نتائج "DNA" تشعل سجالاً قبلياً نادراً في السعودية.. ما القصة؟

أسرة الشريدة من الأسر العريقة في منطقة القصيم- حساب الأسرة الرسمي
شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في السعودية خلال الأيام الماضية، سجالا نادرا يتعلق بقضية إثبات نسب قبلي، من قبل عائلة معروفة.

وفتح بيان نشرته أسرة "الشريدة" السعودية، حول نتائج فحص الحمض النووي (DNA) وانتمائها القبلي، سجالاً واسعاً لم يتوقف عند حدود العائلة، بل امتد ليشعل نقاشاً اجتماعياً وفقهياً وقانونياً حول مشروعية الاعتماد على "العلم" في إثبات الأنساب البعيدة.

بدأت القصة حين أعلنت أسرة "الشريدة" (في بريدة (القصيم) والرياض وأملج) عن نتائج مشروع جيني استمر لسنوات، استندت فيه إلى مختبرات عالمية مثل FamilyTreeDNA.

وأكدت الأسرة أن الفحوصات التي شملت أكثر من 10 عينات أظهرت تكتلاً واضحاً يثبت انتسابها لآل أبو عليان، المتفرع من العناقر من بني تميم، تحت التحور الجيني (FTD39800).

ورأت الأسرة في هذا الإعلان "تحققاً من الأنساب وفق المعايير العلمية المعاصرة" وضبطاً للمواريث وحفظاً لصلة الأرحام.

وكان الاعتقاد السائد قديماً بأن "الشريدة" تنتمي إلى قبيلة (الأنصار) في الحجاز، وذلك استناداً إلى قدوم أجدادهم الأوائل من المدينة المنورة إلى منطقة القصيم.

ولاحقا للجدل، نشرت أسرة الشريدة شهادات عن دور الرجال السابقين من الأسرة بتوحيد المملكة رفقة الملك عبد العزيز آل سعود قبل نحو 100 عام.


نفي قاطع

لم يتأخر الرد من الأسر المذكورة؛ حيث أصدرت أسر آل أبو عليان بياناً نفت فيه "جملة وتفصيلاً" صحة هذا الانتساب، مستندة إلى قواعد الشريعة في حفظ الأنساب.


وتبعه بيان آخر من أسرة العناقر (في ثرمداء)، شدد على أن باب الأنساب لا يجوز الخوض فيه إلا بالبيّنة المعتبرة وسجلات ذوي الشأن، مؤكدين أن ما لدى أسرة الشريدة من نتائج جينية "لا يتفق مع السجلات القديمة الموثقة" لديهم، معتبرين أن إثبات النسب عبر الطرق العلمية لا يصح ما لم يصحبه إقرار من أهل النسب الأصليين.


النسب كـ"غطاء أيديولوجي"

في هذا السياق، يبرز رأي الأكاديمي سعد الصويان عالم الاجتماع المعروف، الذي قدم في مقابلة سابقة رؤية مثيرة لتكوين القبيلة العربية.

ويرى الصويان أن القبيلة في حقيقتها هي "تحالفات ومصالح" وليست بالضرورة منحدرة من جد واحد، لكنها تستخدم "النسب كغطاء أيديولوجي" لإعطاء شرعية لهذا الكيان.

ويوضح الصويان أن الحقيقة التاريخية تشير إلى أن الناس قد يجمعهم طول الإقامة أو المصالح السياسية والاجتماعية، ثم يذوبون في هوية قبيلة واحدة مع مرور الأجيال، معتبراً أن التمسك بـ "نقاء العرق" هو نوع من الأسطورة.

كما أشار الصويان إلى أن دور القبيلة في الدولة العصرية انتهى، وأن رؤية المملكة 2030 تتجه نحو "تعزيز مفهوم الوطن" والمواطنة التي تلغي الفوارق القبلية والمناطقية لصالح الإنجاز والكفاءة.

أمر محسوم علميا

دخل على خط الجدل ماجد الزهراني، الإداري في عدة مشاريع جينية (منها مشروع الأزد، وعرب J1، ومشروع البادية الجيني)، حيث رأى أن نتائج أسرة الشريدة المستندة إلى فحص (Y-DNA) هي "أمر محسوم علمياً" من حيث إثبات الخط الأبوي الواحد، لكنه فرّق بدقة بين "التوصيف البيولوجي" وبين الاستحقاق الشرعي والاجتماعي.

وكشف الزهراني عن فوارق زمنية في "عمر التحورات"؛ حيث يقع تكتل العناقر المرتبط بآل أبو عليان تحت التحور (FGC35418) بعمر تشكل يقارب 650 عاماً، بينما يبدأ مسار الشريدة من التحور (FGC45803) بعمر يقارب 400 عام.

ورغم أن تسلسل التحورات يضع "الشريدة" ضمن ذات البنية الجينية للعناقر، إلا أن الزهراني شدد على أن العلم يقدم "أدوات قياس"، بينما يبقى الشرع هو المنظم للحقوق والاعتبارات التي لا يجوز التسرع في إطلاق الأحكام حولها.

تحذيرات شرعية وقانونية

من جانبه، طرح عبدالعزيز بن سعد بن دغيثر (المستشار القانوني والمتخصص في الفقه) تساؤلات جوهرية حول الأثر الاجتماعي لهذه التحاليل.

وحذر ابن دغيثر من الاعتماد على مختبرات في أمريكا وألمانيا "لا تخضع لرقابة حكومية وطنية"، مشيراً إلى أن إثبات الأنساب البعيدة عبر الجينات قد يفتح باباً للطعن في الأنساب القائمة ويزعزع المصاهرات المستقرة.

وأوضح أن نظام البلاد يحمي من إثارة النعرات والقدح في الأنساب، ناصحاً بعدم الإشهار لما يترتب عليه من "قيل وقال" لا يخدم المصلحة العامة.

وكانت وزارة العدل اشترطت في 2015 موافقة جهات عليا لنظر قضايا النسب أو إثبات الانتساب لقبيلة أخرى.

في ذات الجزئية، أبرز المحامي سعد الغنيم قرارا سابقا للمجمع الفقهي الإسلامي السعودية، والذي  رغم اعترافه بدقة البصمة الوراثية في الطب الشرعي والتحقيق الجنائي، وضع "سياجاً مانعاً" أمام استخدامها في الأنساب القبلية؛ حيث نص القرار صراحة على "عدم جواز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب".

كما حظر استخدامها بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعاً، حمايةً لأعراض الناس.

وتتطابق هذه الرؤية مع موقف دارة الملك عبدالعزيز، التي حسمت الجدل في خطاب رسمي، مؤكدة أن علم البصمة الوراثية -وإن كان قطعياً في إثبات الأبوة والبنوة- إلا أنه في مجال الأنساب القبلية الممتدة عبر التاريخ "لا يعدو كونها تخمينات لا ترقى للأدلة التاريخية الكافية".