هشاشة التحضر الهش

عمار يزلي
CC0
CC0
شارك الخبر
“اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم”، لم تكن مجرد دعوة إلى التعود على الحياة الطبيعية وعلى الطبيعة البشرية، بل رؤية مستقبلية مستمدة من تجارب أقوام بائدة، ما إن بلغ التحضُّر والاستقرار في الأمصار والمدن وبلغ التحضر حد الترف والعبث بطبيعة الطبيعة وبطبيعة البشرية والخِلْقة حتى بدأت التغيرات تحدث في طبيعة البشر وفي الطبيعة نفسها، وكلاهما يتماشيان معا بتناغم كبير، إذا ما حدث أي انزلاق أو خلل في هذا التناغم، فسينفرط العقد ويُنفش عهنُ النسيج الذي يضمه، بدءا من العائلة وانتهاء بالدولة والأقوام والطبيعة.

الحداثة، والحداثة الجديدة، هي فقط شكلٌ ومرحلة جدية من مراحل التغير و”التطور” والتبدل الذي يحدث في أنسجة العالم المتحضر: عالم التمدن والمدنية والتمادي في الغرق في “التمدّي”، التي هي حياة المادة، بلا رأفة ولا رحمة للروح التي هي أساس وجود كل شيء مادي: أساس الكل وجوهره.
يبدأ التبدل والتوجه نحو الترهل والتلاشي مع كل “تطور” مادي لا يصاحبه تطور روحي في الإنسان الحديث، وهذا ما نشاهده ونسمع عنه ونلمسه اليوم عالميا من ظهور ظواهر لم تكن معروفة من قبل، وإن عرفت مثلها، فهي أشد وطأة وأكثر تطرفا وتأثيرا على الحياة البشرية الطبيعية وعلى الطبيعة في آن واحد.

يأتي هذا الحديث في سياق ما يمكن أن نسميه اليوم “هشاشة العالم الهش”: عالم ينزع إلى تطوير ماديته قبل روحانيته بشكل مدمِّر للروح الإنسانية ولروح الطبيعة معا.

التحولات المناخية هي جزءٌ من هذا التحول، تبدل الفصول وتقلبات أمزجة الطقس، وارتفاع درجة حرارة الأرض بسبب الإسراف في الصناعات النافثة لثاني أوكسيد الكربون ولشتى أنواع الغازات، وتدمير العالم المتحضر لرئة العالم وجهاز تنفسه، عبر الهجوم الشرس على الغابات من أجل شق الطرقات السريعة وبناء المدن وتغول الإسمنت المسلح والحديد وكل أنواع مواد البلاستيك غير القابل للتلاشي في التربة، وتغير سلوك البشر الاستهلاكي وتدميرهم للنفس وللحياة عبر التجارب “العلمية” المُشعَّة وتفجيرات نووية وتجارب كيميائية وبيولوجية قاتلة ومبيدة، وانتشار الحروب بشكل فظيع مع تطور آلة الحرب نتيجة تطوير الصناعات الحربية التي بدأت مرحلتها الأولى من اكتشاف البارود، وابتعاد الإنسان “المتحضر”، الميال نحو الرفاهية المادية عن وجهته كإنسان عاقل في هذا الوجود، هو ما أوصل إلى ثقب الأوزون وإلى تغير مناخ الكرة الأرضية وإلى ظهور أنشطة كانت نائمة من زلازل وبراكين وفيضانات أنهُر وبحار، واندلاع حرائق قاتلة ومدمِّرة في كثير من أجزاء العالم، وانتشار كثير من الأمراض والأوبئة التي لم يعرفها العالم من قبل، حتى وإن كان هذا العالم قد تجرَّع من كأس الحروب والاقتتال العالمي في ما سبق، أوبئة مبيدة كالطاعون والكوليرا التي فتكت بعدد كبير جدا من الناس في أوروبا وغير أوروبا، ناهيك عن الحروب الدامية التي حدثت تباعا في العالم ما بعد الصناعة، منها الحرب العلمية الأولى والثانية وفظائعها وجرائمها ضد الإنسانية.

كل هذا، هو فقط جزء من نتائج ما اقترفته يدا الإنسان المعاصر الحديث، فلقد “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا…” (الآية الكريمة)، وبات واضحا أن أي إخلال بالنسق المتجانس والمتناغم للعالم مهما صغُر أو كبُر، من شأنه أن يخلَّ بالتوازن الطبيعي العامّ وبطبيعة الكون والناموس الكوني، الذي يعني إغريقيًّا “الكل المنظم”.

هذا الكل المنظم، هذا الناموس الكوني، في حال ما إذ تعرَّض لإفساد في المنظومة الكونية، فإنه يخلّ بالتوازن الكوني ككل ويزيد من تفاقم هشاشة الحضارة الهشة.

الشروق الجزائرية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)