نشر موقع "لو ديبلومات"
تقريرا سلّط فيه الضوء على كيف يستخدم الإعلام الغربي قضية إبستين كأداة لصرف الانتباه، إذ إنّ الوثائق الأخيرة تكشف شبكات حسّاسة تربطه بنخب غربية، بينما يحاول الإعلام لصق اسمه بفلاديمير
بوتين لصناعة "عدو خارجي" كي يُسهِّل الهروب من الأسئلة الحقيقية، هو ما يعتبر "هندسة للرواية" أكثر منه تحقيقًا صحفيًا.
وأوضح الموقع، في التقرير الذي ترجمته "عربي21"، أن ثمة سمةً تتقنها وسائل الإعلام السائدة إلى حدٍّ لافت، وهي الارتماء في حالة من الذعر المنهجي، وغالبًا ما لا يحدث ذلك من فراغ، بل حين يُقدِم أحدهم على فتح درجٍ كان من المفترض أن يظل مغلقًا؛ فخلال الأيام الماضية، نشرت وزارة العدل في
الولايات المتحدة أكبر كمية من الوثائق التي تم الإفراج عنها على الإطلاق بشأن جيفري إبستين، المموّل المتهم بجرائم جنسية، والذي توفي في سجن بمدينة نيويورك في 10 أغسطس/آب 2019، في ما لا يزال يُقدَّم على أنه "انتحار ظاهر"، حتى هنا، يبدو كل شيء طبيعيًا.
وأشار الموقع إلى أن جوهر المسألة يكمن في الكلمة الأخرى التي تُثير الحساسية داخل غرف التحرير المحترمة: الاتصالات. اتصالات مع النخبة السياسية والمالية، وقبل كل شيء مع تلك المنطقة الرمادية التي تتداخل فيها أجهزة الاستخبارات، والأمن، والعلاقات الشخصية إلى حدّ تصبح معه متشابكة بصورة لا يمكن فصلها.
وعند هذه النقطة، كان يُفترض أن يُباشر العمل القذر للصحافة: إعادة بناء الشبكات، والأسماء، والمصالح، والحمايات. لكن لا؛ فالأمر مرهق للغاية، وقبل كل شيء، محفوف بالمخاطر. لذا يُختار الطريق المختصر: تحويل الأضواء إلى مكانٍ آخر. وأي «مكانٍ آخر» هو أكثر ملاءمة، في عام 2026، من روسيا؟
وتابع التقرير، أنه "هكذا تبدأ الآلة بالدوران: إبستين عميل لموسكو، وإبستين رجل بوتين، وإبستين لغز الكرملين، وكل ذلك، وكأنه بمحض الصدفة، بينما تكشف الوثائق عن اتصالات تشير إلى اتجاهات أكثر إحراجًا بكثير للغرب، الذي يرسم نفسه بوصفه معبد الشفافية".
اظهار أخبار متعلقة
الدليل القاطع: كلمة بوتين تظهر مرتين
وأوضح الموقع أن التحفة الحقيقية هي صحافة المؤثرات الخاصة، إذ تأخذ من جهة اسمًا يبيع، ومن جهة أخرى شخصية سامة أصلًا، وتمزجهما معًا ليصبح الخليط جاهزًا.
الخيط الأول:
رسالة بريد إلكتروني مؤرخة في 11 سبتمبر/أيلول 2011. أحد المتعاونين غير المُعرَّفين يُبلغ إبستين بأنه تحدث مع شخص يُدعى إيغور، والذي يروي أن إبستين ذكر لقاءً مع بوتين خلال رحلة إلى روسيا.
هل تم التحقق من الرحلة؟ هل حدث اللقاء فعليًا؟ هل توجد تفاصيل؟ لا شيء. لكن ذلك لا يهم: المهم هو تمرير الفكرة، أما الباقي فليس سوى واجهة، وفق الموقع.
الخيط الثاني:
عام 2014، تبادل رسائل بريد إلكتروني مع رجل الأعمال الياباني جوي إيتو؛ حيث يناقشان لقاءً مزعومًا مع بوتين، وكان من المفترض أن يشارك فيه أيضًا ريد هوفمان، الشريك المؤسس لمنصة لينكدإن.
ويكتب إيتو أنه لم يتمكن من إقناع هوفمان بتغيير جدول أعماله للقاء بوتين برفقة إبستين، ولكن وفقًا لرسائل البريد الإلكتروني ذاتها، فإن اللقاء لم يحدث أصلًا. إذًا: هل هو دليل على وجود ارتباط؟ لا. هل هو دليل على وجود محادثة؟ نعم. لكن، في بعض غرف التحرير، تكفي محادثة واحدة لتتحول إلى "حقيقة".
ثم نصل إلى المستوى التالي، ذلك المستوى الهزلي: بعضهم يزعم أن بوتين توسّل من أجل لقاء إبستين، وأن إبستين رفض، المصدر: رسالة بريد إلكتروني من إبستين إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، يكتب فيها إبستين أن بوتين طلب لقاءه في سان بطرسبورغ، وأنه أجابه بالرفض، بثقة من يفرض شروطه.
ووفقًا للموقع فإن الترجمة الفعلية لذلك: المموّل يتحول، بسحرٍ مفاجئ، إلى «دبلوماسي خارق» يضع الرئيس الروسي في موقع المنضبط، لولا أن الأمر مأساوي إلى هذا الحد، لكان محض كوميديا خالصة.
المشكلة: الوثائق تقول أمرا آخر أيضا
وأكد الموقع أنه غير أنّ داخل المادة ذاتها، ثمة عناصر تجعل هذه السردية أكثر هشاشة؛ فعلى سبيل المثال، رسالة بريد إلكتروني مؤرخة في 11 يناير/كانون الثاني 2012، أُرسلت إلى إبستين من بوريس نيكوليتش، تُوصَف فيها روسيا بأنها مسألة شديدة الحساسية، ويُقدَّم إيليا بونوماريف بوصفه أحد أبرز منظمي التمرد ضد بوتين، مع سؤال صريح: "هل لديك أي فكرة عن كيفية مساعدته؟".
والآن، إذا كانت الفرضية هي "إبستين في خدمة بوتين"، فإن السؤال يصبح بسيطًا: لماذا يُفترض برجلٍ مزعوم لبوتين أن يكون مهتما بمساعدة شخص أراد الإطاحة به سياسيا؟ قد تكون هناك إجابة. لكنّها تتطلب تحقيقًا، لا عنوانًا مثيرًا.
ثم هناك رسالة إلكترونية أخرى، مؤرخة في 18 مارس/آذار 2014، يكتب فيها إبستين أن الانقلاب في أوكرانيا ينبغي أن يوفّر «فرصًا كثيرة، كثيرة». من جديد: فرص لمن؟ ومع من؟ وضمن أي شبكة؟ صمت. لأن الحديث، حين يتعلق بأوكرانيا عام 2014، يشهد فجأة خفوت الأضواء.
اظهار أخبار متعلقة
في المحصلة، يبقى السؤال ذاته
و
عندما تكون قصة ما خطيرة حقًا، يحدث أمر بالغ الطرافة: وسائل الإعلام، التي تُنصّب نفسها "كلاب حراسة" تتحول فجأة إلى جراء أليفة. لا تقول لك "لا تنظر إلى هناك" بالطبع؛ بل تمسك بيدك وتقودك إلى مكان آخر. تُريك بوتين، وتهمس "ها هو اللغز"، وفق تعبير التقرير.
وفي الأثناء تُبعد نظرك عمّا يحترق فعلاً: الروابط العضوية الملموسة، والموثّقة بين إبستين وعالم غربي مكوَّن من السياسة، والأمن، والتكنولوجيا، والمال.واختتم الموقع تقريره بالتأكيد على أن سردية إبستين بصفته أداةً في يد موسكو هي رواية بقدر ما هي عبثية، بقدر ما هي مفيدة: فهي بسيطة، وقابلة للتحديد، ومطمئنة لمن يتعيّن عليهم حماية صورة نظامهم.
أما سردية إبستين بوصفه عقدة في شبكة تمتد لتشمل إسرائيل، وواشنطن، والأجهزة المؤسسية والشركات الكبرى ومؤسسات الدولة فهي قصة أكثر تعقيدًا بكثير. لأنها لا يمكن حلّها عبر اختلاق «شرير» خارجي. إنها تتطلب النظر إلى الداخل. وهذا، كما نعلم، أمرٌ مخيف.