لم تكد تنتهي حالة الرفض الواسعة لتوجه الحكومة المصرية قبل أيام، بتدشين مدينة جديدة بالصحراء، بتكلفة 1.4 تريليون جنيه، حتى أعلن رئيس النظام عبد الفتاح
السيسي، الأحد، عن مشروع إسكان فاخر آخر على ساحل البحر الأحمر، وذلك برغم تأكيد خبراء على خطورة التوسع بهذا القطاع على اقتصاد متداعي.
ووسط كوكبة من العسكريين وفي ظل ندرة المسؤولين المدنيين، وغياب وزير النقل كامل الوزير، وجه السيسي باستكمال أعمال إنشاءات مدينة
الجلالة الجديدة -تم تدشينها في تشرين الأول/ أكتوبر 2015- وإنشاء أبراج سياحية على ساحل البحر الأحمر، ومارينا خدمية للمنطقة، وفنادق تضم أنشطة اقتصادية وطبية وتعليمية، مع مراين العائمات لجذب الشركات العالمية، فيما شهد عرضا لمخطط مدينة الجلالة والمرحلة الثانية من مشروع المونت جلالة.
كما أمر السيسي، بتعديل مسار طريق (العين السخنة/الزعفرانة) أحد أعمال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة منذ حزيران/يونيو 2014، بتكلفة 4 مليارات جنيه، لكنه نظرا لعيوب إنشائية تسبب في العديد من الحوادث المرورية، ومنها انقلاب أتوبيس جامعة الجلالة ومصرع 12 طالبا وإصابة 33 آخرين 14 تشرين الأول/أكتوبر 2024.
(The Spine)
وفي 18 نيسان/أبريل الجاري، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ورجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى، تدشين مدينة جديدة بالصحراء تضم 165 برجا سكنيا وإداريا وتجاريا في 520 فدانا شرق
القاهرة، بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار)، وذلك بالشراكة مع البنك الأهلي الحكومي، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).
وترى الحكومة المصرية في تلك المشروعات توافقا مع توجهاتها لإعادة توزيع السكان، وتوفيرا لفرص عمل وجنيا للأرباح والضرائب، حيث أكد مدبولي، أن (ذا سباين)، توفر 155 ألف فرصة عمل، مع تحقيق 800 مليار جنيه عوائد ضريبية.
وقدمت مجموعة "طلعت مصطفى" إعلانا باللغة الإنجليزية استفز مصريين لما ستحمله (The Spine) من إمكانيات سياحية وترفيهية وفخامة، إلى جانب ما يجري تسويقه حول أسعار الوحدات الجديدة التي يمثل أقل سعر فيها 11.5 مليون جنيه.
وفي إطار المشروعات الترفيهية ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أعلنت الحكومة عن خططها لإنشاء ميناء سياحي دولي بمدينة العلمين الجديدة بالساحل الشمالي الغربي لاستقبال اليخوت الفاخرة وسفن الكروز، بتكلفة 80 مليون دولار، وذلك رغم وجود 23 مارينا لليخوت بساحلي البحرين الأحمر والمتوسط.
ثلاثة مخاطر
وفي قراءته لخطورة خطوات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي وفي ظل فرض قرارات التقشف ورفع أسعار الطاقة والكهرباء، وضغوط الديون الخارجية وتراجع الدعم الخليجي، تحدث الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور أحمد ذكرالله، لـ"عربي21".
أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أوضح أن "مشروعات الإسكان الفاخرة في ظل الضغوط المالية الكبيرة والحادة التي تعاني منها مصر حاليا تحمل الكثير من المخاطر"، محددا أولى تلك المخاطر "في الموارد والتي تتمثل في الأراضي والتمويل والعملة الصعبة"، مؤكدا أن "توجيه هذه الموارد بعيدا القطاعات الأكثر إلحاحا مثل الصناعة والزراعة والإسكان المتوسط، يضعف الأثر على النمو الحقيقي للبلاد فسيكون نموا ظاهريا لا حقيقيا".
الخطر الثاني، وفق ذكرالله، يتمثل في "ضعف الطلب الفعلي، فقد تتحول تلك الأصول في العاصمة الإدارية والساحل الشمالي سابقا وحاليا إلى وحدات وأصول غير مستغلة، وموجهة إلى المضاربة إلى حد كبير، ما يعني أن رأس المال سيجمد بدلا من تدويره على المشروعات الإنتاجية المختلفة".
وأضاف: "من المخاطر أيضا؛ زيادة العبء المالي عبر الاقتراض أو الالتزامات المضمونة"، مشيرا إلى "ما يمكن أن نسميه أثر المزاحمة"، مبينا أنه "كلاسيكيا كنا نعاني من هذا الأثر بمزاحمة الحكومة للقطاع الخاص للحصول على التمويل البنكي، وأعتقد الآن أن المشكلة أصبحت في مزاحمة القطاع العقاري لكل القطاعات على التمويل البنكي".
رئيس قسم الدراسات الاقتصادية بأكاديمية العلاقات الدولية، أكد أن "هذه المزاحمة ستضغط على التوافق التمويلي الكافي للمشروعات الصناعية والزراعية والإنتاجية بصفة عامة، إضافة إلى أنه يمكن أن مثل تلك المشروعات التي ستجمد جزء من رأس المال ستؤدي إلى قروض جديدة وتزيد من حساسية الاقتصاد للصدمات".
وذهب الخبير المصري للقول: "لا أعرف هل هناك دراسة طلب حقيقية على مثل هذه المشروعات أم لا؟، ولا أعرف هل هذا المشروع مرتبط بسلاسل القيمة المنتجة؟، مثل السياحة العلاجية والتعليم والخدمات بما يخلق نوع من أنواع التدفقات النقدية الشاملة"، مستدركا: "لكن ما أعرفه أن هذه المشروعات مرتبطة بمجموعة مخاطر".
ويعتقد أن "الجدوى من بناء مثل تلك الأبراج لا يمكن أن تثبت إلا من خلال القدرة على توليد طلب حقيقي وعائد مستدام يحرك الاقتصاد، بدلا من أن يكون عبئا على الموازنة العامة".
وأشار في نهاية حديثه إلى أن "كل تلك المشروعات لا تخدم عموم الشعب وإنما تتركز في خدمة ربما فئة لا تزيد عن 5 بالمئة من إجمالي عدد السكان، وتوجيه كل تلك الموارد لخدمة فئة قليلة أمر خطير للغاية".
تناقض وتغول
ومثل تتابع إعلان رأس الدولة ورئيس وزرائه عن مشروعات إسكان فاخر صدمة للمصريين خاصة مع ما تعانيه البلاد من أزمات مالية وضغوط على العملات الصعبة لدفع نحو 38.65 مليار دولار العام الجاري بين أقساط وفوائد ديون بلغت نحو 163.9 مليار دولار بنهاية العام الماضي، بجانب اعتماد الحكومة على الاقتراض الخارجي والداخلي وبيع الأصول لتوفير الأموال لتسيير أعمالها.
ويؤكد مستثمر عقاري مصري، أن "تلك المشروعات وخاصة بشراكة حكومية أجهضت محاولات الشركات الصغيرة في الصمود أمام ما تحصل عليه من امتيازات بينها أسعار الأرض وتكلفة توصيل خدمات الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات، وحتى الحصول على قروض من البنوك بتسهيلات واسعة".
وأشار لـ"عربي21"، إلى أنها "تسببت برفع أسعار السوق العقاري من قمته إلى قاعه، حيث ارتفعت أسعار جميع الوحدات السكنية في وقت قياسي وبأرقام قياسية تُعجز المصريين عن اقتنائها"، ملمحا إلى أنه "وبعيدا عن الارتفاع الهائل بتكاليف مواد البناء وخاصة الحديد والأسمنت وتقويم أسعارها بالدولار، إلا أن تلك المشروعات تسببت في رفع أسعار الإسكان المتوسط أيضا".
وسجلت مؤشرات منصة "عقار ماب"، تسجيل مناطق الشيخ زايد غرب القاهرة، والقاهرة الجديدة، ورأس الحكمة بالساحل الشمالي, زيادات بالأسعار وصلت 300 بالمئة بالقطاعات الفاخرة و200 بالمئة بالمتوسطة بالعامين الماضيين.
وفي المقابل، وفي ظل زيادات سعرية شهدتها السوق العقارية والفجوة بين مستويات الأسعار والقدرة الشرائية وتراجع وتيرة المبيعات؛ قررت مجموعة "العتال هولدينغ"، تخفيض أسعار الوحدات بمشروع "101" في مستقبل سيتي، شرق القاهرة، بين 15 و20 بالمئة.
وأشار البعض إلى حالة التناقض الكبيرة في المجتمع، بين مطالبات برفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه وتطبيق القطاع الخاص للحد القديم المقدر بـ7 آلاف، وبين أسعار وحدات مشروع "ذا سباين" التي تبدأ من (11.5 إلى 12 مليون جنيه) للغرفة الواحدة (68 م²)، وتصل بين (35 و66 مليون جنيه) للوحدات الكبيرة، وسداد على 5 سنوات.
ويتحدث محللون عن ضرورة توجيه الاستثمارات إلى قطاع الإنتاج ما يتبعه قيم مضافة حقيقية وأرباح مستمرة ودخل حقيقي، بدلا من التركيز على قطاع الإسكان الفاخر، الذي يقل الطلب عليه، وفق تأكيد الخبير المصري هاني توفيق.
وتحدث توفيق، عن "انخفاض نمو الطلب على العقارات من 125 بالمئة عام 2024 إلى 10 بالمئة فقط في 2025"، لافتا إلى "أن نسبة الاستثمار العقاري بمصر 20 بالمئة من الناتج المحلي، بينما المتوسط العالمي 10 بالمئة فقط"، محذرا من ركود مؤكد يحتم إعادة ترتيب أولويات استخدام موارد مصر المحدودة، بدلا من احتفال حكومة بالكامل بمجرد مشروع عقاري، وفق قوله.
وفي السياق، انتقد الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد البهائي، توجه الدولة نحو "اقتصاد يبني مدنا، ويهمل إنتاجا، وتحويل 1.4 تريليون جنيه إلى خرسانة بدل من مصنع"، متسائلا: "ماذا لو وُجّه هذا الحجم الهائل من الموارد إلى الاقتصاد الإنتاجي بدلا من العقاري؟"، مضيفا: هل نحن أمام اقتصاد يبني مستقبلا فعلا أم اقتصاد بارع فقط في بناء ما يُرى، وترك ما يُنتج في الظل؟".
وإلى جانب تسهيلات تخصيص الأراضي وإمداد المطورين بالخدمات اللازمة، تواصل الحكومة المصرية دعم قطاع العقارات الفاخر، ففي آخر قراراتها جاء تخفيض الرسوم المفروضة على مشروعات الشراكة العقارية بالساحل الشمالي، بعد تعديل طريقة احتسابها لتُطبَّق على المساحة البنائية القابلة للبيع بدلا من إجمالي مساحة الأرض، ما يقلّص قيمة الرسوم التي يتحملها المطورون بحسب موقع "الشرق".
وذلك إلى جانب قيامها بإسناد إدارة المشروعات الفاخرة إلى شركات عالمية بعد تدشينها بقروض دولية ومحلية، ما يقلل من عوائدها على الدولة المصرية وفق البعض.
وفي هذا السياق، يأتي طرح الحكومة المصرية إدارة وتشغيل منطقة أبراج "الداون تاون" بمدينة العلمين الجديدة والتي تضم 5 أبراج كاملة التشطيب، بينها برج أيقوني بارتفاع 250 مترا، والتي جرى تنفيذها بنحو 37 مليار جنيه، أمام تحالفات محلية وأجنبية قبل نهاية العام الجاري.