الملك هو الملك… رحلة تشارلز الثالث الأمريكية

سامح المحاريق
جيتي
جيتي
شارك الخبر
يصل الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفي صحبته تاريخ يمتد إلى ثلاثمئة سنة منذ استقرار الملك جورج الأول في قصر سانت جيمس في 1714، ومعه واقعٌ صعب، فالأسرة الملكية الواسعة تعاني من ارتدادات تطورت، شقيق الملك الأمير أندرو في فضائح مرتبطة برجل الأعمال جيفري أبيستن، والأسرة الصغيرة تتابع تقلبات ابنها الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل، والملك نفسه يمشي محاطًا بأشباح زوجته السابقة الأميرة ديانا سبنسر، التي ما زالت تشكل إحدى مفردات الحنين للقرن العشرين وأحلامه وأوهامه.

العلاقات البريطانية ـ الأمريكية ليست في أفضل أحوالها، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يكيل اللوم والعتب، بين وقت وآخر للبريطانيين، ويوحي في خطابه بأنهم جزء من الماضي، ولا يظهر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في اللياقة السياسية اللازمة، التي تجعله يقدم بلاده بالصورة اللائقة عندما يأتي الأمر إلى العلاقة مع الولايات المتحدة، بل إن أوروبا كلها تعاني من حالة الانفلات في خطاب الرئيس ترامب ومحاولته تقزيم أوروبا، من خلال اللفتات الرمزية التي وصلت إلى ذروتها في صورة القيادات الأوروبية التي جلست حول مكتبه في أغسطس 2025.

الشخصية المثقفة والعميقة للملك تشارلز وتراثه التاريخي الممتد لقرون من الزمن، استطاعت أن تمنحه حصانة كبيرة وهو يتحدث في البيت الأبيض ويوجه العديد من الرسائل، التي يبدو أن الرئيس الأمريكي ليس مؤهلًا لالتقاطها بالكامل لظروف تتعلق بمدى ثقافته وقدرته على استيعاب المجازات البلاغية المطعمة بالإشارات التاريخية، ولكن ملامح وجه الملك وإيقاع الضحكات التي خرجت ممن فهموا تلميحاته الساخرة، كان كافيا لأن يضع الرئيس الأمريكي في أجواء المشهد الصعب الذي كان يعيشه، ويجعله يدرك أنه يواجه استهدافا ملكيا واضحا يحاصره بالأسئلة والاحتمالات.

أعاقت ضحالة ترامب قدرته على الرد على الملك بأسلوب الاستخفاف والسخرية، الذي يجعلها تبدو وكأنها تحببا أو استهانة، حسب الموقف الذي يواجهه، وبالتأكيد لم يكن تهذيب ترامب ووعيه بالمكانة الرمزية والبروتوكولية للملك، هي التي جعلته يلتزم بالحدود التي اختطها الملك في السياق الرمزي مع الرئيس الأمريكي، الذي لم يتورع عن الحديث بتهكم عن بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر.

يضع الملك الهيمنة الأمريكية في سياقها التاريخي وداخل إطار التحالفات التي سمحت للولايات المتحدة بابتعادها عن صراعات القارة الأوروبية، بالتحول إلى القوة الأولى في العالم، مع أن ذلك أتى دائما على الطريق الصعب الذي كان الحلفاء يفتحونه أمام لحظات النصر الأمريكية، التي تكلل تدخلا متأخرا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. في المرحلة الأولى من الهجرة التي شهدتها بريطانيا تجاه العالم الجديد كانت تنويعات مختلفة من الطبقات الرثة والفقيرة في المجتمع الإنكليزي، تحاول أن تبدأ رحلتها إلى الأرض الجديدة لتترك وراءها ماضيا لا يوجد ما يدعوها للتمسك به، وجزء كبير من العقيدة الأمريكية المؤسسة ينبني على التصورات الساذجة والخلاصية لهذه الفئات التي تخيلت خروجها من أوضاعها القديمة متماهيةً مع خروج اليهود من مصر ودخولهم إلى أرض الميعاد.
يعرف الملك أن ترامب ليس الرجل المناسب ليستقبل خطابه في معانيه الواضحة والخفية ومفارقاته الذكية والحادة، وإلى حد ما هو ليس مهتما بذلك لأن الخطاب كان موجها للدولة العميقة في واشنطن

يستحضر الملك تشارلز بلمحاته الذكية وملامحه الساخرة التاريخ المعقد الذي يعرف أن الرئيس ترامب لا يدركه بمخيلته الحسية، التي لا يمكن أن تعود إلى ما وراء ما يمكن أن يراه ويدخل ذاكرته الشخصية وكأنها العالم بأسره، فهو يستذكر إعجاب أمه بالملك في شبابه ولكنه يبدو بعيدا عن تفهم العلاقة المعقدة التي وصلت ذروتها مع الملك جورج الثالث والرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن، ولكن ذلك لا ينفي أن الملك تشارلز بلحمه ودمه في واشنطن يتنقل بين الكونغرس والبيت الأبيض بخطاب أوروبي الطابع يستحضر معه أبناء العمومة الفرنسيين والصراع البريطاني ـ الفرنسي وهو ما لم يكن متاحا لجده جورج الثالث ولا لفرعون مصر الذي أغرق في البحر مع جنوده.

يطالب الملك بالندية والاحترام مع بلاده والشركاء الأوروبيين، وبوضعهم في السياق الذي يستحقونه، خاصة أن الولايات المتحدة التي تخوض حربها على إيران تظهر، وكأنها غير قادرة على إعادة إنتاج انتصاراتها القديمة، وكثير منها كان يستند على وجود البريطانيين والأوروبيين، وينفي عندما يشير إلى الجرس الذي حمله من غواصة بريطانية حملت تسمية ترامب تهمة التخاذل والتشنيع بالضعف الذي يسوقها ترامب في خطابه التصعيدي، الذي يسعى لتأكيد الهيمنة الأمريكية خارج أي معادلات قوى دولية قائمة، وبما يجعله يتحرر من التفاهمات التي أسست حولها، ومن ضمنها منظومة القانون الدولي التي يمتهنها ترامب بصورة منتظمة. يشعر ترامب بأنه يواجه هذه المرة خصما ذكيا وصديقا صعبا، ولا يداري غيرته من وقوف الديمقراطيين للملك، وهم الذين يواصلون جلوسهم مع ترامب في العديد من المناسبات، ولكن هل يمكن أن تعتبر هذه الرسالة رفيعة المستوى، ودخول الملك تشارلز الثالث إلى معترك سياسي مباشر في العلاقات الخارجية دلالةً على عمق المشكلة، حيث يصبح الملك في حد ذاته ورقة بريطانية وأوروبية.

يحلم ترامب بالإمبراطورية الأمريكية ويريد أن يستحوذ على مكانة المؤسس الثاني لأمريكا الجديدة، ولكن تبدو هذه الفكرة غير قائمة على أكثر من تصورات غائمة، فهو يبدو فرحا وجذلا بوضع توقيعه على العملة الأمريكية أعلى رموز هيمنة أمريكا وسطوتها العالمية، وفي داخله يختمر حلم مؤرق بأن تحتل صورته الورقة الأهم في العالم لفئة المئة دولار، وربما لم يصرح بذلك ولم يناقش أحد هذه المسألة، ولكن أي تحليل نفسي سيجعلها محتملة للغاية داخل التركيبة الشخصية للرئيس.

يتجول هذا الحلم الذي بين فنزويلا وغرينلاند ويخيم في سماء إيران لا يبدو واقعيا للملك تشارلز والشركاء الأوروبيين الذين يرون أن خريطة العالم تغيرت كثيرا، وأن الحروب أكثر تكلفة من أن تعد الأداة الفاعلة لتحقيق الهيمنة وتعزيز النفوذ، فالتحديات الجديدة أمام العالم تتطلب مقاربات أكثر حكمة وأناقة حتى لو كانت تطمح في النهاية إلى تحقيق الأغراض الاستغلالية الكلاسيكية نفسها. ينظر البريطانيون إلى الولايات المتحدة من منظور ثقافي معقد، ولكنه دائما ما يضعها في صورة النبتة التي أصبحت أكبر مما تحتويها حديقتها ويحاولون الاستفادة بصورة دائمة من ظلالها، وحارس الشجرة الأمريكية لا يبدو متفهما لحدود اللعبة في سياقها التاريخي الواسع الذي يرى الملك تشارلز 250 عاما منه وكأنها مجرد بضعة أيام قياسا بالعراقة البريطانية، والرئيس الذي كان يتهدد قبل فترة وجيزة بالقضاء على الحضارة الإيرانية بأكملها، لا يبدو مدركا لمعنى الحضارة وجوانبه وخاصة غير الملموسة وغير (العقارية).

يعرف الملك قبل غيره أن ترامب ليس الرجل المناسب ليستقبل خطابه في معانيه الواضحة والخفية ومفارقاته الذكية والحادة، وإلى حد ما، هو ليس مهتما بذلك لأن الخطاب كان موجهًا للدولة العميقة في واشنطن برسالة استثنائية لم يكن يوجد سفير فوق العادة يمكن أن يحملها سوى الملك نفسه، في دلالة على حساسية الرسالة وأهميتها. تشارلز الثالث يصعد في هذه اللحظة إلى مسرح الدراما التاريخية في دور المعلم، الذي يحاول أن يضبط المدرسة السياسية التي نشأت في بريطانيا من قرون مضت، وأصبحت مدخلا رئيسيا في فكرة الدولة الحديثة، ولكن زعيم المشاغبين يحمل تمردا يليق هو الآخر بأن يحول الدراما إلى كوميديا سوداء تستدعي نيرون العازف على القيثار مطلًا على روما المحترقة في الجوار.

القدس العربي




المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل