اعتذار بريطانيا عن "التبني القسري" يذكّر بإرث مظلم في أوروبا بحق الأطفال والنساء

بريطانيا نزعت آلاف الأطفال من عائلاتهم وهجرتهم إلى دول الكومنولث- gemini ai
بريطانيا نزعت آلاف الأطفال من عائلاتهم وهجرتهم إلى دول الكومنولث- gemini ai
شارك الخبر
يعيد عزم الحكومة البريطاني، تقديم اعتذار كامل باسم المملكة المتحدة، لكافة المتضررين من سياسات التبني القسري التاريخية في إنجتلرا، تسليط الضوء على انتهاكات واجهت النساء والأطفال على مدار عقود في العديد من دول أوروبا.

وكشفت وزيرة التعليم البريطانية، بريدجيت فيليبسون، أن حكومة حزب العمال تستعد لتقديم "اعتذار كامل باسم الدولة" لجميع المتضررين من سياسات التبني القسري التاريخية في إنجلترا، في خطوة تمثل تحولا في موقف الحكومات البريطانية المتعاقبة تجاه واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث.

اظهار أخبار متعلقة



وتتعلق المأساة بنحو 185 ألف طفل جرى فصلهم عن أمهاتهم غير المتزوجات وإخضاعهم للتبني بين عامي 1949 و1976 في إنجلترا وويلز، ضمن ممارسات تعرضت لاحقا لانتقادات واسعة باعتبارها انتهاكا لحقوق الأمهات والأطفال.

وخلال إفادتها أمام لجنة التعليم في البرلمان البريطاني، قالت فيليبسون: "أعلم أنكم في اللجنة ترغبون في سماع أن هذه الحكومة ستقدم قريبا جدا اعتذارا كاملا باسم الدولة لكل المتضررين من التبني القسري التاريخي في إنجلترا".

وأضافت: "سيكون لدى رئيس الوزراء المزيد ليقوله بشأن هذه المرحلة المخزية من تاريخنا، بما يعكس حجم ما حدث وخطورته".

وهذه ليست المرة الأولى التي تحدث في بريطانيا، وسبق أن قدمت اعتذارا باسم الدولة، إذا ذلك مأساة تعلقت بترحيل الأطفال إلى المستعمرات، منذ أواخر القرن التاسع عشر.

ونستعرض في التقرير التالي، عددا من الدول الأوروبية التي ارتكبت فظائع بحق الأطفال والنساء، واضطرت للاعتذار عن تلك الفترة المظلمة من تاريخها وتقديم تعويضات للضحايا وعائلاتهم.

إيرلندا:


المغاسل المجدلية ودور الأمومة، كانت واحدة من الفترات المظلمة في تاريخ إيرلندا، وتسببت بها الدولة والكنيسة، ضد أطفال وأمهات غير متزوجات تم الزج بهم في مؤسسات صناعية وأخرى تحت لافتة خيرية لتأهيل الفتيات المنحرفات لكن انتهاكات فظيعة مورست فيها.

وامتدت مأساة المغاسل المجدلية منذ عام 1922 وحتى عام 1996، وكانت تحت إدارة 4 جمعيات تابعة للكنيسة الكاثوليكية، ترسل الفتيات الحوامل خارج إطار الزواج أو ضحايا الاغتصاب أو اليتيمات إلى تلك المنشآت المعزولة، بهدف الخدمة القاسية، بعلم السلطات والكنيسة بحسب الأمم المتحدة.

اظهار أخبار متعلقة



وكانت النساء تعمل بالسخرة داخل المغاسل، ويمتد العمل ما بين 12-16 ساعة يوميا، لخدمة المستشفيات والفنادق والجيش، في ظروف قاسية وغير إنسانية ونظام عقوبات صارم، خاصة أن كثيرا منهن حوامل، ويجري الاحتجاز حتى الولادة، وبعد ذلك ينتزع الأطفال من أمهاتهم إلى شبكة بيع أطفال للتبني القسري لعائلات كاثوليكية ثرية داخل إيرلندا وفي الولايات المتحدة.

واستمرت هذه المغاسل القسرية بالعمل حتى مطلع الألفية الثانية، وكشفت تحقيقات السلطات الإيرلندية، في تاريخ الضحايا، أن قرابة 10 آلاف امرأة وفتاة أرسلن إلى المغاسل للعمل القسري، وأكثر من ألفين منهم أرسلن بواسطة الدولة وحدها، فضلا عن تورط إدارات حكومية والجيش في الأمر بسبب التعاقد مع المغاسل.

وقال تقرير حكومي، إن بعض النساء أجبرن على الدخول للمغاسل، بسبب جريمة بسيطة مثل عدم دفع ثمن تذكرة القطار.

وفي 2013 اعتذر رئيس الحكومة إندا كيني عن المغاسل المجدلية، وقال: "على مدى 90 عاماً، أخضعت أيرلندا هؤلاء النساء، وتجربتهن، لتجاهل عميق بأي معيار كان، لقد كانت أيرلندا قاسية لا ترحم، وتفتقر بشكل واضح إلى الرحمة" وتم إنشاء صندوق لتعويض الضحايا بملايين اليوروهات.

المملكة المتحدة:


نفذت المملكة المتحدة برنامجا أطلق عليه هجرة الأطفال، وكان يجري فيه انتزاع أطفال لا يتجاوزون سن 3 أعوام من عائلاتهم، وشحنهم آلاف الأميال بعيدا عن أرضهم لمناطق الكومنولث منذ القرن التاسع عشر.

وتمت عملية تهجير الأطفال، في كثير من الحالات دون علم العائلات أو موافقتها، وحرموا من التعليم وأجبروا على العمل بوظائف شاقة، وعانى الآلاف من سوء معاملة، وكانت الوجهات إلى فرجينيا قبل نشوء الولايات المتحدة، وإبان عهد الإمبراطورية البريطانية، أرسل أطفال إلى كندا وأفريقيا ونيوزيلندا وأستراليا.

وكان الأطفال يهجرون دون وثائق رسمية أو جوازات أو سجلات اجتماعية، وجرى فصل كثير من الأخوة عن بعضهم البعض، وأجبروا على العمل الشاق، ووقعوا ضحية اعتداءات جنسية واسعة، فضلا عن ارتكاب جرائم قتل بحقهم والتخلص منهم دون محاسبة.

اظهار أخبار متعلقة



وتشير التقديرات إلى أن عدد الأطفال الذين جرى تهجيرهم، وصل إلى نحو 130 ألف طفل، إلى دول الكومنولث، نسبة كبيرة منهم إلى أستراليا، وكان بهدف تكوين سلالة بريطانية بيضاء في تلك الدول المستعمرة، وتورطت وكالات رسمية بالعملية إلى جانب كنيسة إنجلترا والكنيسة الميثودية والكنيسة الكاثوليكية.

وفي عام 2010، قدم رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون اعتذارا رسميا، ووصف ما جرى بالأمر المخزي، وأعلن إنشاء صندوق لم شمل الأسر، مع وعود بالتعويض عن تلك الحقبة المأساوية.

السويد:


مارست السويد سياسة التعقيم القسري ضمن برنامج رسمي، منذ عام 1934-1976، بحق نساء وفتيات وأطفال، بحجة تحسين النسل في البلاد، أخضع خلالها قرابة 63 ألف شخص لعمليات التعقيم لأسباب اجتماعية وعقلية.

وعقب عقود من هذا البرنامج، أثيرت فضائح من الضحايا بحقه، بعد إجبارهم على العقم قسرا، وأصدرت الحكومة اعترافا رسميا بالخطأ، ودفعت تعويضات مالية لآلاف الأشخاص المتضريين منه.

الدنمارك:


ارتكبت الدنمارك، واحدة من أبشع الفظائع بحق الأطفال، من عرق الإينويت وهم السكان الأصليون لغرينلاند، عام 1951، بعد إجراء تجربة اجتماعية على 22 منهم، عبر نزعهم من عائلاتهم، وتربيتهم كدنماركيين نموذجيين، للاندماج والتأثير على مجتمعهم الأصلي لاحقا.

وتسبب البرنامج في مسح أي ارتباط بين الأطفال وبيئهم الأصلية بعد عودتهم إلى عائلاتهم، وفقدانهم القدرة على التواصل معه من ناحية اللغة والعادات والبيئة، ما تسبب في اضطرابات نفسية ووفيات مبكرة للعديد منهم بعد تعرضهم لصدمات نفسية.

وأثار الضحايا الستة الذين تبقوا على قيد الحياة من تلك الفترة من تاريخ الدنمارك، مأساتهم أمام المحاكم، وفي عام 2022، قدمت رئيس الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن اعتذارا رسميا مكتوبا، ووصفت في تصريحات التجربة بأنها وحشية وغير عادلة وبلا قلب، مع تعهدات للضحايا بالتعويض عما أصابهم.

ودفعت الحكومة قرابة 38 ألف دولار، لكل ناج من الناجين الستة الذين بقوا على قيد الحياة من تلك الحقبة.
التعليقات (0)