لم يكن
أكثر ما لفت الانتباه في حديث عبد الفتاح
السيسي خلال افتتاح مقر القيادة
الاستراتيجية للدولة في العاصمة الإدارية الجديدة هو الإعلان عن منشأة عسكرية أو
إدارية جديدة، بل تفسيره لفلسفة اختيار موقعها، فقد قال بوضوح إن نقل مقر القيادة
بعيداً عن القاهرة جاء "حتى لا تتكرر أحداث
25 يناير 2011". وهذه
العبارة، بما تحمله من دلالات، تفتح باباً واسعاً لفهم أحد أكبر المشروعات
العمرانية في تاريخ
مصر الحديث من زاوية تختلف تماما عن الرواية الرسمية التي ركزت
على التنمية والتوسع العمراني!
فإذا كانت
الدولة نفسها تربط بين العاصمة الجديدة وبين دروس ثورة يناير، فإن السؤال لم يعد
لماذا نناقش العلاقة بين المشروع والثورة؟ بل أصبح للأسف ماذا تعلمت الدولة من
يناير؟! وهل كانت العاصمة الجديدة جزءاً من إعادة بناء الدولة، أم من إعادة تصميم
منظومة حماية جديدة للسلطة؟!
لقد كشفت
ثورة يناير حقيقة استراتيجية لم تكن غائبة عن دوائر صنع القرار، لكنها ظهرت لأول
مرة بهذا الوضوح. فقد أثبتت أن العاصمة ليست مجرد تجمع للمباني الحكومية، وإنما هي
مركز السلطة السياسية، ومركز القيادة، ومركز الشرعية، ومركز التأثير الإعلامي، وأن
السيطرة على قلب العاصمة يمكن أن تغير ميزان القوة في الدولة خلال أيام، وربما
خلال ساعات.
العاصمة الإدارية الجديدة، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع الإجابة عن الأسئلة التي طرحتها ثورة يناير. فهي قد تعالج أحد شروط نجاح الاحتجاجات، لكنها لا تعالج أسبابها، بل تزيدها
لم يكن
ميدان التحرير مهماً لأنه أكبر ميادين القاهرة، بل لأنه يقع في قلب شبكة السلطة
نفسها. فمن حوله الرئاسة، ومجلس الوزراء، والبرلمان، والوزارات السيادية، والإذاعة
والتلفزيون، والسفارات، والطرق الرئيسة، وهو ما جعل الثورة، بمجرد استقرارها فيه،
تتحول من احتجاج جماهيري إلى زلزال يهدد النظام السياسي بأكمله.
من هذه
الزاوية، يمكن فهم العاصمة الإدارية الجديدة باعتبارها استجابة استراتيجية لأحد
أهم الدروس الاستبدادية التي استخلصتها الدولة من يناير؛ وهو أن تمركز مؤسسات
الحكم داخل مدينة مزدحمة، يسهل الوصول إليها، ويعيش فيها أكثر من عشرين مليون
نسمة، يجعلها أكثر عرضة للضغط الجماهيري في لحظات الغضب والاحتجاجات الكبرى.
وهنا لا
يتعلق الأمر بنقل الوزارات أو القصور الرئاسية فحسب، بل بإعادة تصميم الجغرافيا
السياسية للدولة. فالعاصمة الجديدة تقوم على فلسفة مختلفة؛ مسافات واسعة، ومحاور
محدودة يمكن التحكم فيها، ومقرات سيادية متباعدة، وبنية رقمية متطورة، ومجال
عمراني يسمح بدرجة أعلى من السيطرة الأمنية والإدارية. وبذلك تصبح الجغرافيا نفسها
جزءاً من منظومة الأمن القومي.
لكن
السؤال الأكثر أهمية هو: هل يكفي تغيير الجغرافيا لمنع تكرار الثورة؟ الإجابة، بكل
تأكيد، أكثر تعقيداً من مجرد نعم أو لا. لا شك أن نقل مركز القيادة الاستراتيجية
بعيداً عن القاهرة يقلل من احتمالات تكرار سيناريو ميدان التحرير كما وقع في عام
2011. فمن الناحية الأمنية البحتة، والاستبدادية أيضا، تصبح حماية المؤسسات أسهل،
والسيطرة على المداخل أكثر إحكاماً، واستمرار عمل أجهزة الدولة أثناء الأزمات أكثر
ضماناً. وهذه أهداف تقليدية لأي دولة تسعى إلى حماية مؤسساتها وضمان عدم شللها في
لحظات الاضطراب.
لكن
التاريخ يعلمنا أيضاً أن الثورات لا تنشأ بسبب موقع القصور الرئاسية، ولا بسبب قرب
الوزارات من الميادين، وإنما بسبب تراكم الأزمات الشرعية ومشكلات المعيشة، وتراجع
الثقة وتزايد المظالم واتساع دوائر الفقر، وتعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
فالجغرافيا قد تغير شكل الاحتجاج، لكنها لا تلغي أسبابه، ولا تمنع انفجاره.
وهنا تبرز
أهمية التمييز بين حماية الدولة وحماية النظام. فحماية الدولة تعني ضمان استمرار
مؤسساتها، وعدم انهيار الإدارة العامة، وتأمين مراكز القيادة في الظروف
الاستثنائية، وهي أهداف مشروعة وتتفق عليها معظم الدول الحديثة. أما حماية النظام،
فتعني استخدام العمران والجغرافيا لإبعاد السلطة عن المجتمع وتقليل قدرة المواطنين
على التأثير المباشر فيها. والفارق بين الحالتين ليس في المباني، وإنما في طبيعة
العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فالدولة الواثقة من شرعيتها لا تعتمد على المسافة
وحدها، بل تعتمد على الثقة. والدولة المستقرة لا تكتفي بتحصين مقار الحكم، بل تحصن
علاقتها بالمجتمع من خلال سيادة القانون، والعدالة، والمشاركة السياسية، وفتح
المجال العام.
ولذلك فإن
العاصمة الإدارية الجديدة، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع الإجابة عن الأسئلة
التي طرحتها ثورة يناير. فهي قد تعالج أحد شروط نجاح الاحتجاجات، لكنها لا تعالج
أسبابها، بل تزيدها. فقد تقلل من قدرة الحشود على الوصول إلى مركز القيادة، لكنها
لا تمنع تشكل الغضب الاجتماعي، ولا تلغي أثر الأزمات الاقتصادية، ولا تستبدل
الشرعية السياسية بالتحصين العمراني.
وربما
تكمن المفارقة في أن التصريح الأخير نفسه يحمل اعترافاً ضمنياً بأهمية ثورة يناير
في تشكيل التفكير الأمني والاستراتيجي للدولة، وهو ما يعني إدراكا عميقا لمدى
تجذرها في المجتمع فضلا عن تزايد أسبابها. فبعد خمسة عشر عاماً من الثورة، ما زالت
حاضرة في طريقة تصميم العاصمة، وفي فلسفة توزيع مؤسسات الحكم، وفي مفهوم الأمن
الوطني، وفي هندسة المجال السياسي. وهذا يعني أن يناير، رغم كل ما جرى بعدها، لم
تصبح مجرد حدث من الماضي، بل أصبحت هوية للمجتمع، كما تحولت إلى مرجع تستند إليه
الدولة في إعادة صياغة بنيتها الأمنية والمؤسسية والعمرانية.
ولم يبدأ
هذا التحول مع قرار الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، بل سبقته سلسلة من
الإجراءات العمرانية المتدرجة التي عكست حضور الاعتبارات الأمنية في تخطيط المجال
العام. فبدأ الأمر بإعادة تشكيل ميدان التحرير وتجريده من رمزيته بوصفه مركزاً
للاحتجاج والحشد الشعبي، ثم امتد إلى إعادة تصميم شبكة الطرق والكباري والميادين
وفق فلسفة تمنح أجهزة الأمن قدرة أكبر على إدارة الحركة واحتواء التجمعات الواسعة
عند الضرورة.
الدرس الحقيقي الذي ينبغي استخلاصه من يناير ليس أن العاصمة كانت قريبة من الجماهير، بل أن السلطة كانت بعيدة عن مشكلاتهم وتطلعاتهم
غير أن هذه المعالجات، على ما يبدو، لم تُنهِ القلق الاستراتيجي الذي
ولدته ثورة يناير، فكان الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة يمثل الخيار الأكثر
جذرية؛ إذ لم يعد الهدف إعادة تنظيم المجال العمراني داخل القاهرة، بل نقل مركز
السلطة ذاته إلى فضاء جديد أكثر قابلية للحماية والعزل، وبعيد عن الكتلة السكانية
الساخطة والذاكرة السياسية للعاصمة التاريخية.
غير أن
السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو هل تبني الدول استقرارها الحقيقي بإعادة رسم خرائط
المدن، أم بإعادة بناء الثقة بينها وبين شعوبها؟ قد تنجح الجغرافيا في تأخير
الاحتجاج، وقد تمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة لحظات الخطر، لكنها لا تستطيع أن
تحل محل الشرعية، ولا أن تعوض غياب المشاركة، ولا أن تمنع التاريخ من أن يبحث عن
ميدان جديد إذا بقيت أسبابه القديمة دون معالجة.
ولهذا،
فإن الدرس الحقيقي الذي ينبغي استخلاصه من يناير ليس أن العاصمة كانت قريبة من
الجماهير، بل أن السلطة كانت بعيدة عن مشكلاتهم وتطلعاتهم. فاستقرار الدول لا
يتحقق بإبعاد مؤسسات الحكم عن الناس، وإنما بإزالة المسافة السياسية والاجتماعية
والنفسية التي تفصلها عنهم. قد تحمي الجغرافيا المقار، لكنها لا تصنع الشرعية، وقد
تؤمن المباني، لكنها لا تؤمن المستقبل. أما الثقة المتبادلة بين الدولة ومواطنيها،
فهي وحدها القادرة على حماية الدول وصناعة استقرارها طويل الأمد.
ولهذا،
فإن العبرة التي تكشفها ثورة يناير ليست أن قرب العاصمة من الجماهير كان المشكلة،
بل أن ابتعاد السلطة عن المجتمع كان أصل الأزمة. فالدول لا تصبح أكثر أمناً كلما
ابتعدت جغرافياً عن شعوبها، وإنما كلما اقتربت سياسياً منهم، واستجابت لتطلعاتهم،
واكتسبت ثقتهم. فالجغرافيا والأسوار قد تحصّن القصور، وقد تحمي المقرات، لكنها لا
تحصّن الأنظمة، فالثقة والشرعية هما وحدهما الحصن الحقيقي للدول.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.