بمراسيم ومقررات تخلع
بوركينافاسو ثوبها الديمقراطي تدريجيا، لترتدي بذلة عسكرية لا تعترف بلغة الأحزاب،
فالعاصمة "وأوغدوغو" التي كانت تضج بالهتافات التعددية، باتت اليوم ساحة
للصمت السياسي المطبق.
ومنذ وصول النقيب إبراهيم
تراوري للسلطة، دخلت البلاد في نفق المراسيم
العسكرية التي لم تكتفِ بتعليق العمل
الحزبي، بل سعت لتجفيف منابع التعددية.
ونحج العسكر في تمرير مشروع
قانون عبر البرلمان، يُلغي بصورة كاملة ميثاق الأحزاب السياسية والقوانين المنظّمة
لتمويلها وتمويل الحملات الانتخابية ووضع المعارضة، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها
تمهيد لإعادة هيكلة شاملة للحياة السياسية الوطنية.
وبذلك يصبح حلّ الأحزاب
السياسية – التي كانت أنشطتها معلّقة منذ ثلاث سنوات- أمراً رسمياً بعد مسار تجميد.
إعادة تنظيم المشهد السياسي
وأكد برلمانيون خلال جلسة
إقرار مشروع القانون أن الهدف من تمريره هو "إعادة تنظيم المشهد السياسي بشكل
جذري في إطار رؤية حكومية، تعتبر أن المنظومة الحزبية السابقة أسهمت في تعميق
الانقسامات داخل المجتمع".
وفي تعليق لها على القرار
قالت وزيرة الإدارة الإقليمية، إميل زيربو، إن النظام الحزبي أسهم في تقسيم شعب
بوركينا فاسو، معتبرة أن النص الجديد يمثل "إصلاحاً ضرورياً" لإعادة
بناء الحياة السياسية على أسس مختلفة.
ويتولى النقيب إبراهيم
اتراوري رئاسة البلاد منذ 2022 عقب انقلاب عسكري أطاح بالعقيد بول هنري، الذي كان
قد استولي بدوره على الحكم قبل تسعة أشهر بعد الإطاحة بالرئيس المدني روك مارك
كابوري.
ومنذ وصول النقيب إبراهيم
تراوري إلى
السلطة، أعلن نظامه في مناسبات عدة عن إحباط محاولات انقلابية تستهدف
الإطاحة به.
فقد عرفت البلاد منذ العام
2022 خمس محاولات انقلابية من بينها ثلاث محاولات انقلابية في العام 2024 حيث
تعتبر بوركينافاسو من الدول الأفريقية الأكثر عرضة للانقلابات العسكرية
نظرا لتنافس كبار الضباط في الوصول إلى السلطة عبر الانقلابات.
اقتلاع التعددية السياسية
ويرى متابعون للشأن
الأفريقي أن ما حصل لم يكن مجرد تعديل إداري، بل هو "زلزال سياسي" ينهي
رسمياً وجود أكثر من 100 حزب سياسي، ويحول أصولها وممتلكاتها إلى ملكية الدولة،
لتدخل البلاد في نفق "النظام الاستثنائي الدائم".
ويمثل هذا القرار خطوة
إضافية نحو تكريس هيمنة المجلس العسكري على الحياة السياسية في بوركينا فاسو،
ويثير مخاوف بشأن مستقبل التعددية والديمقراطية في البلاد، خصوصا في ظل استمرار
المرحلة الانتقالية وغياب أفق واضح لعودة النظام المدني.
ويرى الصحفي المتابع للشؤون
الأفريقية محمد الأمين عبودتي أن ما حصل هو محاولة لاقتلاع
التعددية السياسية،
تترك بوركينافاسو أمام واقع معقد، مضيفا أن غياب التنفيس السياسي قد يؤدي إلى
تراكم الاحتقان بانتظار لحظة انفجار جديدة.
وأشار في تصريح
لـ"
عربي21" إلى أن قرار تجميد العمل السياسي سيعمق عزلة بوركينافاسو،
التي تواجه أزمات أمنية واقتصادية متعددة.
وأضاف: "إلغاء الإطار
القانوني للسياسة بمرسوم تشريعي يعني انخراط بوركينا فاسو الكامل في محور تحالف
دول الساحل، الذي يقدم الأمن والسيادة على حساب العمل السياسي، وهو رهان محفوف
بالمخاطر في ظل بيئة إقليمية مضطربة."
مسار التفكيك
وبدأ مسار تفكيك الأحزاب
السياسية في بوركينافاسو، منذ وصول النقيب إبراهيم تراوري إلى السلطة في انقلاب
يوم 30 سبتمبر 2022، حيث اتخذ النظام نبرة أكثر راديكالية تجاه النخب السياسية
القديمة، معتبراً إياها "شريكة في الفشل الأمني" وفي العام نفسه تم
تجميد عمل كافة الأحزاب السياسية.
وفي أيار/ مايو 2024 تم
تمديد الفترة الانتقالية لمدة 5 سنوات إضافية، ما أجهض آمال الأحزاب في تنظيم أي
انتخابات قريبة، وحول "تجميد الأنشطة السياسية" من وضع مؤقت إلى واقع
شبه دائم.
وفي شباط/ فبراير الجاري
تحول تجميد النشاط إلى حل فعلي، حيث تم إغلاق معظم مقار الأحزاب الكبرى في
واغادوغو، وصدرت قوانين تمنع التمويل الحزبي، مما أدى إلى جفاف المنابع المالية
والتنظيمية للتعددية السياسية.
جغرافيا سياسية جديدة
ولا تمثل الحالة في بوركينا
فاسو حدثاً معزولاً، بل هي جزء من مشهد أعاد رسم خارطة منطقة الساحل الأفريقي بالكامل،
فمن باماكو إلى نيامي وصولاً إلى واغادوغو، يتشكل اليوم ما يُعرف بـ"نادي
القادة الشباب العسكريين" الذين يتشاركون نفس الطموح ويديرون شؤون دولهم
بمراسيم عسكرية.
وتعيش دول كونفدرالية
الساحل (بوركينافاسو، مالي، النيجر) حالة من عدم الاستقرار، فيما يواصل العسكر
الممسكون بالسلطة في هذه البلدان معارك على جبهات متعددة، بينها مواجهة الجماعات
المسلحة بالمنطقة وتقليم أظافر الغرب خصوصا فرنسا المستعمر السابق لدول المنطقة،
والتصدي لقرارات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.
وتدهورت العلاقات الأوروبية
مع دول الساحل بعد موجة الانقلابات العسكرية التي عرفتها هذه الدول منذ العام
2020، وتصاعد التوتر أكثر منذ أن دعت حكومة مالي مقاتلين من مجموعة فاغنر العسكرية
الروسية الخاصة، لدعمها في قتال المتمردين الأزواديين.
وبينما تظل مقار الأحزاب
السياسية مغلقة بأقفال المراسيم العسكرية وتنكفئ واغادوغو خلف جدران تحالف دول
الساحل العازلة، تبدو القطيعة مع التعددية الحزبية وكأنها ثمن لسيادة وطنية يراها
العسكر أولوية قصوى، فيما تراقب المنطقة بقلق مآلات هذا المسار.