اتهم رئيس النظام
المصري
عبد الفتاح
السيسي، السبت، دولا - لم يسمها- بدعم "مليشيات عسكرية" و"جيوش
موازية"، سببت دمارا بالشرق الأوسط، في تصريح أكد مراقبون وخبراء أنه لا ينطبق
إلا على "
الإمارات"، ما دفعهم للتساؤل حول مدى تغير مواقفه من حليفته الاستراتيجية
والأهم سياسيا واقتصاديا منذ العام 2013.
ومن قلب "أكاديمية
الشرطة" بالقاهرة الجديدة، وخلال الاحتفال الرسمي بعيد الشرطة، أكد السيسي، رفض
مصر التام للمساعي التي تستهدف تقسيم دول المنطقة، أو محاولات بعض الدول لإنشاء مليشيات
موازية للجيوش الوطنية، واصفا تلك الكيانات بأنها كانت سببا رئيسا في تدمير المنطقة،
دون أن يسميها صراحة.
وشدد على أن مصر لم
ولن تتورط في أي مؤامرة ضد أي دولة شقيقة، قائلا: بل إنها أصبحت ملاذا آمنا للملايين
من أبناء الدول الأخرى، مشيرا لتواجد جاليات سورية، وليبية، وسودانية، ويمنية، في مصر.
تورط إماراتي
وخلال العقد الأخير،
كشفت تحركات مكثفة للإمارات في ليبيا، واليمن، والسودان، والصومال، عن أدوار في دعم
مليشيات عسكرية مسلحة وامدادها بالسلاح والمرتزقة الأجانب بمواجهة الحكومات الشرعية
للدول الأربع، في محاولات لتفتيت وحدتها وتفكيكها وتعميق انقساماتها، ما أدى لارتكاب
جرائم إبادة جماعية ونزوح ملايين السكان وفق منظمات حقوقية دولية، وذلك إلى جانب ضلوع
أبوظبي في دعم كيان الاحتلال بمواجهة المقاومة الفلسطينية.
وتتهم القوات المسلحة
السودانية، الإمارات، بأنها الممول الرئيسي لقوات "الدعم السريع" بقيادة
محمد حمدان دقلو، والمزود لها بالسلاح والمرتزقة، بمواجهة الجيش، وفق شكوى الخرطوم
لـ"مجلس الأمن"، ودعواها أمام "محكمة العدل الدولية" آذار/ مارس
2025، إلى جانب تقارير رصدت جسرا جويا لنقل الأسلحة عبر مطار "أم جرس" في
تشاد ومناطق في أفريقيا الوسطى وليبيا، وحشد نحو 200 ألف مرتزق أجنبي بتمويل إماراتي.
وفي ليبيا، تمثل الإمارات
الحليف الاستراتيجي لقائد الانقلاب الليبي خليفة حفتر في صراعه ضد الحكومات المعترف
بها دوليا في طرابلس، فيما كشفت تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة بين
2017 وحتى 2024، عن خروقات لحظر تصدير الأسلحة، شملت تزويد قوات حفتر بمنظومات دفاع
جوي "بانتسير" وطائرات مسيرة، إلى جانب
حوالات مالية بملايين الدولارات من
شركات إماراتية لحسابات صدام، وخالد، نجلي حفتر، سربتها صحف دولية.
ورغم مشاركتها في التحالف
العربي، تُتهم الإمارات بالعمل على تقسيم اليمن عبر دعم "المجلس الانتقالي الجنوبي"
الساعي للانفصال؛ ما أدى في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إلى توتر حاد بين السعودية
والإمارات وصل حد الصدام غير المباشر في الموانئ الجنوبية مثل المكلا، فيما تشير التقارير
إلى تدريب وتسليح الإمارات 90 ألف مقاتل يمني يتبعون المجلس الانتقالي بمواجهة الحكومة
الشرعية.
وتتواصل التقارير الغربية
التي تتهم الإمارات بالتواطؤ مع إسرائيل بمواجهة المقاومة الفلسطينية، وإمداد تل أبيب
بجسر بري من المؤن والغذاء في ظل حصار الحوثي لحركة السفن الإسرائيلية القادمة من جنوب
البحر الأحمر.
حليف السيسي وأمن مصر
وأجمع مراقبون على
أن حديث السيسي عن "دول تدعم مليشيات كانت سببا في تدمير المنطقة"، ينطبق
على الإمارات، مؤكدين أنه حديث يدعو للتساؤل حول احتمالات تغير مواقف السيسي من حليفته
أبوظبي، وحول ردود فعل الأخيرة المحتملة من ذلك التصريح، وبشأن ما إذا كان التصريح
لمغازلة للسعودية وتأكيدا منه لدعم الرياض بمواجهة أبوظبي، وذلك في ظل ما أثارته الصحافة
الغربية عن تعاون استخباراتي مصري سعودي بملف اليمن.
وخلال السنوات الماضية،
توجه المعارضة المصرية اتهامات للسيسي، بالتفريط في الأمن القومي المصري، مع سيطرة
أبوظبي على الملف الليبي، وتورطها بالملف السوداني، والصومالي، واليمني، وفي قطاع غزة،
في 5 ملفات تمس جميعها الأمن القومي المصري، تخللها بسط النفوذ المالي والاقتصادي الإماراتي
على قطاعات هامة وخطيرة من الاقتصاد المصري، والاستحواذ على أراضي وشركات حكومية وإدارة
موانئ ذات أهمية استراتيجية خطيرة.
وفي قراءته لخطاب السيسي،
قال الكاتب الصحفي جمال سلطان، إن به "مؤشرات على تباعد تدريجي عن الامارات"،
مؤكدا أنها "خطوة لها ما بعدها محليا وإقليميا.
تحرك مصري غير مسبوق
ويتزامن حديث السيسي،
مع تقارير تشير لاستخدام تركيا منشآت وقواعد جوية جنوب مصر، لدعم الجيش السوداني، مع
إغلاق السعودية، ومصر، والصومال، أجواءها بمواجهة طائرات الشحن الإماراتية التي تنقل
الأسلحة إلى مليشيات الدعم السريع، وممارسة القاهرة والرياض ضغوطا على الليبي خليفة
حفتر، لوقف إمدادات أبوظبي إلى حميدتي، وفي المقابل لجوء الإمارات للأجواء الإسرائيلية
والإثيوبية لتحقيق هذا الغرض.
وفي تحول إقليمي لافت
وفق وصف موقع "
aeroportist"، كشفت المنصة التركية التي
توفر معلومات حول المطارات والسفر عن "هبوط طائرات شحن عسكرية تركية بمطار
"شرق العوينات" جنوب مصر، قرب الحدود السودانية، لليوم الثاني على التوالي".
وأشار الموقع إلى
"تعاون جديد وهام بين أنقرة والقاهرة"، ناقلة عن مصادر في قطاعي الطيران
والأمن، قولهم إن "سماح مصر لتركيا باستخدام منشآتها في الجنوب قد يكون جزءا من
اتفاقية لدعم الجيش السوداني بمواجهة الدعم السريع".
وفي المقابل، ومع تصاعد
حدة التنافس بين السعودية والإمارات في اليمن، وتوارد الأنباء عن موقف مصري داعم للرياض
بمواجهة أبوظبي هناك، كشف موقع "
ميدل إيست آي"، عن تحرك جديد لطائرة الشحن (أنتونوف An-124) أكبر طائرة نقل عسكرية في العالم والتي سبق ربطها بتزويد المقاتلين المدعومين
من الإمارات في السودان وليبيا بالأسلحة.
الموقع البريطاني،
أوضح أن الطائرة اتخذت مسارات بعيدة عن أجواء مصر والصومال والسعودية، وقامت بعدد من
الرحلات الجوية في الأيام الأخيرة من مطار أبوظبي وقاعدة "الظفار العسكرية"
بالإمارات إلى مطار "هرر ميدا" و"بولي" بإثيوبيا، ومن قاعدة
"الشيخ عيسى الجوية" في البحرين لقاعدة "عوفدا" التابعة لسلاح
الجو الإسرائيلي بصحراء النقب، متوقعا تصاعد الحرب مجددا بالسودان.
وأشار "ميدل إيست
آي"، إلى أن "الحرب في السودان صارت جزءا من الصراع الإماراتي السعودي، حيث
كثفت المملكة إلى جانب مصر وتركيا دعمها العسكري للقوات المسلحة السودانية في محاولة
لمواجهة رعاية الإمارات طويلة الأمد للدعم السريع"، فيما نقل عن مصادره أنه بالمقابل
فإن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد -تشهد بلاده تأزما مع مصر حول مياه النيل منذ
15 عاما- يرى المستقبل في تحالفه مع الإمارات.
وبحسب تقرير آخر لـ"
ميدل
إيست آي"، تبادلت القاهرة معلومات استخباراتية مع الرياض حول أنشطة الإمارات في
اليمن، وذلك في توقيت كثّفت السعودية إلى جانب مصر وتركيا دعمها العسكري للجيش السوداني
لمواجهة الدعم الإماراتي المستمر للدعم السريع غرب السودان.
العلاقة الوثيقة وصمام
الأمان
وفي قراءته للمشهد
ولحديث السيسي، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير عبدالله الأشعل، لـ"عربي21"،
إن "العلاقة بين السيسي ومحمد بن زايد مباشرة وهذا صمام الأمان بالنسبة للتواجد
الإماراتي في مصر، نافيا أن "يتسبب التنافس السعودي الإماراتي في التأثير على
المصالح الإماراتية في مصر".
وأكد لـ"عربي21"،
أن "السعودية واهمة، لأن الإمارات وبحسب تسريبات سابقة دفعت 1.5 مليار دولار،
في 30 تموز/ يونيو 2013، لدعم السيسي، ولذا فإن نفوذ الإمارات قوي في مصر".
ينطبق على الحليف
وفي رؤيته السياسية،
قال السياسي المصري محمد عماد صابر، إن "تصريح السيسي بشأن رفض دعم المليشيات
والجيوش الموازية، واعتبارها سببا رئيسيا في تدمير دول المنطقة، لا يمكن فصله عن السياق
الإقليمي الراهن، ولا عن أدوار معروفة لدول بعينها في رعاية هذه الكيانات المسلحة خارج
إطار الدولة الوطنية".
وأكد عضو لجنة الشؤون
الخارجية بمجلس الشعب المصري سابقا، أنه "رغم أن السيسي لم يُسمِّ تلك الدول صراحة،
فإن مضمون حديثه ينطبق، وبوضوح، على أبوظبي، الحليف السياسي والاقتصادي الأبرز لنظامه
خلال السنوات الماضية".
ويرى أن "هذا
التصريح يمثل ويشير لانحيازه الواضح لوجهة النظر السعودية التي باتت أكثر صراحة في
مواجهة مشاريع التفكيك، سواء في اليمن أو السودان أو القرن الأفريقي".
وأضاف: "كما يفتح
نافذة للنظام المصري لإعادة التموضع الإقليمي، مستفيدا من وجود داعم بحجم ومكانة السعودية،
في لحظة إقليمية دقيقة تشهد إعادة رسم للتحالفات".
مقدمة لمحور جديد
وفي هذا السياق، أكد
صابر، أنه "يمكن قراءة تصريح السيسي كمقدمة محتملة لتشكّل محور إقليمي جديد يضم
السعودية وتركيا، وربما باكستان، في مواجهة أخطر ملفات التفكك الإقليمي".
ولفت إلى أنه
"على رأس تلك الملفات السودان، حيث تمثل مليشيا الدعم السريع تهديدا مباشرا لوحدة
الدولة السودانية، وبالتالي للأمن القومي المصري، في ظل مخاطر التقسيم والفوضى الممتدة".
وأشار كذلك إلى
"ملف الصومال والقرن الأفريقي، لما يمثله من أهمية استراتيجية لأمن البحر الأحمر
وقناة السويس، ولمنع وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر عبر بوابة التفكك الصومالي، وما
يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على التوازنات الإقليمية".
وأكد أن "أي تحالف
جاد في هذا الاتجاه، إذا تبلور، سيكون محل ترحيب ودعم لأنه يصب في مصلحة استقرار الدول
الوطنية ووقف مشاريع الميليشيات العابرة للحدود".
ويعتقد السياسي المصري
أن "مصداقية هذا التحول تظل مرهونة باتساق المواقف، خصوصا في ملف ليبيا، حيث لا
يزال النظام المصري يحتفظ بعلاقات وثيقة مع مليشيا خليفة حفتر، على حساب الحكومة المركزية
المعترف بها دوليا في طرابلس، وهو ما يتناقض عمليا مع الخطاب المعلن الرافض للجيوش
الموازية".
رسالة محسوبة
وذهب السياسي المصري
للقول إن "تصريح السيسي قد يعكس رسالة سياسية محسوبة أكثر من كونه تحولا استراتيجيا
مكتمل الأركان"، مضيفا: "ويبقى السؤال الحقيقي: هل نحن أمام تغيير فعلي في
السياسات، أم مجرد مغازلة ظرفية للرياض في لحظة اشتباك إقليمي حاد مع أبوظبي؟".
ويرى أن "الإجابة
ستتضح من خلال الأفعال لا التصريحات، ومن خلال اختبار الخطوات العملية في الملفات الساخنة
من السودان لليبيا، واليمن، والقرن الأفريقي".
وأكد أن "الخلاصة
التي نستطيع أن نذكرها الآن أن تصريح السيسي عن المليشيات ليس إعلان قطيعة مع الإمارات،
ولا انقلابا في التحالفات الإقليمية، بل هو رسالة ضيق محسوبة، ومحاولة متأخرة لتبرئة
الذات من نتائج سياسات شاركت فيها مصر بالصمت أو التواطؤ".
وختم بالقول إنه
"تعبير عن مأزق، لا عن شجاعة تحول؛ وعن إعادة تموضع تكتيكي، لا عن مراجعة استراتيجية
حقيقية".