كيف تمكنت إيران من تجنيد عدد أكبر من الإسرائيليين لصالحها؟.. خبير يجيب

ارتفاع التجنيد بنسبة 400 بالمئة- جيتي
منذ هجوم السابع من أكتوبر الذي نفذته حركة حماس على الاحتلال، وما تلاه من حروب إسرائيلية ضد غزة ومن ثم ضد إيران، الداعم الرئيسي للحركة، بدا واضحاً أن هناك زيادة عددية في العملاء الإسرائيليين الذين يتجسسون لصالح طهران.

ووفقاً لتقرير نشره موقع "تايمز أوف إسرائيل"، فإن سلطات الاحتلال أفادت بأنها بعد السابع من أكتوبر 2023 تمكنت من كشف عشرات الإسرائيليين الذين جندتهم إيران للتجسس لصالحها والقيام بأنشطة أمنية أخرى.

وقال التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن "تزايد أعداد العملاء المزعومين لصالح إيران دفع الاحتلال إلى افتتاح جناح جديد لهم في سجن دامون بحيفا".

ونقل الموقع عن متحدث باسم الشرطة الإسرائيلية قوله إنه منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى الآن، ألقت سلطات الاحتلال القبض على 45 مشتبهاً به على الأقل في 25 قضية منفصلة، وأفاد مسؤول أمني بأنه تم توجيه اتهامات إلى 40 منهم.

صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية قالت في تقرير لها نشرته في بداية عام 2026، إن الشاباك ذكر في تقريره السنوي أن عدد محاولات إيران تجنيد إسرائيليين كجواسيس لها ارتفع في عام 2025 بنسبة 400 في المئة مقارنة بعام 2024.

ووفقاً لتقرير الصحيفة الذي ترجمته "عربي21"، أوضح الشاباك أن ارتفاع هذه العمليات في 2024 بلغت نسبته أيضاً تقريباً 400 في المئة مقارنةً بعام 2023 والأعوام السابقة.

وأوضح الشاباك أن معظم الإسرائيليين اليهود الذين تجسسوا لصالح إيران فعلوا ذلك مقابل المال، مضيفاً أنهم قاموا بتصوير بعض المنشآت أو انخرطوا في أشكال أخرى من جمع المعلومات.


وكان لافتا أن عددا من الذين تم القبض عليهم من قبل سلطات الاحتلال بتهمة التجسس لصالح إيران هم من اليهود، لكن تقرير الشاباك لم يذكر في تقريره السنوي كم نسبتهم بالنسبة لعدد المعتقلين الكلي، إلا أن هذا يعتبر تطورا لافتا، حيث كانت غالبية القضايا التي تحدث عنها الاحتلال سابقا تشير إلى أن المتهمين من فلسطينيي 48.

ولمعرفة أسباب تزايد عدد عملاء إيران داخل دولة الاحتلال، التقت "عربي21" بالخبير في الشأن الإسرائيلي الدكتور إيهاب جبارين، الذي أوضح أن "المال السهل والتآكل في مناعة الداخل الإسرائيلي من الأسباب التي ساهمت في هذه الزيادة".

وقال جبارين: "أيضاً التحول الرقمي كان له دور، فبكل بساطة يمكن للاستخبارات الإيرانية استخدام هاتف ذكي وإنشاء حسابات وهمية للتواصل عبرها مع أفراد إسرائيليين لتجنيدهم".

وأكد أن "ظاهرة التجسس داخل الاحتلال قديمة، ولكن برزت أكثر بعد الحرب على غزة وإيران".

وتالياً نص الحوار كاملاً:

ما سر تزايد عدد الإسرائيليين الذين يتجسسون لصالح إيران؟

بعيداً عن القدرات الإيرانية، يمكن أن نقرأ هذا الأمر من خلال تقاطع بين أزمة مجتمع وأزمة أمن، فالسبب الأهم من الزاوية الإسرائيلية هو أن هناك تآكلاً في مناعة الداخل الإسرائيلي.

ووفقاً لملفات القضايا التي تم تسريبها، من الواضح أن هناك ثلاث مداخل تمكنت طهران من الدخول عبرها؛ الأول: المال السهل وبالذات عند أفراد هامشيين، وواضح أنهم ربما يكونون مثقلين بالديون، وأيضاً ممن يسمون بالقادمين الجدد، وفي هذه الحالة تبرز قضية الولاء للدولة، والباحثين عن الربح السريع.

أما المدخل الثاني، فهو قضية التحول الرقمي، وفيما يخص هذه المسألة، إيران لا تحتاج إلى بنية تشغيل معقدة تعتمد على الطرق الكلاسيكية استخباراتياً، فبإمكان المشغل الإيراني إنشاء حساب وهمي على إحدى منصات التواصل الاجتماعي ثم إجراء محادثة مشفرة ومهام محدودة، وعادة تكون هامشية وليست مهام تظهر وكأنها خيانة عظمى، وهناك نوع من التدريج في هذه المهام.

وأما المدخل الثالث، فهو الشرخ النفسي والسياسي داخل إسرائيل بعد الحرب، وهذه نقطة مهمة جداً، فهناك اهتزاز في الثقة بالدولة، وشعور بعض الأفراد في إسرائيل بأن المؤسسة لا تمثلهم ولا تحميهم، ويمكن القول بأنها تستنزفهم.

عندها أعتقد يصبح لدى البعض القابلية للعبور من تجنيد اللامبالاة إلى تجنيد التعاون، وباعتقادي هنا كان السر الحقيقي، وهو أن إيران استثمرت في الإنسان المتشقق، بمعنى إذا نظرنا لهذه النقاط الثلاث، فنجد أننا أمام إنسان متشقق أكثر من كونه عميلاً محترفاً.

لكن هل تزايد عدد الإسرائيليين الذين يتجسسون لصالح إيران مرتبط بالحروب الأخيرة بعد 2023، أم أنها ظاهرة قديمة متجددة؟

ظاهرة العملاء، باعتقادي، ليست وليدة الحرب، ولكن الحرب سرّعتها ووسّعتها وكشفت عنها؛ فالشاباك، حتى قبل وبعد عام 2023، حذّر من محاولات إيرانية لتجنيد إسرائيليين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وكذلك كشف عن قضايا كبيرة تتعلق بتهريب السلاح ما قبل عام 2023.

ووفق تقديرات الشاباك، أغلب هذه القضايا تبدأ بمهمات تبدو بريئة ثم تتطور إلى نشاطات خطيرة إن صح التعبير؛ بالتالي يمكن القول إنه بعد حرب غزة وما تلاها من اتساع للمواجهة الإقليمية، أصبح هناك بيئة أكثر ملاءمة: ضغط اقتصادي، إنهاك اجتماعي، عسكرة للحياة العامة، وتضخم في قيمة أي معلومة ميدانية مهما كانت صغيرة.

لذلك يمكن القول إن قضايا التجسس في أصلها ظاهرة قديمة، ولكن الحرب حولتها من حالات متناثرة إلى زخم إن صح التعبير.

لكن في السياق السياسي والمجتمعي، هناك أمر بالغ الأهمية يجب الانتباه له، وهو أن إسرائيل التي تحب تقديم نفسها كمجتمع تعبئة قومي وحتى عسكري، تواجه الآن نوعاً من الاختراق من الجماعة نفسها، فنحن لا نتحدث هنا عن فلسطينيي 48، بل نتحدث عن إسرائيليين يهود بالكامل أو في بعض الحالات قادمين جدد.


بالتالي، هذه ليست مسألة خيانة أفراد فقط، بل هي إشارة إلى أن العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة لم يَعُد صلباً كما تدعي المؤسسة الإسرائيلية؛ فحين يوافق الإسرائيلي العادي، وحتى العسكري في بعض الحالات، على تنفيذ مهمة مقابل المال، فهذا يُعد ضربة للسردية التي تقول إن الخطر الخارجي يوحد الداخل.

بمعنى أن الواقع الحالي يناقض هذه السردية، وحتى وإن كانت حالات فردية فإن الخطر طويل الأمد يكشف التفاوت والاغتراب والأنانية الاجتماعية داخل إسرائيل، ومن هذه الزاوية لا أعتقد أن إيران تخترق فقط منظومة الأمن، بل هي تختبر بمفاهيم معينة مدى تآكل العقد الاجتماعي ما بين المواطن والمؤسسة.

والاستنتاج الأهم هنا أن الحرب لم تنتج فقط تعبئة وطنية، بل أنتجت أيضاً سوقاً سوداء للولاء، بمفاهيم معينة.

من الناحية الأمنية، ماذا تعني زيادة حالات التجسس لصالح إيران؟

باعتقادي، إيران انتقلت من محاولة ضرب وإصابة إسرائيل من الخارج إلى بناء قدرة من الداخل عبر وكلاء محليين، مع ملاحظة أن كلفتهم منخفضة نوعاً ما، فنحن لا نتحدث عن تجنيد وتدريب وغيرها من الإجراءات المكلفة، بل مهام بمثابة اختبار لهذا الولاء.

وبرأيي هذا تطور مهم جداً؛ ففي العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أخطر ما فيها العنصر البشري، ليس فقط ماذا يعرف بل أين يقف. فوفقاً لما نرى، فإن إسرائيل دائماً تمنع التصوير هنا أو هناك؛ بالتالي المواطن أو الجندي قادر على التصوير والرصد والاقتراب من المنشأة، ومعرفة روتين وحدة معينة أو تتبع شخصية عامة، وهذا بحد ذاته يمنح الخصم ما لا تمنحه أحياناً الأقمار الصناعية والطائرات المُسيرة التي تنفق إسرائيل كثيراً من ميزانيتها عليها.

لذلك، باعتقادي، ارتفاع حالات التجسس هذه يعني أن إيران باتت تراكم بنك وصول داخل المجتمع الإسرائيلي، حتى لو كان من مجندين ذوي مستوى متدنٍ مهنياً.

لكن أيضاً ماذا يعني كشف الاحتلال لحالات التجسس هذه؟

كشف هذه الاختراقات له وجهان متناقضان، الأول هو محاولة من الشاباك للقول بأنه ما زال يملك القدرة على إحباط هذه الاختراقات، وأن الرقابة الداخلية وتحليل الاتصالات والمتابعة المضادة ما زالت تعمل بفعالية تامة وعلى أكمل وجه.

وهذه المسألة باعتقادي لا يجب التقليل منها نهائياً، بل على العكس تماماً، خاصة مع الإعلان عن عشرات القضايا المُحبطة، ولكن الوجه الآخر لكشف هذه الاختراقات هو أن كثرة القضايا المكشوفة لا تعني فقط نجاح الشاباك، بل تعني أيضاً أن هناك زخماً بات كبيراً بما يكفي ليظهر فوق السطح.

بمعنى، عندما تعلن الدولة أكثر من مرة عن تفكيك خلايا أو اعتقال مجندين فهي - نعم - تبعث رسالة ردع للجمهور، لكنها تعترف ضمنياً بأن هذه الاختراقات ليست شاذة، فلذلك هي من جهة تقول إننا نسيطر، ومن جهة تُظهر أن المشكلة أوسع مما تحب الاعتراف به.

كان بعض العملاء المقبوض عليهم عسكريين، ماذا يعني ذلك؟

الكشف عن عسكريين تجسسوا لصالح إيران، هنا يمكن القول إنها ليست مسألة عددية فقط بل نوعية، على سبيل المثال اتهام جنديين في سلاح الجو، بحسب ما رشح من أنباء، يرفع مستوى القضايا من مستوى متعاونين مدنيين إلى مستوى تسرب محتمل من داخل البنية العسكرية نفسها.

وحتى لو لم يكونوا من أصحاب القرار أو من حفظة الأسرار الكبرى، يكفي أنهم داخل المنظومة الحساسة (سلاح الجو) لتصبح قيمة ما يقدمونه أعلى، - صور قواعد، روتين عمل، خرائط وصول، فهم داخلي لبيئة التشغيل -، وفي الاستخبارات كثير من الضربات الدقيقة مرتبطة بفتات المعلومات وليس بوثائق أو مهمات كبرى.

بالتالي، وجود عسكريين بين المتهمين لا يهدد فقط السرية في إسرائيل، بل يهز الثقة المتبادلة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

ما تأثير زيادة عدد عملاء إيران داخل الاحتلال؟

باعتقادي، الخطورة على إسرائيل لا تكمن فقط في حجم الضرر المباشر، بل في تغيير قواعد الكابوس الأمني الإسرائيلي إن صح التعريف. إسرائيل بنت كثيراً من تفوقها على فكرة أنها تعلم مجتمعات خصومها جيداً أكثر مما هم يعرفون عنها، وربما هذا هو لبُّ كل قوة الاستخبارات الإسرائيلية.


وبالتالي إيران هنا تحاول قلب هذه المعادلة، طبعاً ليس بالضرورة عبر اختراقات خارقة، بل عبر مئات المحاولات الصغيرة، وإذا كان تم الكشف عن عشرات المحاولات فواضح جداً أن هناك المئات من المحاولات، والتي تجعل كل إسرائيلي مشتبهاً محتملاً، وكل هاتف هو عبارة عن قناة تجنيد، وكل مهمة هامشية باتت باباً لعمل أمني خطير.

وبرأيي، هذه الظاهرة تستهلك وقت الشاباك من جهة، ومن جهة أخرى ترفع كُلفة الحماية على المنشآت والأفراد، وبالتالي تدفع إلى مزيد من الارتياب داخل الجيش والمجتمع، وهذا بحد ذاته يمكن القول إنه إنجاز، حتى قبل تحقيق أي اختراق استراتيجي؛ بمعنى هناك استنزاف أمني داخلي.