العيادات المتنقلة في غزة.. هل تسدّ فراغ انهيار مستشفيات القطاع؟

دمّر الاحتلال منظومة القطاع الصحفي غزة بشكل كبير- عربي21
"جئت لأن أطفالي يمرضون كل أسبوع.. ولأن المستشفى صار أبعد من قدرتنا على الاحتمال". بهذه الكلمات تبدأ أم أحمد حديثها وهي تجلس على مقعد بلاستيكي أمام عيادة متنقلة نُصبت بين خيام النازحين.

الهواء بارد، والرياح تعبث بأطراف القماش المهترئ، بينما ينتظر عشرات المرضى دورهم في طابور صامت يشبه طوابير الخبز والماء.

تقول أم أحمد لـ "عربي21" إنها نزحت أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت المسافة إلى أقرب مستشفى تكبر، فيما يزداد مرض أطفالها تكراراً مع البرد والرطوبة وسوء التغذية. "العيادة المتنقلة قريبة.. هذا أهم ما فيها، لكن لا يمكن أن تكون بديلا عن مستشفى حقيقي"، تضيف بنبرة حاسمة.

تدرك المرأة الثلاثينية أن النقطة الطبية تقدم إسعافا أوليا، لا أكثر. "المستشفى فيه أجهزة وتشخيص وأطباء متخصصون؛ هنا نحصل على علاج سريع، لكننا نعيش قلقاً دائماً"، تقول.

الخوف، بحسب أم أحمد، مزدوج: الخوف من المرض نفسه، والخوف من ألا تجد علاجاً. تروي قصة أحد أطفالها الذي أصيب بمرض جلدي في مخيم النزوح. شُخّصت حالته خطأ في نقطة طبية أولى، وتلقى علاجا غير مناسب، فتفاقمت الإصابة وانتشرت في جسده. في نقطة أخرى شُخّص المرض بشكل مختلف، وكتب له دواء مناسب، "لكننا لم نجده في أي صيدلية أو مستشفى بسبب نقص الأدوية وإغلاق المعابر". اضطرت العائلة إلى شراء علاج بديل أقل فاعلية.

الحرب لم تترك أسرة بلا أثر صحي، تقول أم أحمد. "أُصبنا بأمراض لم نعرفها من قبل"، وتخفض صوتها وهي تذكر أنها فقدت جنينها خلال الحرب، في أول إجهاض تتعرض له في حياتها. ثم تلتزم الصمت حين يُطلب منها توجيه رسالة إلى العالم: "لا رسالة لدي؛ من لم يسمع سابقا فلن يسمع لاحقا".




بين الخيمة وغرفة العمليات

داخل العيادة، تعمل الحكيمة هديل صبيح وسط إمكانات محدودة، توضح الفرق بين النقاط الطبية والمستشفيات بواقعية مباشرة: "المستشفى منظومة متكاملة، فيها طوارئ وعمليات وعناية وأقسام مبيت. هنا نتعامل مع الحالات بشكل أولي فقط".

تشرح لـ "عربي21" أن العمل في نقطة طبية يتطلب سرعة استجابة وقدرة على التصرف بأبسط الموارد. "نقتصد في استخدام الأدوات، نلجأ لبدائل، نقدم إسعافات أولية، ونحوّل ما نستطيع إلى المستشفى، وأحياناً، يُستعاض عن محاليل طبية بمحلول ماء وملح عند الضرورة، أو تُغيَّر وضعية مريض يعاني نقص الأكسجين لتحسين تنفسه مؤقتاً".

لكن التحدي لا يقتصر على نقص المعدات، تروي هديل حادثة استهداف قرب نقطة طبية في ميناء غزة، حين تدفق المصابون ولم يكن في المكان سوى هي وزميلتها. "لم يكن لدينا ما يكفي من المستلزمات، فعلنا ما استطعنا من إسعافات أولية حتى وصول الإسعاف".

وذات مرة، في حصار بيت لاهيا شمال قطاع غزة، كانت النقطة الطبية داخل مدرسة تؤوي نازحين، "نفدت المستلزمات، والمصابون كانوا من عائلتي، بينهم عمي وأبناء عمي، لم نستطع سوى وقف النزيف وتركيب كانيولا، استشهد عمي أمامي".

عن شعور المرضى بالأمان، تجيب بتردد: "نعم ولا. نعم لأن النقاط قريبة ويسهل الوصول إليها، وغالباً الكادر من نفس البيئة. ولا، لأنها تفتقر للمستلزمات الكافية، وهي نفسها معرضة للخطر".


المستشفى منظومة

استشاري طب الأطفال د. محمد إبراهيم أبو ندى يختصر الفارق بين المستشفى والنقطة الطبية في جملة واحدة: "في المستشفى منظومة، أما هنا قرار فردي مبني على الخبرة السريرية فقط".
يوضح لـ "عربي21" أن العيادات المتنقلة تعمل في خيام أو مدارس، غالبا بلا فحوصات مساندة أو أجهزة تشخيص. "نعرف أحياناً ما يحتاجه المريض، لكننا لا نملكه".

ويتابع "لا تستطيع النقاط الطبية أو العيادات المتنقلة إجراء فحوصات ضرورية أو تقديم علاج متكامل للحالات المزمنة والحرجة، ولا تملك قدرة التدخل في حالات إنعاش أو جراحة؛ في كثير من الأحيان نشعر أننا نسكِّن الكارثة أكثر مما نعالج المرض. نقلل الألم، نمنع التدهور، نكسب وقتاً".

ويضيف: الحصار الإسرائيلي وتضرر المستشفيات يفرضان قيوداً قاسية على القرار الطبي. "كل قرار يصبح مشروطا بسؤال: هل يمكن تحويل المريض؟ هل سيصل؟ هل يوجد مكان؟ أحياناً نختار خياراً أقل مثالية لأن الأفضل غير متاح".

أخطر الحالات، برأيه، ليست تلك المعقدة بطبيعتها، بل التي كان يمكن إنقاذها في ظروف طبيعية. "مريض قلب أو طفل بحاجة تدخل عاجل.. نفقده لأننا لا نملك الإمكانات؛ هذا الإحساس بالعجز هو الأقسى".

العيادات المتنقلة حلول اضطرارية

وكيل وزارة الصحة المساعد بسام الحمادين يؤكد أن النقاط الطبية المتنقلة حلول اضطرارية بعد تدمير عشرات المراكز الصحية. "نحو 30 مركز رعاية أولية سُويت بالأرض، وقرابة 20 تعرضت لأضرار جسيمة".

يضيف لـ "عربي21" أن عددا كبيرا من المستشفيات متوقف بسبب تدمير المباني والمولدات ومحطات الأكسجين والأنظمة الكهروميكانيكية؛ إعادة تشغيلها تحتاج مواد بناء وأجهزة يمنع إدخالها، كما أن بعض المستشفيات تقع في مناطق يصعب الوصول إليها".

يشير الحمادين إلى نقص حاد في الأجهزة: لا يوجد جهاز رنين مغناطيسي يعمل في القطاع، وعدد محدود من أجهزة التصوير المقطعي فقط في الخدمة، ومعظم أجهزة الأشعة والمختبرات متعطلة.

أجهزة العناية والحضانات مفقودة أو متضررة، ومستهلكات قسطرة القلب غير متوفرة، وأدوية مرضى السرطان مفقودة تماماً. كما دُمِّرت نحو 20 محطة أكسجين، والمتبقي يعاني نقص قطع الغيار.

"العيادات المتنقلة لا يمكن أن تعوض خدمات المستشفيات"، يقول الحمادين، محذراً من أن استمرار الوضع سيؤدي إلى تفاقم الأمراض وفقدان مزيد من الأرواح، وربما انهيار كامل للمنظومة الصحية.
مع اقتراب الغروب، يتناقص عدد المنتظرين أمام العيادة المتنقلة، لكن القلق لا يتناقص. أم أحمد تخرج حاملة كيس دواء صغير، تمسك بيد طفلها، وتعود إلى خيمتها.

في غزة اليوم، لا يُسأل السؤال التقليدي: "هل ستتعافى؟" بل سؤال آخر أكثر قسوة: "هل سنجد ما يُبقيك حتى الغد؟".

العيادات المتنقلة تملأ فراغا واسعا، لكنها لا تداوي جرح المنظومة المنهكة، هي مسكّن مؤقت في جسد يفتقد غرفة عمليات كاملة. وبين خيمة وعيادة، يعيش المرضى والأطباء معادلة صعبة: إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. بانتظار زمن يسمح بالعلاج الحقيقي.