عقلية “المؤثرات العقلية”

عمار يزلي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
كان لظهور عصر التجارة الفضائية الرقمية في الغرب أولا، الأثرُ الكبير في ظهور ما يسمى تجارة وإعلام “البوز”، لكن انتشار هذه الظاهرة في العالم زاد مع الانتشار الواسع لاستعمال الحواسيب والهواتف الذكية عالميا، إذ أصبح لكل فرد تقريبا هاتفٌ ذكي يحمل كل مواصفات “قناة خاصة” للاستقبال والإرسال وإنتاج المحتوى، وأصبح كل فرد “منقطعا عن القطيع” متفرّدا عن الجماعة المؤثرة سابقا، مما سهَّل التفتيت الاجتماعي لظاهرة الاستهلاك الواسع لكل المواد: ثقافية، أدبية، تجارية، سياحية، ترفيهية، رياضية.

هذا التفتيت، جعل الأذواق تتغير وتتبدل ومن ثمّ جعل وسطاء الترويج، أو من يسمّون “المؤثرين” أو بعبارة أكثر تنميقا وتقييما لدورهم في الترويج لكل أشكال البضائع والسلع: “صناع المحتوى”، على تدنِّي المستوى وترهُّل المضامين والمحتويات، وضحالة أشكالها التسويقية الترويجية وفراغها الثقافي، جعلهم ينبتون كالفطر في مستنقع بكتيري متكاثر ومتنافر مع الواقع وأخلاقه وهويته أيضا.
المسألة هنا مرتبطة بظاهرة “الانتشار” وما يسمى إعلاميا “المرئية”، وريثة التجارة الرأسمالية قبل بداية عصر تطور التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهي أصل وفصل هذا “الغباء الفطري”، فالرأسمالية تقتضي الربح ولا شيء غيره، مهما كانت السبل والطرق، فالغاية تبرر الوسيلة.

هذا ما يجعل الغاية هذه تصطدم مع القواعد الاجتماعية العامَّة ومع الضوابط الأسرية والدينية والأخلاقية، وهذا ما يدفع نحو الصراع بين “المحدثات” التي تُنتج “البدع” وتدفع نحو رسم الحدود ووضع السدود أمام استفحال العولمة وتغوُّل وسائل الاتصال وانتشار الاستعمال عن بُعد: العلاقات الافتراضية والتجارة السحابية، التي تقتضي زبائن كُثُرا ومستهلكين بلا حدود إقليمية ولا جغرافيا. هذا من شأنه أن وَظف لترويج لهذه لسلع، أيا كان وزنها وقيمتها الاستهلاكية والثقافية والرمزية، وسطاء تجاريين مرتبطين فكريا وعقليا بمصدر الترويج: الغرب، وهذا بكل مكوناته الفكرية والإيديولوجية والثقافية. هذا الأنموذج وهذا “الباراديغم” العقلي، تحوَّل سريعا إلى حامل مضمون وناشر له عبر الشكل ذاته الموجود في الغرب بكل موبقاته أحيانا، وحتى أقل درجة وأحط منزلة. الأمر كله مؤسسٌ على التقليد، والتقليد لن يكون بأي حال من الأحوال أجود أو أرقى أو حتى معادلا للأصل، على سوء الأصل وفساده.

صناعُ المحتوى كما يسمّون، وإن كانوا كلهم ليسوا سواء بالطبع، إذ إن كثيرا منهم يدركون فعل ذلك وينزعون نحو إنتاج محتوى فكري وهوياتي متماش مع هوية المجتمع وفكره ومعتقداته وتمثلاته الفكرية والدينية والأخلاقية. غير أنه وللأسف، المستوى المتدني وحتى الضحل، هو المميز والمنتشِر أكثر، ويساهم في إفساد الذوق وتسويق الحلم الزائف والصورة النمطية المضلِّلة لثقافة الغرب واستهلاكه وسلوكاته وثقافته الاستهلاكية ونمط فكره غير التقليدي المحارِب للضوابط الاجتماعية التي تجعل المجتمع متماسكا ويقظا أمام سياسية “السم في الدسم” التي تسوَّق ويروَّج لها للأسف بأفواه ووجوه وأياد وأرجل عربية ومسلمة، لكن بقلوب وألسنة تتماهي مع الآخر، الغريب، الدخيل، البارع في زعزعة المنظومة الفكرية والثقافية، سواء عبر الاستهلاك الثقافي أم التجاري أو الإعلامي.
اللهثُ وراء الربح، يدفع باتجاه جنون تخطي الحواجز ومقتضيات الأسرة والمجتمع والدين والأخلاق العامة أحيانا.

وهذا ما نشاهده ومن خلال ما نسمعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تسعى كثيرٌ من الحكومات والدول إلى تدارك تفاعلها وتأثيرها على “العقل” المحلي، خوفا عليه من هذه “المؤثرات العقلية” التي لا تختلف عن المخدرات بكل أشكالها وألوانها وتأثيراتها، الباعثة على البهجة، المنتِجة لحريق داخلي مدمِّر لدى أفراد مشتتين منفيين، منحرفين، دُعوا إلى “التحرُّر” من روابط العائلة وضوابط المجتمع فوقعوا في مستنقع التحوُّل والانحلال والذوبان.

الشروق الجزائرية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)