من أزمة الرهائن إلى "محور الشر".. محطات التوتر الأبرز بين واشنطن وطهران

سيناريوهات المرحلة المقبلة.. تفاوض بشروط قاسية أم تصعيد مفتوح؟ - جيتي
في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، وعودة الحديث عن خيارات عسكرية أمريكية في المنطقة، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، إن موعد الجولة الثانية من المفاوضات مع الولايات المتحدة ومكان انعقادها “لم يحددا بعد”، مؤكدا في الوقت نفسه أن الطرفين يرغبان في استمرار مسار التفاوض.

وأوضح لاريجاني، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني عقب ختام زيارته إلى قطر مساء الأربعاء، أن الجانبين يحتاجان إلى إجراء مشاورات داخلية في العاصمتين، كي تفضي المحادثات إلى “نتائج”، في إشارة إلى استمرار التباينات حول الملفات المطروحة.

ونفى المسؤول الإيراني ما تردد عن حمله رسالة مكتوبة إلى أطراف التفاوض، قائلا: “لا، لم تكن لدينا أي رسالة”، لكنه أشار إلى أن “الطرف العُماني كانت لديه بعض الاتصالات، ونقل إلينا جملة من الأمور على لسانهم (الأمريكيين)، ودون آراءهم وسلمها لي لكي تدرس في طهران”.


حاملة طائرات ثانية

تزامنت تصريحات لاريجاني مع تقارير أمريكية الأربعاء٬ تتحدث عن استعدادات عسكرية جديدة في المنطقة، إذ نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن ثلاثة مسؤولين أمريكيين قولهم إن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) أبلغت مجموعة حاملة طائرات ثانية بالاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط، وسط تصاعد التوتر مع إيران، واحتمال تنفيذ ضربة ضد طهران إذا فشلت المفاوضات.

وجاء ذلك بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء الماضي، أنه يدرس إرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة “تحسبا لعمل عسكري محتمل” في حال تعثرت المفاوضات مع إيران.

وبحسب أحد المسؤولين الذين نقلت عنهم الصحيفة، قد يصدر أمر الانتشار “خلال ساعات”، غير أن المسؤولين شددوا على أن ترامب “لم يوقع بعد أمرا رسميا” بنشر الحاملة، وأن الخطط لا تزال قابلة للتغيير.

وفي حال صدور القرار، ستنضم الحاملة الجديدة إلى “يو إس إس أبراهام لينكولن” الموجودة حاليا في المنطقة، في خطوة تعكس عودة استراتيجية الضغط العسكري بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.


تاريخ طويل من العداء منذ 1979

وتعود جذور التوتر ومحطات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة إلى الثورة الإيرانية الإسلامية عام 1979، وما تلاها من أزمة الرهائن الشهيرة في السفارة الأميركية بطهران.

ففي 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1979، وبعد سبعة أشهر على إعلان قيام الجمهورية الإسلامية، اقتحم طلاب إسلاميون السفارة الأمريكية مطالبين بتسليم الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، الذي كان يتلقى العلاج في الولايات المتحدة بعد أشهر من الإطاحة به في ثورة شعبية.

واحتجز الطلاب 52 دبلوماسيا وموظفا أمريكيا لمدة 444 يوما، فيما أطلقوا سراح نحو عشرة آخرين على مدى أشهر الأزمة لأسباب إنسانية.

وفي نيسان/أبريل 1980، قطعت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع طهران وفرضت عليها حظرا تجاريا، وذلك قبل تسعة أشهر من إطلاق سراح آخر الرهائن في 20 كانون الثاني/يناير 1981.


"محور الشر" في عهد بوش

وفي 30 نيسان/أبريل 1995، فرضت واشنطن حظرا تجاريا وماليا شاملا على إيران، واتهمها الرئيس بيل كلينتون بدعم “الإرهاب”، قبل أن تفرض لاحقا عقوبات إضافية استهدفت الشركات المستثمرة في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين.

ومع بداية الألفية الجديدة، تصاعد الخطاب الأمريكي ضد طهران، إذ وضع الرئيس جورج دبليو بوش إيران عام 2002 ضمن ثلاث دول تشكل “محور الشر” الذي يدعم “الإرهاب”، إلى جانب العراق في ظل حكم صدام حسين وكوريا الشمالية.

وفي عام 2019، أدرجت واشنطن الحرس الثوري الإيراني في قائمتها للمنظمات الإرهابية الأجنبية، في خطوة زادت تعقيد أي مسار تفاوضي لاحق.

من التسريبات النووية إلى اتفاق 2015

وفي مطلع الألفية، أثارت تسريبات عن مواقع نووية سرية داخل إيران مخاوف دول غربية اشتبهت في سعي طهران لامتلاك قنبلة ذرية.

ولاحقا، أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، في تقرير رئيسي صدر عام 2011، عن معلومات “ذات مصداقية” تفيد بأن إيران قد نفذت أنشطة تتعلق بتطوير جهاز متفجر نووي ضمن برنامج معد قبل عام 2003.

وفي عام 2005، استأنفت إيران في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد تخصيب اليورانيوم، مؤكدة أن برنامجها يهدف إلى تطوير الطاقة النووية لأغراض مدنية.

وبعد عشر سنوات من التجاذبات، توصلت طهران في 14 تموز/يوليو 2015 إلى اتفاق نووي في فيينا مع ست قوى كبرى (الصين وفرنسا وروسيا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، نص على التزام إيران بعدم تطوير أسلحة نووية مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها.

وأقرت الأمم المتحدة الاتفاق في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، لينظر إليه آنذاك باعتباره نقطة تحول تاريخية في العلاقة بين الطرفين.


ترامب ينسحب.. والاتفاق يتآكل

غير أن الاتفاق لم يصمد طويلا، ففي 8 أيار/مايو 2018 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى، انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من الاتفاق، وأعاد فرض عقوبات طالت خصوصا قطاعي النفط والمال الإيرانيين.

وبعد عام واحد، بدأت إيران تنأى بنفسها عن بعض التزاماتها الواردة في الاتفاق، وسط فشل الجهود الدولية في إنقاذه.

ومع تعثر محاولات إحياء الاتفاق، أعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة في 28 أيلول/سبتمبر 2025، بناء على طلب فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، التي اتهمت إيران بانتهاك التزاماتها.

وانتهت مفاعيل اتفاق 2015 رسميا في الشهر التالي، لتدخل العلاقة بين البلدين مرحلة جديدة من التصعيد.

محطات التفاوض بعد 2018

وبعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، انقطعت القنوات الدبلوماسية المباشرة بين طهران وواشنطن، بالتزامن مع فرض واشنطن عقوبات مشددة على إيران.

وفي 3 كانون الثاني/يناير 2020، اغتالت الولايات المتحدة اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، في غارة قرب مطار بغداد، ما أدى إلى انفجار غير مسبوق في التوتر.

وردت إيران بعد أيام بإطلاق صواريخ على قاعدتين تستضيفان جنودا أمريكيين في العراق، في واحدة من أخطر لحظات الاشتباك غير المباشر بين الطرفين.

ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض عام 2021، جرت محاولات لإحياء الاتفاق النووي عبر مفاوضات غير مباشرة في فيينا بوساطة أوروبية، إلا أن تعقيدات الملفات والمطالب المتبادلة حالت دون التوصل إلى صيغة نهائية.

مفاوضات تحت التهديد

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، عادت المفاوضات من جديد، إذ بدأت المحادثات بين الجانبين في نيسان/أبريل الماضي، وشهدت خمس جولات متعثرة.

وبحسب ما ورد في النص، عرضت إيران خفض تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات، غير أن المفاوضات اصطدمت بإصرار أمريكي على “تفكيك شامل” للبرنامج النووي الإيراني وإنهاء قدرة طهران على تخصيب اليورانيوم.

وجرت تلك المفاوضات تحت تلويح أمريكي باستخدام القوة، قبل أن تنتهي بالفشل في حزيران/يونيو الماضي، عندما شنت الولايات المتحدة ضربة عسكرية فجر 22 من الشهر نفسه استهدفت منشآت نووية إيرانية، ضمن ما عرف بـ”حرب الـ12 يوماً” بين إيران من جهة والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة اخرى.


”تدمير” المواقع النووية

وخلال تدخل وجيز في الحرب التي استمرت اثني عشر يوما بين الاحتلال وإيران، شنت الولايات المتحدة في 21 حزيران/يونيو 2025 ضربات على ثلاثة مواقع نووية إيرانية رئيسية.

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المواقع “دُمرت”، غير أن مدى الأضرار الدقيقة ظل غير معروف.

وفي السياق نفسه، هدد ترامب “مرارا بضرب إيران” ردا على ما وصفه بـ”حملة القمع الدامية” التي شنتها السلطات على حركة احتجاجية واسعة النطاق بدأت في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025.

كما نشرت الولايات المتحدة “أسطولا” في الخليج، مع وصول حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” ومجموعتها الضاربة في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، في وقت كانت تضغط فيه واشنطن على إيران لإبرام اتفاق جديد.

وبينما تريد طهران حصر المفاوضات في الملف النووي فقط، تسعى واشنطن إلى توسيع نطاقها ليشمل ملفات أخرى، من بينها البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو ما يمثل إحدى أبرز العقد المزمنة في مسار التفاوض.

مفاوضات على حافة الهاوية

ومع غياب موعد محدد للجولة الثانية من المفاوضات، وفق ما قاله لاريجاني، واستمرار التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، يبدو أن الملف النووي الإيراني يعود مجددا إلى نقطة مفصلية بين خيارين متناقضين: إحياء الدبلوماسية، أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه طهران أن الطرفين “يرغبان في استمرار المفاوضات”، تكشف الاستعدادات الأمريكية لإرسال حاملة طائرات ثانية أن واشنطن لا تزال تضع الخيار العسكري على الطاولة، إذا ما فشل المسار السياسي في تحقيق اختراق.