًا لأجل 364 يومًا بقيمة 934 مليون دولار، لإعادة تمويل أذون مماثلة بقيمة 985 مليون دولار يستحق سدادها الثلاثاء الماضي، فيما يقوم البنك المركزي بإعادة طرح 6 عطاءات مقومة بالدولار على مدار العام، مع اقتراب موعد استحقاق كل منها.

وأضاف الولي: "عندما تعلن الحكومة عن العجز الكلي في الموازنة، لا تضع أرقام الأقساط لأنها أكبر من قيم الفوائد؛ فيظهر الرقم الخاص بالعجز الكلي بالموازنة قليلًا، ويبلغ هنا 1.2 تريليون جنيه، وعندما يُنسب إلى الناتج المحلي الإجمالي يصبح رقمًا قليلًا، وبنسبته إلى مجموع استخدامات الموازنة يصبح 14.7 بالمئة فقط، ما يعني أداءً عالميًا".

وكشف رئيس تحرير صحيفة "الأهرام" الحكومية سابقًا أن أثر تلك الأرقام كبير على باقي استحقاقات الموازنة، مبينًا أن "ما يُعلن من أرقام عبارة عن تقديرات، لأن الموازنة تبدأ في تموز/يوليو المقبل، ومع أي توتر إقليمي محتمل جديد لا نعرف هل يمكنه تحصيل أرقام الإيرادات"، موضحًا أنه حتى الأرقام المعلنة للتعليم والصحة مثلًا، فإن الرقم المعلن من الوزير في البرلمان أضخم من رقم البيان التحليلي.

مفارقات الموازنة

وتحدث عن عدة مفارقات، مؤكدًا أنه "مع حجم الديون ستضطر الحكومة لتقليل المصروفات"، موضحًا أن "تقديرات الموازنة للإنفاق على الاستثمارات المحلية من مدارس ومستشفيات وطرق وغيرها، تبلغ 554 مليار جنيه، وهو رقم لا يتم تنفيذه منذ 2014"، مضيفًا: "والعبرة في ذلك تكون بالحساب الختامي الذي يصدر عقب انتهاء الموازنة بنحو 6 أشهر، وبالموازنة الجديدة يظهر في كانون الأول/ديسمبر 2027".

المفارقة الثانية، وفق رؤية الولي، أنه "لا يجري تنفيذ رقم الدعم المعلن بـ833 مليار جنيه، كما أن به مغالطة لأنه أُدخل فيه مبلغ بقيمة 169 مليار جنيه أقساط المعاشات، وهي مديونية على الحكومة منذ المضاربة بأموال التأمينات بعهد حسني مبارك، تدفعها كأقساط على 50 عامًا، وهي هنا تُوضع في الدعم وليس في بند سداد القروض"، ملمحًا كذلك إلى "وجود 66 مليار جنيه احتياطي في بند الدعم، ما يعني أنه رقم قد يتم ضخه وقد لا يتم".

وأكد أن "الحكومة في النهاية تقوم بتضخيم رقم الدعم الذي أبدًا لا يحدث، ومثلًا تضع في بند دعم الكهرباء مبلغ 104 مليارات جنيه تذهب كثمن للوقود المخصص لمحطات إنتاج الكهرباء ولا تدخل جيب المواطن"، لافتًا كذلك إلى "تأخير الدعم التصديري لمدد تصل إلى 3 و4 سنوات، ما يعني أن رقم دعم الصادرات البالغ نحو 48 مليار جنيه هو الآخر لا يتحقق كل عام، بل يُدرج في الموازنة ليصبح رقمًا كبيرًا".

وأشار إلى "رقم آخر معلن ولا يتحقق، وهو بند (شراء السلع والخدمات) المخصص له 289 مليار جنيه لتوفير احتياجات دواوين 34 وزارة و27 محافظة، إذ يتم تأخير مستحقات الموردين والمقاولين، ما يؤثر على تنفيذ المشروعات؛ لذا فالعبرة بالبيان الختامي، وعندها سنجد رقمًا آخر غير المعلن الآن، وللأسف لا أحد يهتم بالبيان الختامي".

وحول بدائل الحكومة في ظل متطلبات الديون بالموازنة الجديدة، وتراجع قيمة الجنيه وإيرادات قناة السويس وتعثر برنامج الطروحات، قال نقيب الصحفيين المصريين الأسبق: "صانع القرار المالي، وهو هنا وزير المالية، لديه إيرادات غير كافية للمصروفات، فيضطر لرفع بعض الإعفاءات من ضريبة القيمة المضافة، وزيادة قيم الرسوم والتراخيص والأوراق والمحررات وغيرها من بنود الدخل لزيادة إيراداتها، وفي المقابل يقلل بند المصروفات، ما يعني أن ما ذُكر من أرقام قد لا يتم تنفيذه، وأن الأرقام الفعلية التي ستُنفذ أقل بكثير، والنتيجة تعثر مشروعات التنمية وتأخر مستحقات الموردين والمتعاملين مع الحكومة".

وبشأن رؤيته لروشتة الخروج بموازنة تدعم المواطن، قال إنه "يجب النظر أولًا إلى أسباب ما وصلنا إليه برقم دين بلغ 64 بالمئة من استخدامات الموازنة، و36 بالمئة فقط من الموازنة للصرف على الشعب، ومن ورّط البلاد واستمر في الإنفاق الترفي والاقتراض وغياب الأولويات، ما يفاقم الخطر على المواطن والنشاط الاقتصادي وحركة السوق ونشاط المقاولين والموردين والدفع نحو البطالة وعدم تنفيذ الحد الأدنى للأجور".