في ظل عجز كبير بموازنة
مصر الجديدة للعام (2026/2027)، يتخطى تريليون جنيه، قفزت كلفة تشغيل الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية إلى 177 بالمئة خلال العام المالي المقبل لتصل إلى 12.03 مليار جنيه مقابل 4.35 مليار عن العام المالي الجاري.
وتؤكد الأرقام أن موازنة مصر لعام (2026/2027)، منهكة وتلتهم منها أقساط وفوائد الديون المحلية والأجنبية نحو 5.227 تريليون جنيه بزيادة 19.2 بالمئة مقارنة بالعام الحالي، مع اعتماد مواردها على الاقتراض بنسبة 49.1 بالمئة، ليصل بند الضرائب بها 43.2 بالمئة، في وضع وصفه الخبير الاقتصادي أحمد خزيم بـ"الدائرة الجهنمية"، مشيرا إلى أوضاع صعبة على المصريين.
مفارقات وأرقام مثيرة
وجاءت تفاصيل تكاليف ومتطلبات الحي الحكومي بالعاصمة الجديدة في موازنة الجديدة مقارنة بالعام المالي الجاري كاشفة عن تخصيص 7 مليارات جنيه مقابل حق انتفاع الوزارات والهيئات بمباني الحي الحكومي، وذلك على الرغم من عدم تخصيص أي مبالغ لهذا البند بموازنة العام المالي الجاري (2025/2026).
لم يكن بند المليارات السبعة فقط هو المثير للجدل بين مختصين بل إن رصد مبلغ 3.8 مليار جنيه لمصروفات صيانة مباني الحي الحكومي مقابل 3.2 مليار جنيه بموازنة العام الحالي، بزيادة 0.6 مليار جنيه، جاء ليزيد حجم التساؤلات.
وذلك مع الكشف كذلك عن تخصيص نحو 678.1 مليون جنيه لبدلات انتقال الموظفين المنتقلين من مقار الوزارات القديمة بالقاهرة للعمل بالعاصمة الإدارية مقابل 652.8 مليون هذا العام بزيادة 253 مليون جنيه، إلى جانب 554.8 مليون جنيه لبدل السكن لنفس الموظفين مقابل 498.7 مليون في العام المالي الجاري، بزيادة 561 مليون جنيه.
فجوة التصريحات والسياسات
قراءة تلك الأرقام وفق مراقبين، "تكشف عن فجوة حادة بين ما تعلنه الدولة المصرية حول سياسات "التقشف" الحكومي وبين واقع الإنفاق الفعلي الذي يأخذ منحى متصاعدا عاما بعد عام".
"تظهر كذلك تلك الأرقام حجم الخداع الحكومي في ملف نقل مقار الوزارات القديمة من
القاهرة إلى العاصمة الجديدة، وما تبعه ذلك من ضغط على الموازنة العامة، واستقطاع إيجارات تصل 7 مليارات جنيه من تكلفة سابقة كانت تساوي صفرا، تصب لصالح (شركة العاصمة الإدارية) المملوكة بنسبة 49 بالمئة لـ(هيئة المجتمعات العمرانية) التابعة للدولة و51 بالمئة لجهازين سياديين تابعين للجيش".
في ذات السياق، وبحسب معلقين مصريين غاضبين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، "تأتي زيادة مصروفات الصيانة لمباني الحي الحكومي إلى 3.8 مليار جنيه بزيادة 18.7 بالمئة ما يعكس التكلفة الباهظة لإدارة تلك المباني، ما يعني تصاعد تلك الكلفة في الأعوام المقبلة، ويؤكد أن تلك المباني رغم حداثتها تعاني من أخطاء إنشائية وفنية وسوء استخدام".
وهو ما كشفه البرلماني المصري فريد البياضي قبل أيام، بتقديمه استجوابا بمجلس النواب حول تعطل ألواح الطاقة الشمسية فوق مباني الحي الحكومي وسط شبهات فساد وإهدار المال العام، وسوء إدارة استثمارات عامة.
كما تظهر تلك الأرقام عن "مفارقة كبيرة؛ ففي وقت يتخطى فيه عجز الموازنة تريليون جنيه، فإن زيادة كلفة تشغيل حي واحد بنسبة 177 بالمئة يعني بدء دفع المصريين الفواتير الحقيقية للمشروع العملاق اقتطاعا من بنود الصحة والتعليم والصرف على مشروعات المياه والصرف الصحي والطرق والدعم".
وفي أيلول/سبتمبر 2025، أعلن رئيس شركة العاصمة الجديدة خالد عباس، ارتفاع إيجارات الحي الحكومي إلى 6 مليارات جنيه سنويا، من 4 مليارات جنيه، مؤكدا التزام الحكومة بسداد الإيجارات، والخدمات الخاصة بالمقرات الحكومية بعقود طويلة المدى.
وتساءل مصريون: "لماذا يتم تحميل مصروفات العاصمة الجديدة على الموازنة العامة، ولا تتحملها شركة العاصمة؟، وأين ذهبت أموال بيع المقار القديمة بالقاهرة؟، ولماذا تصمت الجهات الرقابية والبرلمان على تحول الحكومة من مالك للأصول لمستأجر؟، وفي ظل تكلفة صيانة 4 مليارات جنيه سنويا، كم ستكون بالأعوام المقبلة؟ وهل يستمر تحميل الموازنة بدلات سكن وانتقال الموظفين؟".
فقدان للرشادة
وفي تعليقه، قال رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي (EAIFE) أشرف دوابه: "هنا شيء غامض يجري، فكيف للدولة التي كانت تمتلك مبانيها ودواوينها بالقاهرة تؤجر مباني بالعاصمة الجديدة التي تعد أراضيها من الأساس ملكا للدولة".
الأكاديمي المصري ورئيس التمويل والاقتصاد بجامعة "اسطنبول"، أكد لـ"عربي21"، أن "هذا شيء مخالف لكل القواعد الاقتصادية، فكيف تقبل الحكومة أن تأخذ المباني الجديدة كإيجار سنوي رغم أن العاصمة الجديد ذاتها ملك للدولة؟، ولماذا لم تشترط أخذ ما يخصها من مباني كملكية لها، على الأقل مقابل الأرض التي تم تخصيصها بمقابل زهيد كما هو الوضع المعروف".
ويرى دوابه، أن "هذا الأسلوب؛ يمثل أسلوب عدم رشادة، في وجود العاصمة الجديدة من الأصل، وفي تأجير الحكومة مبانيها بها وتزيد أعباء موازنة عامة فقيرة منهكة بالديون، وبعد أن كانت لها مقراتها المملوكة لها بالقاهرة".
خلل واضح وعبء قادم
وفي تقديره، قال السياسي والبرلماني المصري أيمن صادق، إن "هذا الرقم وحده يكشف حجم الخلل في إدارة المال العام؛ نحن أمام حي حكومي لم يكن يفترض أن يتحول إلى عبء متنامٍ على الموازنة في وقت تعلن فيه الحكومة نفسها عن عجز يتجاوز التريليون جنيه في موازنة (2026/2027)".
عضو مجلس الشعب المصري الأسبق، أضاف لـ"عربي21"، أنه "من غير المنطقي أن تقفز كلفة تشغيل موقع إداري واحد إلى 12.03 مليار جنيه بعدما كانت 4.35 مليار فقط في العام الجاري"، مؤكدا أن "هذه ليست زيادة عادية، بل مؤشر واضح على مشروع لم تُحسب كلفته الحقيقية منذ البداية أو جرى تمرير أعبائه تدريجيا على الناس".
عضو لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان المصري سابقا، يرى أن "الأخطر أن بند حق الانتفاع وحده سيأخذ 7 مليارات جنيه بعد أن كان صفرا؛ وهذا يطرح سؤالا مباشرا: لماذا يتحمل دافع الضرائب المصري هذه الفاتورة الضخمة بينما كان يجري تسويق المشروع باعتباره نقلة تنظيمية وإدارية؟، ثم لماذا ترتفع الصيانة إلى 3.8 مليار جنيه رغم أن المباني حديثة العهد؟، وهذا يعني ببساطة أن هناك إما سوء تنفيذ من الأصل أو سوء إدارة لاحق لا يقل خطورة".
فاتورة يدفعها المصريون
وتابع: "كما أن بدلات الانتقال والسكن ليست أرقاما هامشية، فرصد 678.1 مليون جنيه لبدلات الانتقال، و554.8 مليوناً للسكن تعني أن الدولة لا تمول مجرد انتقال موظفين، بل تمول تبعات مشروع كامل فُرض على الجهاز الإداري وعلى الخزانة العامة، ومع كل هذا يُطلب من المواطن أن يصدق خطاب التقشف وترشيد الإنفاق".
وبين أنه "في ظل عجز موازنة (2026/2027) الذي يتجاوز تريليون جنيه، فإن أي تضخم في بنود الإنفاق غير المنتج لا يذهب في النهاية إلا إلى جيب المواطن البسيط؛ لأن هذا العجز لا يُسد من فراغ، بل يُسد غالبا بمزيد من الاقتراض والضغط الضريبي ورفع الأسعار وتقليص ما يصل الناس من خدمات".
وخلص للقول: "ومعنى ذلك ببساطة أن فاتورة هذه السياسات سيدفعها المواطن الغلبان وحده، من دخله ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه"، معتبرا أن "ما يحدث ليس مجرد ارتفاع في بند مالي، بل شهادة جديدة على أن الدولة دخلت مشروعا ضخما من دون تقدير كافٍ لكلفته الحقيقية، ثم بدأت تدفع الفاتورة من جيب المصريين".
شفافية الإنفاق العام
وفي قراءته، قال رئيس تحرير موقع "International Investigative Centre" الاستقصائي، ناجي عباس، إن "الموضوع يطرح إشكالية حوكمة حقيقية تتعلق بالشفافية في الإنفاق العام، وهي إشكالية ستظل ملتصقة بهذا النظام وتسبب له المزيد من المشاكل مستقبلاً، وتستحق بالفعل نقاشاً عاماً مع الانطلاق من الواقع المعاش وعدم الاكتفاء بالتحليل المالي والسياسي فقط رغم أهميتهما الشديدة لكل من يكتب بهذا الملف".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف أن "الأرقام الواردة في تحليل الموازنة العامة، قابلة للتحقق وجديرة بالنقاش، حيث لفت انتباهي أن بند حق الانتفاع انتقل من صفر إلى 7 مليارات جنيه في عام واحد، وهو ما يستدعي تفسيراً واضحاً من الحكومة: هل كانت الفترة الماضية مجانية؟، ومتى تحوّل الانتفاع إلى إيجار مدفوع؟، ولمن تذهب هذه المبالغ تحديداً وبأي آلية؟".
وأكد أنه "ورغم أن كل زيادة في الإنفاق ليست دليلا على الفساد لارتباط بعضها بمراحل انتقالية طبيعية لأي مشروع ضخم ولكن ترك الأرقام بدون تفسير يثير الشك، فمثلا مقارنة 177 بالمئة زيادة في الإنفاق على الحي الحكومي صحيحة رياضياً، لكن القاعدة الأصلية كانت منخفضة جداً مما يضخّم النسبة".
وأشار إلى أنه "مع أن الربط بين ملكية الجيش لأغلبية حصص شركة العاصمة وسوء الإنفاق يحتاج أدلة إضافية لإثبات العلاقة السببية، لكن التجارب السابقة كلها خير برهان على حجم الفساد، ما يستوجب طرح أسئلة مشروعة".
وتساءل: "هل هناك جدول زمني كامل للتكاليف المتوقعة للحي الحكومي خلال 5 و10 سنوات قادمة؟، وهل جرى تقييم مستقل للجدوى الاقتصادية مقارنةً بتطوير القاهرة الكبرى؟، وما مصير مباني الوزارات القديمة بالقاهرة؟، وهل تدرّ عائداً يُوازن التكاليف؟، وماذا عن آليات الرقابة البرلمانية والمجتمعية؟".
الحي الحكومي
يمتد على مساحة 1.5 مليون م٢ بما يعادل 360 فدانا، ويضم مبنى مجلس الوزراء وبه 34 وزارة، ومجلسي النواب والشيوخ، وعشرات المباني الإدارية مثل هيئة الرقابة الإدارية، بتكلفة إنشائية تجاوزت 50 مليار جنيه، فيما تم تصميم الحي الذي تم بإشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ليكون حيا بالكامل وبأنظمة تحكم متطورة.
ليست هناك أرقام رسمية معلنة عن تكلفة الحي الحكومي، إلا إعلان رئيس شركة العاصمة السابق اللواء أحمد زكي عابدين، أن تكلفة المرحلة الأولى منه بلغت 50 مليار جنيه؛ تم تمويلها من حصيلة بيع الأراضي ولم تدفع الحكومة شيئا، لكن صحيفة "نيويورك تايمز"، وفي تشرين الأول/أكتوبر 2022، قدرت تكلفة المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية بـ59 مليار دولار، و10 مليارات دولار للمرحلة الثانية.
وتأسست شركة العاصمة الإدارية، (عام 2016)، لإدارة وتنفيذ وتشغيل العاصمة، وبرأس مال مدفوع 6 مليارات جنيه من هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، فيما تمتلك محفظة أراضي تصل 184 ألف فدان، للمرحلة الأولى 40 ألف فدان وللثانية 47 ألفا وللثالثة 97 ألف فدان.
ومع نهاية 2023 وبداية 2024، بدأت عمليات الانتقال الحكومي إلى العاصمة الجديدة قبل إخلاء مقار الوزارات بالقاهرة وضمها بقرارات سيادية إلى صندوق مصر السيادي، تمهيدا لتطوير بعضها وتحويلها إلى فنادق، أو طرحها للبيع أمام مستثمرين استراتيجيين مصريين وأجانب.
وعلى سبيل المثال وفي كانون الثاني/ يناير 2024، نقلت الحكومة ملكية مقرات 13 وزارة وجهة حكومية رئيسية بوسط القاهرة إلى صندوق مصر السيادي، الذي تأسس عام 2018، وهي: الخارجية، والعدل، والتعليم، والصحة، والنقل، والمالية، والتجارة والصناعة، والتنمية المحلية، والسياحة والآثار، والتموين، والإسكان، وذلك قبل نقل مقر وزارة الداخلية للصندوق عام 2022.