في الوقت الذي تتصاعد فيه مطالب حكومة اليمين بالاستمرار في العدوان على
غزة، تخرج أصوات أخرى تحذر أن بقاء غزة مدمرة، يعني أن تنمو فيها نسخة جديدة من حركة
حماس، ولكن أكثر راديكالية، مما يجعل من إعادة
الإعمار يصب في مصلحة جميع الأطراف.
جاكي خوجي محرر الشئون العربية في إذاعة جيش الاحتلال، ذكر أن أنماط السلوك الاسرائيلي تجاه غزة تعود من جديد لما كانت سائدة عليه قبل هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فيما تظهر وسائل الإعلام الاسرائيلية اهتماما أقل بالقضية الفلسطينية، تماما كما كان الحال في السنوات التي سبقت الهجوم، وبلغ عماها ذروته عندما نفذ الجناح العسكري لحماس، في 12 أيلول/سبتمبر 2023، المناورة العسكرية المعروفة، حيث قام أعضاؤها بمحاكاة التسلل للمستوطنات واختطاف الجنود".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة "
معاريف" الإسرائيلية، وترجمته "عربي 21" أنه في ذلك اليوم، انعقدت المحكمة العليا لمناقشة الانقلاب القانوني، وتصدرت عناوين الأخبار الرئيسية أحداث العنف السياسي الداخلي، بينما تم تهميش مناورات حماس في التغطية الإخبارية، وكما هو الحال اليوم، نحن الصحفيون نخبر الجمهور بما يروق له، لا بما يحتاجه، ويتجلى هذا بوضوح في هذه الأيام العصيبة في إيران، فالأنظار شاخصة إليها، ولم يبق شيء لغزة، وربما لو كنا أكثر انخراطا في تلك المناورات لشعر أحدهم بالرعب، واستيقظ".
وأشار أنه بعد أن أعادت حماس جميع الرهائن الأحياء والقتلى، سعيا لأن تعود غزة تدريجيا إلى وضعها الطبيعي، ولذلك جرى افتتاح معبر رفح، وإعادة تشكيل حكومة التكنوقراط، ووصول شاحنات المساعدات المتواصلة، بعد أن قضينا أكثر من عامين، والقيادة السياسية لتل أبيب تعد بنزع سلاح حماس، وإنهاء الحرب بانتصار كامل، وهو ما وعدت به الحكومات الإسرائيلية في السنوات السابقة خلال كل جولة قتال مع حماس، وفي النهاية، كانت تتخلى دائما عن وعودها".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أنه "رغم أن حماس تمنى حاليا بضربة ساحقة، لكنها، كالأفعى، تقطع ذيولها من رقابها، بينما لا يزال رأسها حيا، وبصحة جيدة، وقد ينمو لها ذيل من جديد، وبعبارة أخرى، بينما عدنا للوضع الطبيعي، استعادت حماس قوتها، فغزة تتطلب نصرا حاسما ، أو استنزافا تاما، وهكذا انسحبنا قبل إتمام المهمة، ويمكن للمرء أن يفكر في عدة أسباب لعدم انتصارنا في حروبنا مع القطاع، أحدها هو الإرهاق، فطالما أرهقت المعارك جيش إسرائيل ومجتمعه".
وأشار أن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، بل وحتى المجتمع نفسه، وصلوا جميعا لهذه اللحظة منهكين، فيما قطاع غزة قد يزداد تطرفا في الطريق إليها، وقد تحلّ تنظيمات أخرى أكثر تشددا من حماس، في الوقت الذي تُبدي فيه الحكومات الإسرائيلية قلقاً بشأن أي حل سياسي مع الفلسطينيين، بينما يواصل قادة حماس ما كانوا عليه قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر٬ باستخدام الرأي العام الفلسطيني بمهارة للضغط على العالم لقبول المزيد من التنازلات الاسرائيلية، لأن طموحهم هو الحكم عن بعد، كما كان حزب الله في لبنان في أوج قوته".
وأشار أنه إذا سئم ترامب من واقع غزة، وغادر، فستعيد تل أبيب السيطرة الكاملة على القطاع، لكنه سيترك له مشروعا ضخما يفوق قدرته على إدارته، وبالعودة لأنماط الحكم الدائم، تحتاج إسرائيل لإيجاد طريقة لإضعاف حماس، ثم الانخراط في إعادة إعمار القطاع بطريقة لا تشكل خطرا عليه، مع أن الحل العسكري وحده لن يكون فعالا، حيث لن يكتمل النصر على حماس إلا إذا شمل استقرار حياة المدنيين، لأن الفقراء والمهمشون سينخرطون أكثر في صفوف حماس".
وختم بالقول إنه بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر٬ لم تُبلور الحكومات الإسرائيلية رؤيتها لقطاع غزة، بل اكتفت بإلحاق الهزيمة بالعدو، ثم تركته ينمو، ويتوسع، مما يجعل التعامل معه مهمة معقدة ومحبطة، والعمل بجد لتحقيقها، لأنها لا تقتصر على نزع سلاح حماس، أو ترديد هذا الشعار مرارا وتكرارا".
تكشف هذه القراءة الإسرائيلية عن مخاوف من أن تشهد الأسابيع والأشهر القادمة تجنيد المزيد من الفلسطينيين في صفوف حماس، خاصة ممن يتذمرون من الوضع البائس في غزة، ونتيجة الحرب في هذه الحالة واحدة، وهي أن الاحتلال أنجز ثلاثة أرباع العمل، وعاد الهدوء الأمني، ولكن دون تقديم ضمانات كافية بعدم تكرار هجوم الطوفان.