سعت الولايات المتحدة، بعد ارتكاب المجزرة في مدرسة ميناب الابتدائية في
إيران، إلى التنصل من المسؤولية عنها، عبر عدة تصريحات للمسؤولين الأمريكيين كان آخرها اتهام إيران بالوقوف وراءها.
وسبق للإدارة الأمريكية، استخدام الأسلوب ذاته، في العديد من المرات التي ترتكب فيها أو حلفاءها
مجازر كما حدث في المستشفى المعمداني في غزة، عام 2023، وفي العراق قبل وبعد غزوه.
وكان 175 طفلا إيرانيا قضوا صباح 28 شباط/فبراير، جراء سقوط صاروخ من طراز توماهوك، ، والذي لا يملكه سوى الجيش الأمريكي.
مجزرة المستشفى المعمداني:
على الرغم من أن المجزرة ارتكبها الاحتلال، بحق النازحين من مناطق
شمال قطاع غزة، في ساحة المستشفى العربي الأهلي "المعمداني" بمدينة غزة،
إلا أن من قام بالتغطية على الجريمة البشعة كان الإدارة الأمريكية.
وارتكب الاحتلال المجزرة مساء 17 تشرين أول/أكتوبر 2023، عبر استخدام
مقذوف شديدة الانفجار، أطلق بصورة مباشرة على ساحة المستشفى التي كانت تعج
بالنازحين، بعد ساعات من تهديد مدير المستشفى بضرورة إخلائه ونقل السكان إلى جنوب
القطاع.
وتسبب المقذوف الذي أطلقه الاحتلال، في استشهاد أكثر من 500 فلسطيني،
تحولت أجساد المئات منهم إلى أشلاء ممزقة، ولم تعرف لها معالم بسبب شدة الانفجار،
وسط تنصل الاحتلال والإدارة الأمريكية من هذه الجريمة التي افتتحت سلسلة مجازر
لاحقة لا تقل عنها بشاعة.
وبعد ساعات من المجزرة، ووسط حالة الغضب العالمي مما جرى، خرج الرئيس
الأمريكي جو بايدن، ليعرب عن حزنه من "الانفجار" الذي وقع في المستشفى،
في عبارة كانت تهدف لنفي مسؤولية الاحتلال وتصوير الأمر وكأنه انفجار داخلي.
وأضاف "وجهت فريقي للأمن القومي، إلى
مواصلة جمع المعلومات حول ما حدث بالضبط".
ولم تقف الإدارة الأمريكية عند هذا الحد، بل ذهب بايدن إلى حد اتهام
الفلسطينيين بالوقوف وراء المجزرة، لتبرئة الاحتلال منها.
وقال بايدن، خلال لقاء مع نتنياهو: "شعرت بحزن شديد وغضب بسبب
الانفجار في المستشفى أمس، وبناء على ما رأيته يبدو أن الطرف الآخر هو من قام بذلك
وليس أنتم".
كما رد بايدن على اسئلة صحفيين حول سبب اعتقاده أن الاحتلال، ليس
مسؤولا عن المجزرة بالقول: "البيانات التي عرضتها عليّ وزارة الدفاع".
كما نشرت الاستخبارات الأمريكية تقييما، عقب
المجزرة بيومين، قالت فيه، إن الاحتلال ليس مسؤولا عن الانفجار، وقد يكون ناجما عن
صاروخ أطلق من غزة وأخفق مساره، وتوازى مع ذلك بيان لمجلس الأمن القومي الأمريكي،
قال فيه: "تقييمنا استنادا إلى صور جوية وعمليات اعتراض واتصالات ومصادر
مفتوحة، أن إسرائيل ليست مسؤولة عن الانفجار في المستشفى".
وذهب الاحتلال إلى اتهام حركة الجهاد الإسلامي بالمسؤولية عن المجزرة،
لكن تقارير من مؤسسات تحليل عسكري، كشفت أن مسار الصواريخ التي أطلقت الاحتلال تلك
الليلة، لم تكن باتجاه المستشفى، وأن حفرة الانفجار والمسار الذي خرج منه المقذوف
الذي تسبب بالمجزرة، كان من أحد مواقع الاحتلال، القريبة من السياج الفاصل.
مجزرة ملجأ العامرية:
أقدمت القوات الأمريكية
في 13 شباط/فبراير 1991، على ارتكاب مجزرة في ملجأ العامرية للمدنيين وسط بغداد،
خلال حملة قصف مكثفة على العراق ما أدى إلى سقوط أكثر من 400 عراقي قتلى جميعهم
مدنيون، وأغلبهم من النساء والأطفال فضلا عن إصابة عدد آخر كبير.
وزعمت القوات
الأمريكية أن القصف طال مركزا للقيادة للجيش العراقي، لكن الموقع كان معروفا بأنه
ملجأ مدني، ضد الأسلحة غير التقليدية الكيماوية أو الجرثومية، وكان وضمن حي
العامرية السكني، وكان وقع القصف مكتظا بالمدنيين.
وسعت واشنطن من اللحظة
الأولى للمجزرة، للتنصل مما أقدمت عليه من قتل للمدنيين بواسطن قنابل ذكية اخترقت
تحصينات الملجأ.
وخرج تشارلز أي ألن، مسؤول التحذير الوطني في
وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه"، بعد وقوع المجزرة، للقول إنه
"أصبح مركز قيادة بديل، ولم تظهر عليه علامات استخدامه كملجأ مدني، وهو ما
ساعد في اختياره كهدف".
أما مدير عمليات هيئة الأركان المشتركة
الأمريكية، الجنرال توماس كيلي، فقال: "كنا نعلم أن هذا كان مركز قيادة
وسيطرة عسكري، واستهدفناه ونأسف لأي خسارة في الأرواح المدنية".
بدوره قال المتحدث باسم الجيش الأمريكية في ذلك
الوقت، الجنرال ريتشارد نيل: "لم نكن لنهاجم لو علمان بوجود مدنيين داخل
الملجأ".
أما المتحدث باسم البيت الأبيض، فأدلى
بتصريحات صادمة في حينه، حين قال: "لا نعرف لماذا كان المدنيون في هذا
الموقع، لكننا نعرف أن صدام حسين لا يشاركنا قيمة قدسية الحياة، وربما وضع مدنيين
هناك عمدا لمنع الهجمات، أو لأغراض دعائية".
وحتى يومنا هذا لم
تعتذر الولايات المتحدة عن مجزرة ملجأ العامرية، رغم تكرار المطالبات من قبل ذوي
الضحايا بالتعويض عما لحق بهم.
مجزرة صحفيي حي
الأمين:
وفي بغداد كذلك ارتكبت
القوات الأمريكية، إبان غزوه للعراق، مجزرة بحق صحفيين ومدنيين، وواصلت التنصل مما
فعلته حتى اليوم، بذريعة مشاهدة مسلحين في المكان.
وتعود الواقعة إلى 12
تموز/يوليو 2007، حين أطلقت مروحيتان من طراز أباتشي للجيش الأمريكي، نيران
الرشاشات الثقيلة والصواريخ، على مجموعة من الصحفيين ما أدى إلى مقتل قرابة 18 شخصا،
بينهم صحفيان من وكالة رويترز وهما نمير نور الدين وسعيد شماغ.
وخرج عدد من المسؤولين
الأمريكيين لتبرير ما جرى وقال المتحدث العسكري الأمريكي الكولونيل سكوت بليتشويل
"لا شك أن قوات التحالف كانت تشتبك في عمليات قتالية مع قوة معادية".
وقال الجيش الأمريكي في بيان إن الحادثة التي
وقت في حي الأمين الثانية، ببغداد، كانت "اشتباكا ناريا إلى مقتل 9 مسلحين
إضافة إلى مدنيين آخرين".
وبعد الكشف عن وجود
صحفيين بين الضحايا، قال تحقيق للجيش الأمريكي في تموز/يوليو 2007، إن
"المروحيات استهدفت مسلحين ضمن قواعد الاشتباك، وإن خسارة الصحفيين والمدنيين
كانت عرضية".
يضاف هذا إلى أن أحد المتحدثين
العسكريين الرائد شون تيرنر، قال إن "الحادث تم التحقيق فيه فورا، والجنود لم
يكونوا يعلمون بوجود صحفيين والعملية ضمن قواعد الاشتباك".
ولمزيد من التغطية على
ما ارتكبته القوات الأمريكية، قام الجنود بالاستلاء على الكاميرات، ورفضوا تسليمها
لوكالة رويترز، وبعد مطالبات مطولة من الوكالة، جرى استعادتها، ولم تظهر وجود أي
اشتباكات في المنطقة بخلاف الزعم الأمريكي.
لكن الفضيحة كانت بعد
تسريب موقع ويكيليكس، للقطات المصورة من قبل إحدى طائرات الأباتشي التي شاركت في
قتل المدنيين، وأظهرت عدم وجود أي اشتباكات في المكان، وتعمد الطيارين قتل
المدنيين والذين كان بينهم
أطفال بشكل واضح، والإصرار على مواصلة استهدافهم بعد
إصابتهم ومنعهم من التوجه للعلاج.
مجزرة مدرسة ميناب
ارتكبت صواريخ أمريكية مجزرة بمدرسة ميناب الابتدائية بإيران، صباح 28
شباط/فبراير، ما أدى إلى مقتل 175 طالبة وإصابة العشرات.
وخرجت القيادة المركزية الأمريكية للقول إنها على علم بتقارير حول "وقوع
ضحايا مدنيين نتيجة العمليات العسكرية الجارية، ونقوم بمراجعة التقارير"، دون
الإشارة إلى أي مسؤولية لهم عما جرى.
أما وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو، فخرج في تصريحات في 2 آذار/مارس،
للقول: "الولايات المتحدة المتحدة لن تستهدف مدرسة بشكل متعمد والبنتاغون
يحقق لمعرفة ما جرى".
من جانبه صرح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأن الوزارة تحقق في
التقارير المتعلقة بالضربة "لكن الولايات المتحدة لا تستهدف أهدافا
مدنية".
لكن الرئيس الأمريكي، وخلاف محاولات إدارته الحديث عن تحقيق يجرى،
ومحاولة التنصل بطريقة دبلوماسية، ذهب إلى حد اتهام إيران مباشرة، بالمسؤولية عن
المجزرة.
وقال ترامب في 8 من الشهر الجاري، "الرواية التي تتهم واشنطن باستهداف المدرسة غير حقيقية، وإيران
هي من تقتل الأطفال والمدنيين".
وعاد ترامب وكرر اتهاماته لإيران بالقول:
"صواريخهم غير دقيقة، هم تسببوا في الضربة نحن نعتقد ذلك".
لكن الفضيحة كانت خلال مؤتمر صحفي مساء أمس،
حين سأل أحد الصحفيين، ترامب، عن قوله خلال المؤتمر إن إيران تملك صواريخ توماهوك.
وقال الصحفي: " لمراسل: لقد نوهت للتو أن إيران حصلت بطريقة ما على توماهوك وقصفت
مدرستها الابتدائية في اليوم الأول من الحرب.. حتى وزير دفاعك لم يقل هذا، لماذا
أنت الشخص الوحيد الذي يقول هذا؟".
وكانت إجابة ترامب: "لأنني لا أعرف ما
يكفي عن الحادثة".