إبرام اتفاق التجارة الحرة بين أوروبا والهند بعد عقدين من المفاوضات.. ما أهميته؟

الاتفاقية من شأنها أن تلغي ما يصل إلى 4.75 مليارات دولار من الرسوم الجمركية على صادرات الاتحاد الأوروبي - حساب أورسولا فون دير لاين
أبرم الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية تجارة حرة (FTA) وصفت بالتاريخية، حيث تقرّب اثنين من أكبر اقتصادات العالم تتويجا لعقدين من المفاوضات، مما ينشئ "منطقة تجارة حرة تضم ملياري شخص" كما تمثل ما يقارب ربع الناتج الاقتصادي العالمي في وقت يتزايد فيه تأثير التوترات الجيوسياسية على التجارة العالمية.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، قالت: "الاتحاد الأوروبي والهند يصنعان التاريخ اليوم، ويعمّقان الشراكة بين أكبر الديمقراطيات في العالم. لقد أنشأنا منطقة تجارة حرة تضم ملياري نسمة، وكلا الجانبين سيجني مكاسب اقتصادية". وأضافت أن "التعاون القائم على القواعد لا يزال يفضي إلى نتائج كبيرة".


أما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والذي أعلن عن التوصل إلى اتفاق في وقت سابق من اليوم، أشار إلى أن الاتفاقية تدعم قطاعي التصنيع والخدمات في الهند، وتعزز ثقة المستثمرين في ثالث أكبر اقتصاد في آسيا بالوقت نفسه.


كما بلغت صادرات الطائرات والمركبات الفضائية 6.4 مليار يورو العام الماضي. وستُخفَّض الرسوم القائمة، التي تصل إلى 11٪، إلى الصفر، مع إلغاء تدريجي للرسوم على فترات تصل حتى عشر سنوات.

أما صادرات الاتحاد الأوروبي من المواد الكيميائية إلى الهند، وقيمتها 3.2 مليار يورو في 2024، فتخضع حاليا لرسوم تصل إلى 22 بالمئة. وسيُلغى معظم هذه الرسوم عند دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وبلغت صادرات الأدوية 1.1 مليار يورو، وتواجه حاليا رسوما تقارب 11بالمئة، وستُلغى بالكامل على مراحل تمتد من خمس إلى سبع سنوات.

السماح بدخول 250 ألف مركبة أوروبية الصنع إلى الهند

وفيما يتعلق بالمركبات، فاللافت في الأمر هو أن الرسوم الجمركية ستهبط من 110 بالمئة إلى ما يصل إلى عشرة بالمئة، وإن كانت خاضعة لحصص، بينما ستصبح قطع السيارات معفاة من الرسوم في نهاية المطاف، ويمنح ذلك المصنعين الأوروبيين منفذاً إلى أسرع سوق سيارات كبيرة نمواً في العالم.

يُعدّ الاتفاق أكثر اتفاقية تجارية طموحاً توقع عليها الهند، حيث وافقت نيودلهي على السماح بدخول 250 ألف مركبة أوروبية الصنع إلى البلاد برسوم جمركية تفضيلية، وهي حصة تزيد بأكثر من 6 أضعاف عن الاتفاقيات التي أبرمتها في الآونة الأخيرة، بحسب ما كشفته "بلومبرغ".

منتجات الأغذية الزراعية الأوروبية تخترق السوق الهندي

لطالما كانت الزراعة أكثر المجالات حساسية في مفاوضات الاتحاد الأوروبي–الهند، حيث تبلغ الرسوم الهندية على منتجات الأغذية الزراعية حاليا في المتوسط 36 بالمئة ويمكن أن تصل إلى 150بالمئة، ما يحجب عمليا كثيرا من الصادرات الأوروبية.

وفي 2024، لم تتجاوز صادرات الاتحاد الأوروبي من المنتجات الزراعية الغذائية إلى الهند 1.3 مليار يورو، أي 0.6 بالمئة فقط من تجارة الأغذية الزراعية العالمية للاتحاد، بسبب الرسوم الباهظة إلى حد كبير.

ومع هذه الاتفاقية التجارية، يُتوقع أن تحظى صادرات أوروبا عالية القيمة من الأغذية الزراعية، من زيت الزيتون والنبيذ إلى الحلويات، بنفاذ ملموس إلى سوق المستهلكين في الطبقة الوسطى الهندية التي تتوسع بسرعة.


كما سيكون زيت الزيتون من بين أكثر الحالات تغييرا، إذ ستُلغى بالكامل رسوم تصل إلى 45٪، ما يفتح الباب أمام استهلاك أوسع يتجاوز الفئات الفاخرة، وقال مفوض الزراعة والغذاء في الاتحاد الأوروبي كريستوف هانسن: "بموجب هذا الاتفاق ستتمتع النبيذات الأوروبية والمشروبات الروحية والجعة وزيت الزيتون والحلويات وغيرها من المنتجات بنفاذ تفضيلي إلى السوق الهندية التي تنمو بسرعة".

والأهم أن القطاعات الزراعية الحساسة مثل لحوم الأبقار والدجاج والأرز والسكر تظل مستثناة من التحرير، بما يحمي المزارعين الأوروبيين، ومن شأن الاتفاقية أن تمنح الهند ميزة تنافسية في تصدير السلع كثيفة العمالة، والتي تضررت بشدة من الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها ترمب، مثل الملابس والأحجار الكريمة والمجوهرات والأحذية.

ما الذي يشتريه الاتحاد الأوروبي من الهند؟

بحسب بيانات موقع "ITC Trademap.org"، استورد الاتحاد الأوروبي في 2024 ما مجموعه 89.8 مليار يورو من السلع من الهند، وكانت أكبر فئة منفردة للواردات الآلات والمعدات الكهربائية، بما فيها أجهزة تسجيل الصوت والتلفزيون، بقيمة واردات بلغت 13.4 مليار يورو.

وتلتها المواد الكيميائية العضوية التي بلغت 11.9 مليار يورو، كما وبلغت واردات الآلات والأجهزة الميكانيكية، بما فيها المفاعلات النووية والغلايات، 8.6 مليار يورو، فيما بلغت شحنات الحديد والصلب 6.2 مليار يورو، وشكّلت المنتجات الدوائية 4.7 مليار يورو من واردات الاتحاد الأوروبي من الهند.

سوق ضخمة لتسويق المنتجات

وتتطلع بروكسل إلى السوق الضخمة التي تمثلها الهند، الدولة الأكثر تعدادا بالسكان في العالم، مع نمو قوي جدا بنسبة 8.2 بالمئة على أساس سنوي في الربع الأخير من العام الماضي.

وحسب صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن تتجاوز الهند اليابان هذا العام لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين وألمانيا، وقد تصل إلى المراكز الثلاثة الأولى قبل عام 2030، وفق حكومتها.

فرص عمل جديدة.. وتأشيرات متاحة للطلاب

وبحسب الاتحاد الأوروبي، يدعم التبادل التجاري مع الهند بالفعل نحو 800.000 وظيفة في أنحاء التكتل، ومن المتوقع أن يعزّز الاتفاق فرص العمل في التصنيع والخدمات وسلاسل الإمداد مع اتساع حجم التجارة.

كما قدمت بروكسل تعهدات ملزمة بشأن تنقل الطلاب، وتأشيرات ما بعد الدراسة، إلى جانب مزايا في 144 قطاعاً خدمياً. بينما استبعدت الهند منتجات الألبان من الاتفاق.

إضافة للاقتصاد.. اتفاقية أمنية ودفاعية

وحسبما أعلن الاتحاد الأوروبي، وقع التكتل والهند اتفاقية شراكة أمنية ودفاعية استجابة لبيئة استراتيجية متزايدة التحديات، ولتعزيز التعاون بين الطرفين، ووفق البيان الأوروبي ترسخ هذه الاتفاقية إطارا شاملا يحدد مستوى الطموح الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي والهند، وينظم تعاونهما في مجالات السلام والأمن والدفاع.

وتأتي الشراكة الأمنية والدفاعية بين الاتحاد الأوروبي والهند في وقت يشهد تصاعدا في عدم الاستقرار العالمي والتوترات الجيوسياسية، كما تجسد هذه الاتفاقية الحاجة إلى تعاون وثيق بين الشركاء الدوليين لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، بما في ذلك في المجالات الاستراتيجية غير التقليدية كالمجالات السيبرانية والبحرية والفضاء.

ما الخطوات القادمة لتفعيل الاتفاقية؟

سيمر الاتفاق الآن بمراجعة قانونية وترجمة إلى جميع لغات الاتحاد الرسمية، ثم ستحيله المفوضية الأوروبية إلى المجلس والبرلمان الأوروبي لإقراره. وبالتوازي، يتعيّن على الهند المصادقة عليه داخليا.

وبعد تصديقه من الجانبين، سيدخل الاتفاق حيز التنفيذ، مع تطبيق تدريجي لتخفيضات الرسوم والأحكام التنظيمية على مدى يصل إلى عشر سنوات، بالنسبة لأوروبا، لا يتعلق الاتفاق بالصادرات فحسب، بل أيضا بالصلابة الاقتصادية.


فمع نمو اقتصاد الهند بأكثر من 6٪ سنويا، وسكان شباب يبلغون 1.45 مليار نسمة، يؤمّن الاتفاق للاتحاد الأوروبي شريكا استراتيجيا في منطقة يُنظر إليها بشكل متزايد بوصفها مركز الثقل للقوة الاقتصادية العالمية.

وتتوقع المفوضية أن يضاعف الاتفاق صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع إلى الهند بحلول 2032، بما يدعم الوظائف في قطاعات التصنيع والزراعة والخدمات.