من المحامين إلى القضاة والشرطة.. صراعات الأجهزة في مصر تتصاعد في العلن

وقفة احتجاجية للمحامين أمام مكتب النائب العام بـ"التجمع الخامس" - جيتي
تتوالى في الآونة الأخيرة الأزمات بين مكونات الدولة المصرية، في مؤشر خطير وفق مراقبين، يكشف عن حجم الصراع بين مؤسسات وأجهزة الدولة في ظل تغول الجهات الأقرب من النظام على تلك الأقل قربا من السلطة، وذلك بالتوازي مع حالة فقدان الثقة بين الشعب والنظام وما تبعها من تردي وتفسخ مجتمعي.

"النيابة" و"المحامون"

آخر تلك الأزمات وقعت بين المحامين والنيابة العامة، إثر طرد مدير "نيابة النزهة" (شرق القاهرة) لبعض المحامين مساء الأحد الماضي من أمام مكتبه، مع إطلاق ألفاظ اعتبرها المحامون إهانة، ليتحول اعتراض 2 منهم إلى قرار من النيابة بالتحفظ عليهما، وتحرير مذكرة لهما، والتحقيق معهما بنيابة "شمال القاهرة الكلية".

الموقف المتأزم، تبعه حشد للمحامين وتنظيم وقفة احتجاجية أمام مكتب النائب العام بـ"التجمع الخامس"، وحملات تدوين، ومطالبات بالتحقيق من قبل قاضي تحقيق، ووقف وكيل النيابة عن العمل، لينتهي الموقف باعتذار "نقابة المحامين"، الطرف الأضعف والمعتدى عليه للطرف المعتدي، وسط ما تؤكده حالة الغضب من جموع المحامين عبر مواقع التواصل الاجتماعي والذين اعتبروا الاعتذار تسليم لـ"كفن قلعة الحريات"، وتأكيد لـ"انبطاح نقابة المحامين".



"الأكاديمية العسكرية" و"القضاة"

وفي أزمة ثانية بين جناحين هامين داخل السلطة، تفجر الأسبوع الماضي، صراع بين "نادي القضاة" و"الأكاديمية العسكرية"، حول أحقية تعيين وكلاء النيابة وترقيات القضاة، الحق الأصيل للهيئات القضائية الذي قررت مؤسسة الرئاسة نزعه منها، وفق ما كشفته مصادر قضائية نقلا عن مدير مكتب رئيس الجمهورية عمر مروان.

ليجتمع نادي القضاة الأربعاء الماضي في مقره الشهير وسط القاهرة، ويقرر دعوة القضاة لجمعية عمومية غير عادية 6 شباط/ فبراير المقبل، ما تبعه تسريب كشوف المعينين بالنيابة العامة دفعة 2022، والتي أقرها "مكتب تعيينات النيابة العامة" لإجبار "الأكاديمية العسكرية" على عدم تغيير تلك النتائج.


"الشرطة" و"الجيش" في الإسماعيلية

وفي أزمة جديدة ومتكررة وفي 17 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تداول نشطاء الحديث عن مشاجرة عنيفة بين ضباط في الجيش وآخرين بالشرطة، بدأ بمشادة بين ضابط جيش وضابط مباحث بقسم "الإسماعيلية ثان" بمحافظة الإسماعيلية كُسر فيه ذراع الأخير، ليتطور الأمر حد اعتداء ضباط وأفراد القسم على ضابط الجيش.

الأمر الذي تبعه حصار قوة من "الجيش الثاني" لقسم الشرطة للقبض على ضباط الشرطة الذين أمر وزير الداخلية بنقلهم لمقر الوزارة، قبل توقيف الجيش لهم، في أزمة تم التكتم عليها إعلاميا، وانتهت بذهاب وفد من الشرطة لتقديم الاعتذار لضابط الجيش بمقر "الجيش الثاني".  
الأجهزة السيادية ومقاعد البرلمان


وفي سياق صراع الأجهزة، شهدت انتخابات مجلس النواب المصري، صراعا حادا بين الأجهزة السيادية الثلاث: "المخابرات العامة" التابعة لمؤسسة الرئاسة، و"المخابرات الحربية" وتتبع الجيش، وجهاز الأمن الوطني أحد مكونات وزارة الداخلية، على كعكة كل من أذرعها السياسية من مقاعد البرلمان.


مشهد الصراع المستتر وفق قراءة مراقبين، كاد يخرج عن السيطرة لولا تدخل رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، ومطالبته "الهيئة الوطنية للانتخابات"، بمراجعة وفحص الأحداث والطعون الانتخابية، لينتهي المشهد الذي استمر لنحو 99 يوما بتقسيم مقاعد النواب بين مكونات الأجهزة الثلاث.

واستحوذت أحزاب: "مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"الشعب الجمهوري"، و"الجبهة الوطنية"، على 403 مقعدا من 568 مقعدا، بنسبة 70.9 بالمئة، بواقع 277 مقعدا للأول التابع لجهاز "الأمن الوطني"، و87 للثاني التابع لـ"المخابرات الحربية"، و65 للثالث، و24 للرابع، وهما تابعين لـ"المخابرات العامة".

"نادي القضاة" و"والنيابة الإدارية"

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، فجرت توجيهات السيسي، بتلافي تجاوزات الجولة الأولى من الانتخابات، أزمة بين "نادي القضاة"، من جانب، وبين و"هيئة النيابة الإدارية"، و"هيئة قضايا الدولة"، الحكوميتين، من جانب آخر.

حيث تبرأ "نادي القضاة" من خروقات الاقتراع، مؤكدا أن الهيئات القضائية وأعضاء النيابة العامة لم يشرفون على الانتخابات، وأن الأزمة تخص قضاة "هيئة النيابة الإدارية"، و"هيئة قضايا الدولة" –جهتان حكوميتان-.

أعقب بيان "نادي القضاة"، إصدار "نادي مستشاري النيابة الإدارية"، و"النادي البحري للنيابة الإدارية"، و"هيئة قضايا الدولة"، وهي الجهات المشاركة في الإشراف على الانتخابات 3 بيانات تنتقد بيان "نادي القضاة" وتصفه بـ"النرجسي"، وتتهم جهة أخرى وهي "الهيئة العليا للانتخابات"، بعدم الالتزام بتوجيهاتهم.

الشارع والشرطة

ومع الأزمات المتتابعة بين أجهزة الدولة، لا تخلو الأحداث اليومية في الشارع من اعتداء ضابط شرطة أو فرد أمن على أحد المصريين، والتي تصل حد التنكيل والسب والاعتداء والضرب، ما قد يتبعه قرار بالاعتقال والإخفاء القسري والتعذيب الممنهج وربما القتل داخل أقسام الشرطة ومقرات الاحتجاز.

"المغتربون" والحكومة

 وبينما يشكو المصريون من إجراءات حكومية فاقمت معاناتهم المعيشية، فجر قرار "حكومي" الأسبوع الماضي، بإلغاء الإعفاء الجمركي على هواتف المصريين القادمين من الخارج، وفرض ضرائب بنسبة 38 بالمئة عليها، غضب أكثر من 14 مليون مقيم بالخارج، أمدوا البلاد بأكثر من 37.5 مليار دولار العام الماضي، ما دفعهم لتبني دعوات "وقف التحويلات الدولارية عبر البنوك المصرية، وتحويل أموالهم بالجنيه المصري".

منطق المغالبة لا المشاركة

وحول خطورة توالي الأزمات بين مكونات الدولة المصرية، والتي تصل إلى صراع يتغول فيه الأقرب للسلطة كما حدث في واقعة المحامين والنيابة العامة وغيرها، قال السياسي المصري مجدي حمدان: "الأخطر من الأزمة ذاتها هو ما عكسته طريقة إدارتها من تكريس لمنطق الغلبة لا منطق الشراكة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أنه "منطق يتكرر اليوم في شكاوى القضاة أنفسهم من تغول سلطات أعلى على استقلالهم، خاصة في ملف تعيينات النيابة، بما يفتح الباب لتساؤلات جدية حول حدود الفصل بين السلطات وضمانات استقلال المؤسسات العدلية".

القيادي في حزب "المحافظين" أضاف: "لقد وصلنا إلى هذا الوضع نتيجة تراكمات طويلة من إدارة الخلافات بمنطق أمني وإداري، لا بمنطق سياسي ودستوري، وغياب آليات الحوار المؤسسي، والاستخفاف بتوازنات دقيقة تمثل صمام أمان للدولة قبل أن تكون مكاسب لفئة أو مؤسسة".


ويرى أن "استعادة لحمة مكونات الدولة والمجتمع المصري لن تتحقق بالمسكنات أو الحلول الشكلية، وإنما تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، والعودة الصريحة إلى نصوص الدستور وروحه، واحترام استقلال المهن والهيئات القضائية، وفتح قنوات حوار حقيقية قائمة على الندية والاحترام المتبادل، بعيدا عن منطق المنتصر والمهزوم".

وخلص للقول إن "الدولة القوية لا تُبنى بتغليب مكون على آخر، بل بتوازن الجميع تحت مظلة القانون، وبثقة متبادلة تضمن استقرار المؤسسات وتحفظ هيبة الدولة وحقوق مواطنيها في آن واحد؛ وهو أمر إن تحقق سنحظى بدولة العدل والحق والمواطنة".

تشوه ترتيب علاقات الأجهزة

وفي قراءته للمشهد، قال السياسي المصري خالد سعيد لـ"عربي21": "تعود جذور الأزمة إلى ما حدث في 25 يناير 2011، فقد تضررت بنية النظام الأساسية أو ما يسمى بالدولة العميقة وحدثت خلخلة في تماسكها الشبكي وتماسكها، بمعنى أعمدة السلطة الرأسية وصفوفها الأفقية".

وأضاف: "عندما أُسقط (نظام يناير) وأعاد (انقلاب 3 يوليو) السيطرة لأجهزة السلطة في ثوبها الجديد؛ وعند إعادة تصلبها وتماسكها من جديد؛ حدث تشوه في ترتيب تلك العلاقات، بحيث صعدت أجهزة على حساب أخرى".

ولفت إلى "هيمنة المخابرات الحربية كممثل عن الجيش على المخابرات العامة، وسيطر كليهما على الأمن الوطني، وصارت هذه الأجهزة بهذا التناقض تسيطر على بقية مكونات الدولة، ومن أبرزها النظام القضائي والقانوني، والإعلام والاقتصاد والأوقاف، وسائر الأجهزة الحكومية".

ويرى أن "آثار هذا الصراع وسوء أو عشوائية الترتيب؛ ظهرت في أزمة آب/ أغسطس 2024، التي أدت لإقالة وزير الدفاع محمد زكي من جهة، ورئيس المخابرات العامة عباس كامل والعقيد أحمد شعبان وفريقهما من الجهة الأخرى".

تغليب الأقرب للسلطة

وفي أزمة المحامين والنيابة الأخيرة، قال ‏المتحدث باسم "الجبهة السلفية": "تأتي أزمة المحامين والنيابات في مصر تغليبا لمصلحة ووجاهة الأقرب منهما لتحقيق مصالح السلطة، وهي النيابة والقضاء تبعا لذلك، رغم كونهما وجهان لعملة واحدة -وهي العدالة- في جميع الدول المحترمة والمتحضرة".


ويعتقد أن "هذا العبث الذي جرى مؤخرا هو دلالة ودليل قطعي للعالم أجمع على غياب تلك العدالة وانعدام دولة القانون في عهد السيسي ونظام الانقلاب، كما يؤدي إلى احتقان شريحة أخرى عريضة من المصريين وحملة القانون ضد النظام".

وختم بالقول: "والأدهى أن القضاة أنفسهم انتفضوا في نفس الأسبوع ولكن من أجل مصالحهم وامتيازاتهم وأولادهم بعد تدخل المؤسسة العسكرية بما يهددها، وانتزاع أولوية التعيينات والوسائط منهم، بينما لم تتحرك الهيئات القضائية والقانونية لكرامة المحامين ولا مصالح المصريين".

مجتمعات العبيد

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصف المحامي بالنقض سيد أبوعبله، واقعة المحامين والنيابة، بأنها "نموذج يجسد حالة السادية والمازوخية"، مستنكرا قيام "أحدهما باستغراق الآخر"، منتقدا وجود "الأجهزة السيادية" في ظل دستور يقول بالسيادة للشعب، مؤكدا أنه وضع يناسب "مجتمعات العبيد".



وتحت عنوان: "مؤسسة القضاء تخسر ظهيرها الشعبي"، قال الكاتب أحمد حسن، إن "أزمة المحامين مع نيابة النزهة لن تكون في صالح المجلس الأعلى للقضاء بأزمته مع الأكاديمية العسكرية، بل تفقد مؤسسة القضاء أي تعاطف شعبي".


وأكد المحامي أيمن عطاالله إن الأزمة الحقيقية بين المحامين والنيابة والقضاء لم تنته، منتقدا اعتذار نقابة المحامين للنيابة، مشيرا إلى اختلال الميزان، متخوفا من أن "يتحول المحامي إلى الحلقة الأضعف في معادلة يفترض أنها قائمة على التكافؤ".

المحامي أسعد هيكل، قال إن "أزمة القضاء والمحامين كبيرة، وتتطور للأسوأ منذ سنوات، والعلاقة تحولت من شراكة وتعاون إلى علاقة ندية وتنافر، وواقعة النزهة انعكاس وتعبير عن الأزمة".