على وقع التحشيد العسكري الغربي المتصاعد في الشرق الأوسط، وتزايد التهديدات الأمريكية بشن هجوم محتمل على
إيران، أعادت طهران التلويح بورقة
مضيق هرمز الاستراتيجية، مستخدمة هذه المرة توصيفا جديدا لقدرتها على التحكم فيه، أطلقت عليه مسمى “السيطرة الذكية”.
وأكدت إيران أنها لا تزال تحتفظ بـ“سيطرة كاملة” على الأراضي البرية والبحرية والجوية في مضيق هرمز، في ظل تصاعد المخاوف من مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
وقال قائد في
الحرس الثوري الإيراني محمد أكبرزاده، إن “إيران لا تريد الحرب، لكنها مستعدة لها تماما”، محذرا من أن اندلاع أي مواجهة عسكرية “لن يكون لها طريق عودة، ولو بمليمترات قليلة”، على حد تعبيره.
وأضاف أن بلاده “ستواصل التقدم إذا فرضت عليها الحرب”.
وأوضح أكبرزاده، في تصريحات نقلها مكتب الأنباء الفارسية، أن إدارة المسار الاستراتيجي في مضيق هرمز “تجاوزت الأساليب التقليدية وأصبحت قائمة على نظام ذكي بالكامل”، يسمح لإيران بمراقبة جميع التحركات البحرية على السطح وتحت الماء.
وأشار إلى أن طهران هي من تقرر “ما إذا كان يسمح للسفن التي ترفع أعلاما مختلفة بالمرور عبر المضيق”، مؤكدا في الوقت نفسه أن إيران “لا تريد الإضرار بالاقتصاد العالمي”، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة وحلفاءها “لن يسمح لهم بالاستفادة من حرب هم من بدأوها”.
وحذر المسؤول العسكري الإيراني من أن استخدام أراضي أو أجواء أو مياه إقليمية لدول مجاورة في أي هجوم على إيران “سيجعل تلك الدول تعامل كأعداء”، مؤكدا أن هذه الرسالة “نقلت بوضوح إلى الأطراف الإقليمية”.
كما كشف أن لدى طهران قدرات إضافية “سيعلن عنها في الوقت المناسب”.
إخطار جوي ومناورات عسكرية
وفي سياق متصل، أصدرت إيران الثلاثاء٬ إخطارا للملاحة الجوية (NOTAM) بشأن نشاط إطلاق نار عسكري في المجال الجوي المحاذي لمضيق هرمز، ضمن إطار مناورات عسكرية أُجريت بين 27 و29 كانون الثاني/يناير الجلري.
ووفق الإخطار الجوي الإيراني، فإن النشاط العسكري جرى داخل منطقة دائرية يبلغ نصف قطرها خمسة أميال بحرية، مع تقييد المجال الجوي من مستوى سطح الأرض حتى ارتفاع 25 ألف قدم، واعتباره منطقة خطرة طوال مدة المناورات.
رسائل مباشرة إلى واشنطن
وعززت إيران رسائلها العسكرية بنشر وكالة فارس، المقربة من الحرس الثوري، مقاطع مصورة لحاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” وعدد من القطع البحرية الأمريكية، ضمن تقرير حمل عنوان “رسالة فورية إلى أبراهام لينكولن”٬ التي وصلت المضيق مؤخرا.
واستحضرت الوكالة حادثة اعتقال عشرة بحارة أمريكيين عام 2016 بعد دخولهم المياه الإقليمية الإيرانية، مع بث مشاهد لاستهداف المدمّرة الأمريكية، في رسالة تهديد مباشرة تعكس تصاعد حدة الخطاب العسكري الإيراني.
كما ظهر قائد القوة البحرية في الحرس الثوري، العميد علي رضا تنغسيري، في تسجيل مصور بثه التلفزيون الإيراني، كاشفا عن صواريخ جاهزة للإطلاق، ومعلنا امتلاك القوة البحرية شبكة واسعة من الأنفاق الصاروخية تحت البحر، صممت لمواجهة السفن الأمريكية في الخليج وبحر عُمان.
وأوضح تنغسيري أن هذه الأنفاق تضم مئات الصواريخ المجنحة التي يزيد مداها على ألف كيلومتر، مشيرا إلى أن صاروخ “قادر 380” من طراز (L) هو من تصنيع القوة البحرية للحرس الثوري، ويتميز بمدى يتجاوز 1000 كيلومتر، مع قدرة توجيه ذكية حتى لحظة إصابة الهدف.
وأكد قائد بحرية الحرس الثوري أن قدرات هذه القوة “في تطور مستمر”، وأن الاستعدادات قائمة لمواجهة أي تهديد محتمل “في أي مستوى وأي جغرافيا”.
هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟
يرى مراقبون أن قدرة إيران على إغلاق المضيق تنقسم إلى سيناريوهين رئيسيين:
الأول، تشديد الرقابة واحتجاز السفن والناقلات، وهو سيناريو سبق لطهران أن لجأت إليه في مناسبات عدة خلال السنوات الماضية.
والثاني، تصعيد عسكري مباشر يشمل استخدام الصواريخ والمسيّرات وزراعة الألغام البحرية، وهو خيار يعني اضطرابا واسعا في حركة التجارة العالمية، وانزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة.
تداعيات كارثية على أسواق الطاقة
يمثل مضيق هرمز أحد أخطر نقاط الاختناق في العالم، إذ يمر عبره نحو 20 في المئة من
النفط العالمي، أي ما بين 18 و20 مليون برميل يوميا، قادمة من السعودية والإمارات والعراق والكويت وقطر، إضافة إلى 20 في المئة من الغاز الطبيعي المسال، معظمها من قطر.
وتبقى البدائل محدودة، إذ لا تغطي خطوط الأنابيب السعودية–الإماراتية سوى نحو خمسة ملايين برميل يوميا، ما يعني أن أي إغلاق سيؤدي إلى قفزات فورية في أسعار النفط قد تصل إلى 50 أو حتى 100 في المئة.
وتعد آسيا الأكثر تضررا، حيث تعتمد الصين على المضيق في نحو 50 في المئة من وارداتها النفطية، إلى جانب الهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وفي حال تزامن الإغلاق مع اضطرابات في البحر الأحمر، فإن حركة التجارة العالمية قد تتعرض لضربة مزدوجة، مع إطالة مسارات الشحن عبر رأس الرجاء الصالح بما يزيد من مدة الرحلات 10 إلى 14 يوما، وارتفاع تكلفة السفينة الواحدة بنحو مليون دولار، كما حدث خلال هجمات الحوثيين بين عامي 2023 و2025.
صدمة اقتصادية عالمية
اقتصاديا، سيؤدي أي إغلاق فعلي لمضيق هرمز إلى زيادة التضخم العالمي بنسبة تتراوح بين 2 و5 في المئة، مع تباطؤ النمو العالمي بنسبة 1 إلى 2 في المئة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، ما يفتح الباب أمام ركود محتمل في أوروبا وآسيا.
وتواجه الدول المستوردة الكبرى، وعلى رأسها الصين والهند واليابان، ارتفاعا في أسعار الوقود بنسبة 30 إلى 50 في المئة، فيما تعتمد أوروبا على الغاز القطري بنسبة تصل إلى 20 في المئة من احتياجاتها.
أما دول الخليج، فتتكبد خسائر فادحة في إيراداتها، إذ تصدر السعودية وحدها نحو سبعة ملايين برميل يوميا عبر المضيق، في حين تخسر إيران بدورها نحو مليوني برميل يوميا، لكنها تستخدم المضيق كورقة ضغط استراتيجية.
الجغرافيا السياسية على حافة الانفجار
سياسيا وأمنيا، يرجح أن يؤدي أي إغلاق للمضيق إلى رد عسكري أميركي–خليجي سريع، مع مخاطر توسع الصراع ليشمل السعودية والإمارات والاحتلال الإسرائيلي، في حين قد تستفيد روسيا والصين من ارتفاع أسعار الطاقة، خصوصا موسكو التي ستعزز عائداتها النفطية.
وفي العالم النامي، قد تواجه دول فقيرة في أفريقيا وآسيا أزمات طاقة وغذاء حادة، مع معدلات تضخم قد تصل إلى 10 أو 20 في المئة، ما ينذر بموجات هجرة جماعية واضطرابات اجتماعية٬ وفق خبراء.
رغم أن الإغلاق الكامل لمضيق هرمز يبقى سيناريو نادرا، وقد سبق لإيران أن هددت به في أعوام 2019 و2025 دون تنفيذه، إلا أن مجرد التلويح به يعادل “صدمة نفطية” تعادل ثلاثة أضعاف صدمة عام 1973، بما تحمله من تضخم عالمي، وركود اقتصادي، وتصعيد عسكري واسع، وخسائر قد تتجاوز تريليون دولار سنويا لدول الخليج.
ويبقى مضيق هرمز، بطوله البالغ نحو 161 كيلومترا، وعرضه الذي لا يتجاوز في أضيق نقاطه 32 كيلومترا، واحدا من أخطر الممرات المائية في العالم، حيث تمر عبره أكثر من خمس شحنات النفط والغاز العالمية، ما يجعله في قلب معادلات الأمن والطاقة والاقتصاد الدولي.