هل ترتكب مصر ثاني أخطائها في ملف الطاقة وتبيع أكبر محطة رياح للإمارات؟

مراقبون عدوا الصفقة خطأ استراتيجي ثانيا بعد استيراد الغاز من دولة الاحتلال- وام
عد خبراء ربط ملف الطاقة المصري باستيراد الغاز من دولة الاحتلال الإسرائيلي خطأ استراتيجيا يجب العدول عنه، إلا أن السلطات المصرية وبعد أقل من شهرين من توقيع تل أبيب اتفاقا مثيرا للجدل، اتخذت قرارا جديدا يرى مراقبون أنه يعمق أزمات شعبها في ملف هام وخطير.

وتشير أنباء إلى اقتراب توقيع القاهرة صفقة تمنح الإمارات سيطرة واسعة على القطاع قد تصل لاحقا حد الاحتكار، ثم فرض الإملاءات والشروط، مستقبلا.

تفاصيل الصفقة

وأفادت مواقع محلية بأن الصندوق السيادي المصري اقترب من إتمام صفقة بيع محطة طاقة الرياح في جبل الزيت بالبحر الأحمر، وهي الأكبر في البلاد بقدرة 580 ميغاواط، لشركة "ألكازار إنيرجي" الإماراتية بـ420 مليون دولار، ما يفوق عرض شركة "أكتيس" البريطانية (350 مليون دولار)، وبعد منافسة "أكوا باور" السعودية، وشركة ماليزية، وكيان أوروبي، على أن تبدأ "الكازار" بتحديثات للتوربينات المتقادمة والوصول للإنتاجية القصوى.

ويقع مجمع رياح جبل الزيت على بعد 350 كيلومترا جنوب شرق القاهرة، ويضم ثلاث محطات تمتد على مساحة 100 كيلومتر مربع، بقدرة إجمالية 580 ميغاواط، الأولى تنتج 240 ميغاواط وتمت باتفاق مع بنك التعمير الألماني والمفوضية الأوروبية، والثانية بقدرة 220 ميغاواط وتضم 110 توربينات وبنيت بقرض بقيمة 38 مليار ين ياباني من الوكالة اليابانية (جايكا)، والثالثة تنتج 120 ميغاواط وتمت بتمويل إسباني.

ووصفت نشرة "إنتربرايز" الاقتصادية المحلية الصفقة بأنها، "قفزة كبيرة في التقييم، مقارنة بالنطاق السعري الذي نوقش سابقا مع شركة "أكتيس" البريطانية، بين 300 و350 مليون دولار"، مؤكدة أن المبلغ له "دلالات كاشفة تتعلق بتمسك صندوق مصر السيادي بموقفه الصلب حول تقييمات الأصول"، ومبينة أن فيه رسالة حكومية "للسوق مفادها أنها لم تعد مستعدة للقبول ببخس أسعار أصولها".


ولكن تفاصيل الصفقة وأعمال الشركة في مصر، تدفع لنقاش واسع حول حجم المخاطر المحتملة كنتيجة للصفقة التي يجري التفاوض حول بنودها بين الشركة الإماراتية وصندوق مصر السيادي، ووزارة الكهرباء منذ مطلع الشهر الماضي.

طريقة التسعير والدفع

أولى النقاط المثيرة تتمثل في آلية تسعير إنتاج المحطة وكيفية سداد قيمته بعد انتقال الملكية، حيث أكدت "إنتربرايز"، الاثنين، أنه "بموجب الاتفاق، سيجري تسعير تكلفة الكهرباء المنتجة من قبل ألكازار بالدولار، ولكن ستسدد بالجنيه المصري وفقا لسعر الصرف السائد وقتها"، ملمحة إلى أنها طريقة ترضي المستثمرين وتضمن عدم استنزاف موارد الدولة من العملة الصعبة.

لكن موقع صحيفة "البورصة" المحلي الاقتصادي أكد الاثنين، أن "الشركة المصرية لنقل الكهرباء ستشتري الطاقة المولدة من المحطة بسعر يقترب من 3 سنتات لكل كيلووات/ساعة، على أن يتم سداد 75 بالمئة من قيمة فاتورة الشراء بالدولار، و25 بالمئة بما يعادلها بالجنيه".

يمثل الخيار الأخير، وفق مراقبين ضغوطا على اقتصاد يعاني أزمات متتابعة مع العملة الصعبة، وقد يتبعه رفع أسعار استهلاك الكهرباء على ملايين المصريين.

قيمة الصفقة وحجم الديون

وتصل القيمة التقديرية للصفقة إلى 420 مليون دولار، بينما مصر مدينة لـ3 جهات شاركت ببناء محطات المجمع الثلاثة، وهي: الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، وبنك التنمية الألماني، وحكومة إسبانيا، بنحو 300 مليون دولار، بجانب فوائد ومتأخرات تلك المبالغ المحتملة.

ما يعني أن مصر لم تحقق مكسبا لافتا من الصفقة، لتشتري لاحقا إنتاجها مقوما بالدولار ومدفوعا بالعملة الصعبة، وبسعر 3 سنت لكل كيلووات/ساعة ولمدة 25 عاما.

كما أن وجهة النظر الحكومية التي تعد الصفقة تدفقا للاستثمار الأجنبي في قطاع الطاقة المتجددة يمهد لتدفقات واستثمارات أخرى، وخطوة لتحديث المحطة والوصول لكامل قدرتها الانتاجية، وتوفير الكهرباء وتقليل استيراد الوقود، لم تقنع معارضين، يرون فيها تفريطا بأحد الأصول الاستراتيجية في قطاع حيوي، بعد توريط البلاد في ديون طويلة الأجل بالعملات الصعبة.

وبعد تدشين سيمنز الألمانية 3 محطات لإنتاج الكهرباء بـ"بني سويف"، و"البرلس"، و"العاصمة الجديدة"، بقدرة 14.4 ألف ميجاوات، وبتكلفة 6 مليارات يورو، 85 بالمئة منها بقروض من بنوك ألمانية، تبع ذلك جدول سداد صارم لمديونية دولارية وفق التزام طويل الأمد يرهق الموازنة العامة، لتقرر الحكومة بيع محطة "بني سويف" وعقد مفاوضات مع "أكتيس" البريطانية و"إدرا باور" الماليزية، بهذا الشأن.

مخاوف الاحتكار

ووفق صفحة "ألكازار إنيرجي" الإماراتية عبر الإنترنت فهي "شركة إدارة صناديق استثمارية مستقلة للبنية التحتية المستدامة"، ومقرها دبي منذ عام 2014، ولها أعمال في مصر، والجبل الأسود، ومقدونيا، وصربيا.

ويثير تعاظم أعمالها بمصر السنوات الماضية مخاوف محللين من احتكار الشركة الإماراتية لهذا القطاع، وما يتبعه ذلك من تأثير مباشر على قطاعات الصناعة والإنارة والتشغيل في دولة يمثل اقتصادها الثالث عربيا والثاني أفريقيا، وعلى شعب هو الأكبر عربيا بنحو 108 مليون نسمة في الداخل.

وإلى جانب الاستحواذ على مجمع جبل الزيت، تعاقدت "ألكازار إنيرجي"، 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، على إنشاء مزرعة رياح "نيات" البرية على قناة السويس بقدرة 500 ميجاوات منتصف العام الجاري بتكلفة 600 مليون دولار، في شراكة تمت مع شركة "سيمنز جاميسا" للطاقة (إسبانية-ألمانية).


وفي 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وقعت الشركة مذكرة تفاهم مع الشركة المصرية لنقل الكهرباء وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة لتطوير مشروع طاقة رياح برية بقدرة 2 غيغاوات في مصر، لتزويد أكثر من 1.3 مليون منزل بالطاقة.

كما أن "ألكازار إنرجي" من المقرر أن تدشن محطة طاقة متجددة في الزعفرانة بتكلفة مقدرة بـ2.5 مليار دولار تنتج 2 غيغاوات طاقة شمسية، و1.1 غيغاوات طاقة رياح، بإجمالي 3.1 غيغاوات، بنظام البناء والتملك والتشغيل، على أن تبيع للدولة المصرية إنتاج المحطة بسعر 2 سنت من الأولى، و3 سنتات من الثانية.

وذلك في الوقت الذي تعد فيه "ألكازار إنيرجي" أكبر مساهم في مجمع "بنبان للطاقة الشمسية" في أسوان (جنوب) بقدرة 1.65 غيغاواط، و"مزرعة خليج السويس" الثانية لطاقة الرياح بقدرة 650 ميغاوات، الأمر الذي يفاقم مخاوف الاحتكار.

أجواء الصفقة

ويأتي بيع مصر محطة جبل الزيت للشركة الإماراتي، في توقيت تسعى فيه منذ عقد مؤتمر (COP27) بشرم الشيخ، لزيادة نسبة الطاقة المتجددة المنتجة إلى 42 بالمئة بحلول عام 2030، لتخفيف الاعتماد على الغاز الطبيعي.

أيضا، يأتي البيع المصري للمجمع الذي تبع تدشين أحدث محطاته عام 2018، دعاية واسعة للإعلام المصري؛ في الوقت الذي تكشفت فيه الكثير من خطط الإمارات وإسرائيل التي تضر بالأمن القومي المصري في ملفات الصومال، والسودان، وليبيا، واليمن، وقطاع غزة.



كذلك فإن الإعلان عن قرب إنهاء الصفقة تزامن مع زيارة رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، إلى أبوظبي الاثنين، ولقاء رئيس الإمارات محمد بن زايد، وتأكيد الأخير انفتاح مصر على تلقي مزيد من الاستثمارات الإماراتية.

ويمثل بيع محطة طاقة الرياح في جبل الزيت للشركة الإماراتية إحدى حلقات التفريط في أصول الدولة المصرية تنفيذا لبرنامج الطروحات الحكومية وتخارج الدولة من قطاعات عديدة، في خطط من المقرر أن تشمل محطة كهرباء "سيمنز" في بني سويف.

تلك الخطط تأتي وفق تعليمات صندوق النقد الدولي في إطار قرض المليارات الثمانية الذي تنتهي آخر شرائحه الخريف القادم، فيما تتزامن الصفقة مع تأخر الصندوق في صرف نحو 2.5 مليار دولار قيمة شرائح المراجعتين الخامسة والسادسة.

خطأ استراتيجي

وفي إجابته على سؤال "عربي21": هل ترتكب مصر الخطأ الثاني الأكبر في ملف الطاقة وتمنح الإمارات فرصة لاحتكار القطاع الحيوي داخليا وإسرائيل السيطرة من الخارج، أعرب الأستاذ الزائر في الاقتصاد بجامعة ميشيغان الدكتور رضا نجيب، عن أسفه من أن "الإدارة المصرية تسير ضد التيار بخطوات واسعة".

وانتقد توجهها نحو "تدشين مشروعات عديمة القيمة، ثم إهمال قطاعات الإنتاج الرئيسية الصناعة والزراعة، وكذلك ملفات التعليم والصحة، ثم تتوجه إلى الاقتراض الخارجي والداخلي، صانعة أزمة ديون لم تعود بنفع على الدولة والمواطن".

وأكد أن تلك الصفقة ومثيلاتها في مثل هذا القطاع الحيوي، تمثل خطأ استراتيجيا ثانيا في ملف الطاقة بعد استيراد الغاز من إسرائيل"، خاتما بقوله: المؤشر ينبئ بأن القادم أسوأ".

حلقة خبيثة غير مجدية

وفي تقديره، قال رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي الدكتور أشرف دوابه، إن "الصورة غير واضحة حتى الآن، ولا يمكن تقرير إن كان هناك احتكار سيقع من الشركة الإماراتية لقطاع الطاقة في مصر".

وحول الصفة يرى أن "الحكومة في إطار عملية سداد الديون الخارجية وخدمتها تلجأ لأمور مثل هذه في سياسة معتادة، وفي النهاية هذه ليست حلولا وما تقوم به هو عملية ترحيل لمشاكلها وأزماتها الاقتصادية بترقيع الديون عبر بيع الأصول".


وخلص الأكاديمي المصري ورئيس التمويل والاقتصاد بجامعة "إسطنبول"، للقول إن "ما تقوم به الحكومة من عمليات ترقيع سياسات خاطئة"، متسائلا: "كيف تستدين لبناء أصول ثم تبيع تلك الأصول لسداد الديون؟"، مؤكدا أنها "إشكالية كبيرة وحلقة خبيثة غير مجدية لأي اقتصاد".

تصرف غريب

من جانبه، قال الكاتب الصحفي عادل صبري، إن "الأمر يحتاج إلى نقاش واسع لتبيان الجوانب السلبية للصفقة"، لافتا إلى "تأكيد خبراء في مجال الطاقة المتجددة في المركز المصري للدراسات الاقتصادية على خطورة الملف"، مبينا أن "تلك المحطة تمثل أيقونة خاصة بالدولة المصرية".

وانتقد الخبير والكاتب الاقتصادي "التنازل عن محطة رياح جبل الزيت بعد تنفيذ أغلب أعمالها بقروض خارجية"، ملمحا إلى أنها "هي نفس مشكلة محطات كهرباء سيمنز الثلاثة"، متسائلا: "كيف تبني محطات طاقة وكهرباء وفي النهاية تبيعها خردة أو بأقل من ثمنها ومن تكلفتها الأصلية"، واصفا الوضع بأنه "تصرف غريب".

انتقادات وغضب

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، تساءل السياسي المصري طارق الملط: "هل من حقي كمصري مهتم بالشأن العام أن أعبر عن استيائي من التقارب مرة أخرى مع الدولة الخليجية التي ثبت للعالم أجمع وليس لنا فقط أنها تمثل الكيان العنصري البغيض ولها أدوار تخريبية في دول الجوار؟".

وانتقد الناشط السياسي عبدالله النجار، الصفقة قائلا إنها "ليست استثمارا ولكنها نقل ملكية من الحكومة المصرية صاحبة الأرض والمشروع لدولة أجنبية"، مضيفا: "لو أردنا الاستثمار لتم إعطاء الأرض والتراخيص للإمارات لتقوم ببناء محطة جديدة لتوليد الكهرباء من الرياح، وهذه عملية لو تمت لكانت إضافة جديدة للثروة القومية، وتشغيل لعمالة إضافية، ومصدر دخل إضافي للحكومة من الضرائب والرسوم وغيرها".